إعداد: عباس محمد إبراهيم
من واشنطن والقاهرة ونيويورك إلى مكتب وزير الخارجية وملفات التفاوض والسلام، بنت منال رضوان مساراً دبلوماسياً طويلاً. محمد الفكي سليمان يقول لـ«سودان ستوري» إن لديها معرفة دقيقة بالملف السوداني وتركيبة القوى المدنية.

أعاد قرار وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان تكليف الدكتورة منال بنت حسن رضوان مستشاراً ومبعوثاً خاصاً له للمفاوضات وجهود السلام، اسم دبلوماسية سعودية ظلت لسنوات تعمل في ملفات السياسة الخارجية والتفاوض إلى واجهة الاهتمام.
وبالنسبة إلى السودان، لا تبدأ قصة رضوان مع قرار التكليف الجديد.
فخلال سنوات عملها في وزارة الخارجية السعودية، مرت بمحطات شملت واشنطن والقاهرة ونيويورك، وعملت في ملفات أفريقية وفي مكتب وزير الخارجية، قبل أن تتولى رئاسة فريق التفاوض في الوزارة وتشارك خلال الفترة الأخيرة في منصات دولية مرتبطة بالوساطة وجهود السلام. ويكشف تتبع مسارها معرفة سابقة بالسودان تعود إلى سنوات الحكومة الانتقالية، في وقت كانت فيه الخرطوم والرياض تحاولان إعادة بناء علاقتهما بعد سقوط نظام عمر البشير.
لقاءات من زمن الانتقال
في 27 يناير 2021، زار عضو مجلس السيادة الانتقالي آنذاك محمد الفكي سليمان الرياض، حيث استقبله وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، بحضور وزير الدولة لشؤون الدول الأفريقية في ذلك الوقت أحمد بن عبد العزيز قطان.

وكانت رضوان تعمل آنذاك ضمن الدائرة المعنية بالشؤون الأفريقية في الخارجية السعودية، قبل انتقالها لاحقاً إلى مكتب وزير الخارجية.
ويقول الفكي لـ«سودان ستوري» عن معرفته بها:
«لديها معرفة دقيقة بالملف السوداني وتركيبة القوى المدنية، وكنت قد التقيتها مع وزير الخارجية فرحان ووزير الدولة بالخارجية الجبير ووزير الدولة للشؤون الأفريقية قطان خلال فترة الحكومة الانتقالية، ودار بيننا نقاش مطول حول مستقبل العلاقات السودانية السعودية، ونأمل أن يساهم تعيينها في تقريب وجهات النظر والدفع بالحل في السودان من أجل استقراره واسترداد المسار المدني الذي انقلب عليه البرهان»
وكان عادل بن أحمد الجبير يشغل في تلك الفترة منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية وعضو مجلس الوزراء، فيما كان قطان وزير الدولة لشؤون الدول الأفريقية.
وتمنح شهادة الفكي بعداً مختلفاً لصورة المبعوثة الجديدة؛ فهي تحمل معرفة تعود إلى مرحلة الانتقال، حين كانت طبيعة علاقة السودان بالخليج، ومستقبل الحكم المدني، وإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية، ملفات مفتوحة للنقاش.
مسار دبلوماسي طويل
بدأت رضوان مساراً دبلوماسياً امتد عبر أكثر من مركز دولي. عملت في السفارة السعودية في واشنطن في ملفات سياسية واتصالات مع الكونغرس، ثم في بعثة المملكة لدى جامعة الدول العربية في القاهرة، قبل انتقالها إلى البعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في نيويورك.

وفي الأمم المتحدة، شاركت في أعمال دبلوماسية متعددة الأطراف، قبل عودتها إلى الرياض والعمل في ملفات الشؤون الأفريقية.
ثم انتقلت في 2021 إلى مكتب وزير الخارجية مستشارة، وتدرجت لاحقاً داخل دائرة التفاوض في الوزارة حتى أصبحت رئيسة فريق التفاوض.
وخلال الفترة الأخيرة، ظهرت رضوان في عدد من المحافل الدولية المرتبطة بالتفاوض والوساطة، من بينها منتدى أوسلو، إلى جانب مشاركتها في اجتماعات دبلوماسية مرتبطة بجهود السلام والقضايا الإقليمية.
ويجمع مسارها بين العمل السياسي والدبلوماسية متعددة الأطراف والتفاوض وحل النزاعات؛ وهي الخلفية التي تفسر انتقالها الآن إلى موقع المبعوث الخاص للمفاوضات وجهود السلام.
تعرف السودان.. لكن السودان تغيّر
استطلعت «سودان ستوري» عدداً من القيادات السياسية السودانية من معسكرات مختلفة حول معرفتهم برضوان، ولم يذكر أي منهم، باستثناء محمد الفكي، أنه التقاها شخصياً.
غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن صلتها بالسودان كانت محدودة، فخلال الفترة الانتقالية كانت قنوات التواصل الحكومي مع دول الخليج والعالم العربي تخضع لترتيبات محددة داخل مؤسسات الحكم، وشملت هذه الترتيبات حتى بعض الاتصالات المتعلقة بالحاضنة السياسية لقوى الحرية والتغيير. لذلك لم تكن طبيعة العمل تقتضي بالضرورة اتصال الدبلوماسيين السعوديين المباشر بطيف واسع من القيادات السياسية.
ما تبدل بصورة جذرية هو السودان نفسه.
فالبلاد التي عرفتها رضوان خلال المرحلة الانتقالية كانت تعيش صراعاً حول مستقبل التحول المدني والعلاقة بين المكونين العسكري والمدني. أما السودان الذي قد تجد نفسها اليوم معنية بالتفاوض حوله، فهو بلد يمزقه نزاع مسلح ممتد، وتتنازعه سلطات وقوى عسكرية وسياسية متعددة، فيما أصبحت التدخلات الإقليمية جزءاً أكثر حضوراً في تشكيل مسارات الأزمة.
كما تغير الدور السعودي؛ فمنذ استضافة جدة للمفاوضات بين الجيش وقوات الدعم السريع في 2023، توسع انخراط الرياض في الملف السوداني، وانتقلت تحركاتها خلال الأشهر الأخيرة إلى مستويات سياسية ودبلوماسية أكثر تعقيداً. ومع هذا التوسع، ظهرت كذلك تحفظات داخل عدد من القوى السودانية على المقاربة السعودية الحالية للملف.
وهنا تبرز المفارقة التي ستواجه المبعوثة الجديدة: منال رضوان تعرف السودان، وفق شهادة مسؤول سوداني تعامل معها خلال الفترة الانتقالية، بينما تبدأ مهمتها المحتملة في لحظة أصبح فيها بعض السودانيين أكثر تشككاً في السياسة التي تمثلها الرياض تجاه بلادهم.
وربما يكون الاختبار الأصعب أمام رضوان متعلقاً بمدى قدرة خبرتها القديمة بالسودان على المساعدة في تقريب مسافات اتسعت كثيراً منذ آخر مرة ناقشت فيها مع السودانيين مستقبل بلادهم، لا بالتعرف إلى القوى السودانية أو فهم تركيبتها.
والسؤال التالي يتجاوز المبعوثة نفسها إلى السياسة التي ستعمل داخلها: ماذا تريد السعودية من السودان؟

