ما وراء الخبر
اقتصاد الحرب
إعداد: فريق سودان ستوري
في سوق الذهب بمدينة دبي، أو وراء المكاتب التجارية في هونغ كونغ، قد تبدو المعاملات المالية مجرد أرقام جافة على شاشات الحواسيب. لكن في جبهات القتال بالسودان، تترجم هذه الأرقام إلى وقود، ومسيرات، وذخائر، ورواتب لجنود يواصلون قتالاً يمزق البلاد منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
هذا الرابط الوثيق بين بريق المعدن النفيس ودخان المدافع، دفع العواصم الغربية إلى تغيير استراتيجيتها بالكامل؛ فخلال أربعة أيام فقط، انتقل الذهب السوداني من هامش بيانات العقوبات الدولية إلى مركزها الصاخب.
أربعة أيام غيّرت فلسفة العقوبات
بدأ التحول في 13 يوليو 2026، عندما تبنى الاتحاد الأوروبي مقاربة “قطاعية” غير تقليدية: فرض حظراً شاملاً على شراء الذهب السوداني أو استيراده أو نقله، وترافق ذلك مع حظر بيع الزئبق والسيانيد — وهما المادتان الأساسيتان اللتان لا يمكن استخراج الذهب ومعالجته بدونهما — إلى السودان.

بعد ثلاثة أيام فقط، في 16 يوليو، أكملت بريطانيا المشهد بالتركيز على “العُقد البشرية”؛ حيث أعلنت فرض عقوبات على 11 فرداً وكياناً تجارياً. الرسالة الأوسع وراء القرارين المشتركين هي أن الغرب بدأ يتعامل مع الحرب السودانية بوصفها نظاماً اقتصادياً متكاملاً له مناجمه، ووسطاؤه، وشركاته العابرة للحدود، وليس مجرد مواجهة عسكرية بين جنرالين.
لماذا الذهب بالتحديد؟
بعد فقدان الخرطوم لمعظم عائدات النفط إثر انفصال جنوب السودان، صعد الذهب ليكون شريان الحياة الرئيسي للنقد الأجنبي. ومع انهيار مؤسسات الدولة الرسمية بعد أبريل 2023، تحول المعدن الأصفر إلى العملة المثالية لاقتصاد الحرب لثلاثة أسباب جوهرية:
- سهولة النقل: أصل صغير الحجم، عالي القيمة، يمكن تحريكه عبر الحدود بعيداً عن الرقابة المصرفية.
- محو المنشأ: بمجرد صهر الذهب أو خلطه بسبائك من مصادر أخرى، يصبح من المستحيل تقريباً إثبات هويته الجغرافية الأولى.
- مرونة التداول: يسهل تداوله عبر الشركات الواجهة والتحويلات المالية غير المباشرة.
ورغم أن الصادرات الرسمية المسجلة بلغت نحو 1.5 مليار دولار في عامي 2024 و2025، إلا أن تقديرات الحكومة البريطانية تشير إلى أن القيمة الحقيقية للقطاع أعلى بعدة أضعاف، وأن ذهباً بمليارات الدولارات يتسرب سنوياً عبر شبكات التهريب لتمويل الآلة العسكرية.
تفكيك شبكات التمويل: من يقف وراء الطرفين؟
لائحة الاتهامات البريطانية الأخيرة وضعت يدها على تفاصيل الخريطة المالية التي تُدير المشهد من خلف الستار، موزعة بين جبهتي النزاع على النحو التالي:
- الطرف المرتبط بقوات الدعم السريع: وضعت بريطانيا “أبو ذر عبد النبي حبيب الله أحمد” في مركز الشبكة، بوصفه ممولاً وميسراً للمشتريات، يُشتبه في إدارته لشركات عقارية وقابضة في دبي (مثل شركتي بروديجوس وعون) لتحريك الأموال لصالح القوات.
- الطرف المرتبط بالجيش السوداني: أُدرج “أحمد عبد الله” لصلته بالمشتريات العسكرية وتأمين المعدات عبر ولايات قضائية بعيدة، إلى جانب شركة “بورتكس التجارية” المسجلة في هونغ كونغ، وشركتي التعدين الحكوميتين “أم درمان” و”أرياب”، واللتين تتهم لندن الحكومة بتوجيه عائداتهما لتمويل المجهود الحربي.
(تنويه: هذه توصيفات واتهامات صادرة عن الحكومة البريطانية وليست أحكاماً قضائية، ويظل للأشخاص والشركات المعنية حق الرد).
سودامين: الرمادية الكاملة لاقتصاد الحرب
الحالة الأكثر تعقيداً التي كشفها الدفتر البريطاني تجسدت في شركة «سودامين المحدودة». تشتبه لندن في أن هذه الشركة لعبت دور الوسيط المشترك، حيث وجهت عائدات “ذهب النزاع” إلى الجيش وقوات الدعم السريع معاً، مستندة إلى صلات سابقة بشركة «الجنيد» الخاضعة للعقوبات.
هذا الاتهام — إن ثبت — يكشف عن الجانب الأكثر واقعية وخطورة في اقتصادات الحروب؛ فالشبكات التجارية تتقاطع مصالحها أحياناً فوق خطوط القتال نفسها، متجاوزة حدود المعسكرات السياسية المغلقة، طالما استمر تدفق الذهب والسيولة.
خلفية التوقيت: لم يكن توقيت العقوبات اقتصادياً بحتاً؛ إذ ربطت لندن قراراتها بالتطورات الميدانية حول مدينة “الأبيض”، محذرة من فظائع جديدة. العقوبات هنا تستهدف شل الموارد التي قد تمول المرحلة التالية من الحرب — من وقود وطائرات مسيرة ورواتب — قبل أن تبدأ على الأرض.
معضلة الفعالية: خنق الماكينة أم تغيير اليافطات؟
تنجح العقوبات عادة في رفع كلفة المعاملات المالية، ودفع المصارف الدولية المتوجسة إلى رفض الشحنات المرتبطة بالأسماء المدرجة، كما أنها تمنح الصحفيين الاستقصائيين والجهات الرقابية خيوطاً جديدة للتتبع.
لكن التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن إدراج الأسماء لا يوقف الماكينة تلقائياً. في غياب آليات تتبع صارمة تعتمد على “بصمة المنشأ” للذهب في المصافي العالمية، وتكشف المالكين الحقيقيين وراء الشركات الشبحية، فإن هذه الشبكات تمتلك مرونة عالية للتكيف؛ إذ يكفي أحياناً نقل الملكية لواجهة جديدة، أو تغيير لافتة المكتب التجاري في دبي أو هونغ كونغ.. ومواصلة العمل.
العقوبات ليست بديلاً عن المسار السياسي أو وقف إطلاق النار، لكنها تؤكد أن المجتمع الدولي بدأ أخيراً يلتفت إلى “القلب المالي النامي” للحرب السودانية. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل ستتحرك دول العبور والمصافي العالمية لإغلاق هذه المنافذ، أم أن بريق الذهب سيظل أقوى من قيود الورق؟
ملاحظة تدقيقية: اعتمدت «سودان ستوري» في توزيع الأسماء والكيانات على النسخة الإنجليزية الرسمية من بيان الحكومة البريطانية وبيان المجلس الأوروبي، مع نسبة الاتهامات والتوصيفات إلى الجهة التي أصدرتها.

