إجراء اعتيادي لتحديث بيانات العملاء يتحول، في بلد عطّل النزاع المسلح فيه الفروع وغيّر عناوين الملايين، إلى اختبار لقدرة المصارف على التوفيق بين الامتثال وإتاحة الخدمة.
تقرير : محمد عبد الرحمن
مهلة موحدة في واقع غير موحد
حدد بنك الخرطوم 30 سبتمبر/أيلول 2026 موعدًا أخيرًا لعملاء الحسابات المفتوحة قبل عام 2025 لتحديث بياناتهم، مستثنيًا الحسابات التي فُتحت خلال عامي 2025 و2026. وقال البنك إن الإجراء يمكن إكماله في أي فرع، وليس بالضرورة الفرع الذي فُتح فيه الحساب، وإن عدم التحديث قد يعرّض الحساب للتجميد أو الإيقاف. كما أوضح أن الخدمة مجانية وأنه يعمل على ترتيبات للعملاء الموجودين خارج السودان.
في نظام مصرفي مستقر، لا يبدو الطلب استثنائيًا. فالتحقق من هوية العميل ومراجعة بياناته ومصدر أمواله جزء من قواعد العناية الواجبة ومعرفة العميل (KYC). لكن أثر القاعدة الواحدة لا يتوزع بالتساوي عندما تكون الفروع متوقفة في أقاليم كاملة، وعندما غيّر النزاع المسلح أماكن إقامة الملايين ووسائل اتصالهم ومصادر دخلهم.
لهذا يتركز السؤال على طريقة تنفيذ الإجراء: ماذا يحدث لعميل يعمل حسابه عبر الهاتف، بينما لا يوجد فرع عامل في مدينته أو ولايته؟
من نيالا: الحساب يعمل والفرع غائب
في نيالا، عاصمة جنوب دارفور، يعتمد عبدالله محمد آدم على تطبيق «بنكك» في معاملاته اليومية وتحويلات أسرته. ويقول إن الحوالات المصرفية أصبحت جزءًا أساسيًا من اقتصاد المدينة، ولا سيما للأسر التي تتلقى أموالًا من أقاربها داخل السودان وخارجه.
«أنا شخصيًا أستخدم تطبيق بنكك بشكل يومي، سواء في التحويلات الشخصية أو تحويلات الأسرة، لأن كل العمل الذي نشتغل فيه متوقف على التحويلات البنكية.»
— عبدالله محمد آدم، نيالا
ومن واقع احتكاكه اليومي بالسوق، يقدّر عبدالله أن الاعتماد على التطبيق واسع بين الموظفين والتجار والأسر. وهذه ملاحظة محلية من واقع خبرته في السوق، لا إحصاء رسمي للسكان أو العملاء، وهي تفسّر وصفه لقرار يمس استمرار الخدمة بأنه بالغ الحساسية.
«معروف يا أخي أنه في نيالا بالتحديد، بعد هذه الحرب، لم يعد هناك أي مصرف شغال، ولا فرع واحد لبنك الخرطوم يعمل حاليًا في نيالا.»
— عبدالله محمد آدم، نيالا
نحو 18.7 مليون نسمة وشبكة فروع شديدة الاختلال
تقدّر بيانات السكان المتاحة عبر منصة البيانات الإنسانية HDX عدد سكان ولايات دارفور الخمس بنحو 11.29 مليون نسمة، وسكان ولايات كردفان الثلاث بنحو 7.40 مليون؛ أي ما مجموعه قرابة 18.68 مليون نسمة. ولا يعني ذلك أن جميع هؤلاء عملاء لبنك الخرطوم، إذ لا ينشر البنك توزيعًا جغرافيًا لعملائه، لكنه يوضح حجم السكان في منطقتين تعانيان محدودية الوصول إلى الفروع.
وتظهر لقطة من محدد الفروع الرسمي للبنك، راجعها «سودان ستوري» في 15 أغسطس/آب 2026، أن قاعدة البيانات تضم 128 فرعًا: 55 مصنفة عاملة و73 غير متاحة مؤقتًا. وفي دارفور، كانت الفروع السبعة المدرجة جميعها غير متاحة. أما كردفان، فظهر فيها ثمانية فروع؛ ثلاثة عاملة، وجميعها في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، وخمسة غير متاحة. ولا يظهر فرع عامل في غرب كردفان أو جنوب كردفان.
في غرب كردفان: أقرب فرع خارج الولاية
في غرب كردفان، يستخدم النيل رحمة الله، وهو صاحب متجر، «بنكك» لاستقبال التحويلات وإرسالها، وسداد المصروفات وإدارة المال الذي يعتمد عليه في نشاطه وإعالة أسرته. ويقول إن صعوبة التعامل النقدي خلال النزاع المسلح زادت اعتماد التجار والأسر على التطبيق.
«التطبيق ده أصبح لي الوسيلة الوحيدة البقعد أدير بها أموالي، وبنجز بها مهماتي، بدون ما أحتاج أمشي لأقرب فرع أو أحتاج لحاجة تانية.»
— النيل رحمة الله، غرب كردفان
لكن الانتقال من الاستخدام الرقمي إلى إجراء يتطلب حضورًا ماديًا يعيد المسافة إلى المعادلة. فبحسب رحمة الله، توقفت الفروع في غرب كردفان، وأقرب خيار متاح له يقع في شمال كردفان. وتنسجم إفادته مع محدد الفروع الرسمي، الذي لا يظهر فرعًا عاملًا في ولايته.
«في فترة التنقل دي أو السفر، دي بتبقى صعبة شديد لأنه بيكون فيها مخاطرة، والزول ممكن يفقد حياته.»
