بحسب بيانات تجارية متاحة، تراجعت الصادرات الكينية المباشرة إلى السودان بنسبة تقارب 69% خلال الربع الأول من 2026، فيما واصل جزء من الشاي طريقه عبر دول وسيطة ومسارات أقل شفافية، محمّلًا بتكاليف النقل وإعادة التعبئة وأرباح الوسطاء.
نيروبي: سودان ستوري
بين مستودعات مومباسا الساحلية المكتظة بأكياس الشاي العالقة، وأسواق السودان التي أنهكتها الحرب وارتفاع الأسعار، ترتسم واحدة من مفارقات الاقتصاد السوداني خلال سنوات النزاع: السياسة تغلق الطريق الرسمي أمام السلعة، لكن التجارة تبحث لها عن ممرات أطول وأغلى وأقل خضوعًا للرقابة.
لم تكن شحنات الشاي الكيني مجرد أرقام في ميزان التجارة بين شرق أفريقيا والسودان. فعلى مدى عقود، أصبح الشاي الأسود الكيني جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية للسودانيين، وتشكلت حول درجاته ونكهاته سوق واسعة، استوعبت ملايين الكيلوغرامات سنويًا.
لكن الخلاف السياسي بين سلطة بورتسودان والحكومة الكينية نقل هذه السلعة من رفوف المتاجر إلى قلب المواجهة الدبلوماسية. ففي مارس 2025، أوقفت وزارة التجارة التابعة لسلطة بورتسودان استيراد جميع المنتجات الكينية، ردًا على استضافة نيروبي اجتماعات لقوات الدعم السريع وحلفائها السياسيين والمسلحين.
منذ ذلك الحين، أصبح السؤال يتعلق بالطريق الذي يسلكه الشاي الكيني للوصول إلى السودان، وبالكلفة التي يبلغها عند وصوله.
تُغلق الموانئ الرسمية أمام السلعة، فتبحث التجارة عن نوافذ خلفية. تُعاد تعبئتها في أسواق وسيطة، وتعبر حدودًا متعددة، لتصل إلى المستهلك محمّلة بكلفة النقل والوساطة ومخاطر الحرب.
شاي صُمم للسوق السودانية
عندما صدر قرار الحظر، كانت مئات الحاويات قد دخلت مراحل مختلفة من سلسلة الشحن بين كينيا والسودان. بعضها كان في الموانئ، وبعضها وصل إلى بورتسودان قبل أن يتوقف التخليص، فيما ظلت شحنات أخرى داخل مستودعات مومباسا بلا وجهة نهائية.
وبحلول منتصف 2026، أشارت بيانات تجارية متاحة إلى أن نحو 1.7 مليون كيلوغرام من الشاي الكيني من درجة BP1 كانت لا تزال عالقة في مومباسا، بعد شرائها وإعدادها للسوق السودانية.
ولا تمثل هذه الدرجة مجرد تصنيف فني للجودة؛ إذ جرى اختيارها وخلطها وتعبئتها بما يناسب ذائقة المستهلك السوداني. وهذه الخصوصية جعلت إعادة توجيهها إلى أسواق مثل الصين أو أوروبا أو باكستان أكثر تعقيدًا، لأن كل سوق تطلب درجات ونكهات وعبوات مختلفة.
وبذلك، خسر المصدرون الكينيون سوقًا كانت تستوعب أصنافًا محددة بصورة منتظمة، ولا يسهل نقلها فورًا إلى وجهات بديلة.
انهيار الطريق المباشر
بدأ تراجع تجارة الشاي بين البلدين قبل قرار الحظر. فبحسب أرقام تجارية متداولة، انخفضت الصادرات الكينية إلى السودان من نحو 28.17 مليون كيلوغرام في 2021 إلى قرابة 20 مليونًا في 2022، ثم تراجعت إلى نحو 12 مليون كيلوغرام في 2023، بعد اندلاع الحرب.
واصلت الصادرات انخفاضها خلال 2024، مع اضطراب المصارف والنقل الداخلي وتراجع القوة الشرائية وصعوبة توزيع السلع من بورتسودان إلى بقية الولايات.
لكن قرار مارس 2025 نقل السوق من التراجع التدريجي إلى الانكماش الحاد.
وبحسب البيانات ذاتها، لم تتجاوز الصادرات المباشرة إلى السودان في الربع الأول من 2026 سوى 1.79 مليون كيلوغرام، بانخفاض سنوي بلغ نحو 69%. ويعكس الرقم انهيار القناة الرسمية بين مومباسا وبورتسودان، أكثر مما يثبت اختفاء الطلب السوداني على الشاي الكيني.
فالشاي لم يختفِ تمامًا من الأسواق.
من الطريق الرسمي إلى التجارة الموازية
تفيد جهات عاملة في تجارة الشاي بشرق أفريقيا بأن بعض الشحنات الكينية واصلت الوصول إلى السودان بعد إعادة تعبئتها أو إعادة تصديرها عبر دول ثالثة.
ولا توجد حتى الآن بيانات جمركية كافية تحدد حجم هذه التجارة أو تكشف مسارًا واحدًا يمكن اعتباره الطريق الرئيسي. لكن ارتفاع واردات الشاي الكيني إلى أسواق إقليمية، من بينها مصر والإمارات وتشاد وجنوب السودان، أثار أسئلة بشأن الوجهة النهائية لجزء من تلك الشحنات.
يمكن رسم الطريق المحتمل على النحو الآتي:
مومباسا ← موانئ وأسواق وسيطة ← إعادة تعبئة أو تصدير ← معابر برية وإقليمية ← الأسواق السودانية
لكن هذا المسار يظل إطارًا عامًا، لا خريطة مثبتة لكل شحنة. فزيادة واردات دولة وسيطة قد تعكس استهلاكها المحلي أو إعادة تصديرها إلى أسواق متعددة، وليس إلى السودان وحده.
المؤكد أن إغلاق الطريق المباشر أفسح المجال أمام شبكة أكثر تعقيدًا من التجار والناقلين وشركات إعادة التعبئة والوسطاء.
سوق سودانية منقسمة
لم تعد تجارة الشاي داخل السودان تتحرك في سوق وطنية موحدة.
فالمناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش في شمال وشرق البلاد تعتمد بصورة رئيسية على بورتسودان، وعلى السلع القادمة عبر مصر والبحر الأحمر ومنافذ الشمال.
في المقابل، أصبحت مناطق واسعة من دارفور وأجزاء من كردفان تعتمد بدرجة متزايدة على التجارة البرية القادمة من تشاد وجنوب السودان وليبيا، في ظل تعطل طرق الإمداد القديمة وانقسام السيطرة على المعابر والطرق.
هذا الانقسام الجغرافي يحد من قدرة قرار صادر في بورتسودان على منع السلعة داخل جميع أنحاء السودان. فالسلطات تستطيع ضبط الموانئ والمعابر التي تسيطر عليها، لكنها لا تملك السيطرة نفسها على الحدود الممتدة ومناطق التجارة غير الرسمية.
وبذلك، أعاد الحظر توزيع مسارات الشاي بدلًا من إيقافه: طريق بحري رسمي تقلص، ومسارات برية وإقليمية ازدادت أهمية.
«العلاوة السياسية»
حين تسلك السلعة طريقًا أطول، لا يبقى سعرها كما كان.
تضاف إلى قيمة الشاي تكاليف الشحن إلى الدولة الوسيطة، وإعادة التعبئة والتخزين، والنقل البري، وفروق العملات، ومخاطر التلف أو المصادرة، فضلًا عن الرسوم الرسمية وغير الرسمية المفروضة على بعض المعابر والطرق.
هذه الزيادة يمكن وصفها بـ«العلاوة السياسية»: الكلفة التي يدفعها المستهلك بسبب خلاف دبلوماسي لم يلغِ حاجته إلى السلعة، لكنه ألغى الطريق الأقصر للحصول عليها.
ويظهر توزيع الخسارة في ثلاث حلقات رئيسية:
- المزارع والمصدر الكيني: فقدا سوقًا كانت تقدر قيمتها بعشرات الملايين من الدولارات سنويًا، وواجها كلفة تخزين الشحنات وصعوبة بيع الدرجات المخصصة للسودان.
- المستهلك السوداني: أصبح يدفع ثمن سلسلة أطول تضم مزيدًا من الوسطاء وتتعرض لتقلبات العملة ومخاطر النقل في مناطق الحرب.
- الخزينة العامة: تراجعت قدرتها على تحصيل الجمارك والرسوم ومراقبة جودة السلع، كلما انتقلت التجارة من الموانئ الرسمية إلى المسارات غير المسجلة.
أما المستفيدون، فهم الوسطاء الذين ظهروا بين المنتج والمستهلك: تجار إعادة التصدير، وشركات التعبئة، والناقلون، والجهات المسيطرة على المعابر والطرق.
هل وجدت كينيا البديل؟
دفعت خسارة السوق السودانية وتراجع الطلب الإيراني الحكومة الكينية إلى توسيع صادراتها نحو أسواق أخرى، من بينها عُمان وكازاخستان والصين وجنوب أفريقيا.
وحققت بعض هذه الوجهات نموًا واضحًا في وارداتها خلال 2025، لكن ذلك لا يعني أن كينيا وجدت بديلًا كاملًا للسودان.
وترتبط أهمية السوق السودانية بعوامل تتجاوز حجمها، من بينها نوعية الشاي الذي تشتريه، وقربها النسبي من ميناء مومباسا، واستقرار طلبها التاريخي على درجات محددة.
وقد تنجح كينيا في تعويض الكميات الإجمالية عبر توزيع الصادرات على عدة دول، لكنها لن تعوض سريعًا الخصائص التجارية للسوق السودانية.
وكلما طال الحظر، أصبحت عودة السودان أكثر صعوبة. فالمصدرون يبنون علاقات وعقودًا جديدة، والمشترون البدلاء يثبتون وجودهم، وسلاسل الإمداد تتكيف مع الخريطة الجديدة.
تجارة الحرب
تكشف أزمة الشاي أن استخدام السلع الأساسية أداةً للعقاب السياسي في بلد منقسم لا يؤدي بالضرورة إلى منعها.
لقد نجح الحظر في تقليص التجارة الرسمية وإرسال رسالة سياسية إلى نيروبي، لكنه لم يلغِ الطلب السوداني، ولم يمنع كل الشحنات من الوصول.
بدلًا من ذلك، طال الطريق وارتفعت الكلفة، بينما تراجع وضوح الوجهة النهائية للشحنات، وانتقلت حصة من الأرباح والرسوم من المؤسسات الرسمية إلى الوسطاء وشبكات تجارة الحرب.
في مومباسا، تظل أكياس الشاي العالقة شاهدًا على سوق قطعتها السياسة. وفي السودان، يواصل المستهلك شراء السلعة نفسها، بثمن يتحكم فيه اليوم عامل الحرب والحدود والعملة والمسافة التي اضطر إلى قطعها قبل أن يصل إلى الفنجان، بقدر ما تتحكم فيه جودة الشاي نفسها.