— النيل رحمة الله، غرب كردفان
«بنكك» اختصر المسافة، لكنه لم يلغها
أتاحت الخدمات المصرفية الرقمية استمرار جزء مهم من الحركة المالية في مناطق توقفت فيها الخدمات التقليدية. وبحسب إفصاح رسمي للبنك، بلغ عدد المشتركين المسجلين في «بنكك» 2.8 مليون بنهاية 2024. ولا يتيح هذا الرقم معرفة عدد المستخدمين في دارفور أو كردفان، لكنه يبيّن الحجم الذي بلغته الخدمة قبل عامين من المهلة الحالية.
ومع ذلك، لا يجعل التطبيق الوصول إلى المال بلا كلفة. ففي تقرير نشره «دارفور 24» في 10 يونيو/حزيران 2026، تراوحت عمولات تحويل الرصيد الرقمي إلى نقد بين 18 و20 في المئة في نيالا، ووصلت إلى 25 في المئة في بعض المحليات. ويقول عبدالله إن السعر قد يبلغ ربع المبلغ. وهذه عمولات في سوق تسييل نشأت مع ندرة النقد، ولا يفرضها البنك بصفة رسمية؛ لكنها تعني أن الخدمة الرقمية لا تلغي اعتماد العميل على وسيط محلي عندما يحتاج إلى أوراق نقدية.
المفارقة أن الحساب يُستخدم رقميًا وتعبر التحويلات مسافات وخطوط مواجهة في ثوانٍ، بينما تعيد عملية صيانة الحساب — عندما تُحصر في الفرع — الجغرافيا إلى الواجهة.
النزاع المسلح غيّر العنوان ووسيلة الاتصال
تشمل المراجعة، وفق منشور البنك، العنوان ووسائل الاتصال والبريد الإلكتروني والدخل، إلى جانب إثبات الهوية وإثبات مصدر الدخل لبعض أنواع الحسابات. لكن هذه هي البيانات التي غيّرها النزاع المسلح لدى كثير من السودانيين. ففي أبريل/نيسان 2026، قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن النزاع المسلح أجبر نحو 14 مليون شخص على الفرار من منازلهم، بينهم قرابة تسعة ملايين نازح داخل البلاد و4.4 مليون عبروا الحدود.
لذلك قد لا تعني المراجعة تصحيح سطر في نموذج قديم فحسب؛ فقد يكون العنوان قد اختفى أو أصبح خارج منطقة الوصول، ورقم الهاتف تغيّر، ومصدر الدخل انقطع أو انتقل إلى اقتصاد غير رسمي. ويقول البنك إنه يعمل على ترتيبات للموجودين خارج السودان، لكن الإعلان لا يحدد بعد آلية هذه الترتيبات أو موعد إتاحتها قبل انتهاء المهلة.
الامتثال لا يفرض حلًا واحدًا
توصيات مجموعة العمل المالي (FATF) تجعل العناية الواجبة بالعملاء ومراجعة البيانات جزءًا أساسيًا من مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لكنها تقوم كذلك على تقييم المخاطر ولا تشترط، بصيغة واحدة، أن يتم كل تحديث داخل فرع. وفي السودان، أصدر بنك السودان المركزي في ديسمبر/كانون الأول 2024 ضوابط لفتح الحسابات المصرفية عن بُعد عبر الإنترنت.
ويعلن بنك الخرطوم نفسه خدمة فتح حساب رقمي بالكامل، تستخدم التحقق من الهوية والفيديو ولا تتطلب زيارة الفرع. فتح الحساب وتحديثه عمليتان مختلفتان من الناحية الرقابية، ويدل وجود هذه الخدمة على بنية تقنية وتنظيمية يمكن البناء عليها لتصميم بدائل للعملاء الذين يتعذر عليهم الوصول إلى الفروع.
سياق مالي أكثر انقسامًا
تأتي المهلة في وقت يتعرض فيه النظام المالي السوداني لضغوط تتجاوز شبكة الفروع. ففي يونيو/حزيران 2026، وثّقت «رويترز» تداول أوراق نقدية حديثة الطباعة في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، مع بقاء مصدرها غير واضح، ضمن مسار أوسع نحو ترتيبات نقدية ومصرفية موازية. وفي الوقت نفسه ظل «بنكك» مستخدمًا عبر خطوط السيطرة، وإن بكلفة مرتفعة لتحويل الرصيد إلى نقد في بعض المناطق.
لا يقدم البنك قراره بوصفه إجراءً سياسيًا، ولا توجد في إعلاناته المنشورة قرينة تربط تحديث البيانات بهذا الانقسام. أهمية السياق هنا عملية: فالمكان الذي يوجد فيه العميل، والجهة التي تسيطر على الطريق، وتوافر النقد والاتصالات، كلها تؤثر في قدرته على الوصول إلى النظام المصرفي الرسمي.
الاختبار: كيف يُطبّق القرار؟
تكشف إفادتا نيالا وغرب كردفان أن المشكلة ليست واحدة في كل مكان. فالعميل القريب من فرع عامل يستطيع التعامل مع المهلة كإجراء إداري. أما العميل في ولاية لا يظهر فيها فرع عامل، فقد تتحول أمامه إلى كلفة سفر ومخاطرة، أو إلى انتظار آلية لم تُعلن تفاصيلها بعد.
وقبل حلول الموعد، تبقى الأسئلة العملية مفتوحة أمام بنك الخرطوم والسلطات النقدية: حول إمكانية إتاحة التحديث عن بُعد عبر التحقق الرقمي أو مكالمات الفيديو، وحول جدوى نشر فرق متنقلة أو مراكز معتمدة في الولايات التي لا تعمل فيها الفروع، وما إذا كانت القيود ستُطبّق بصورة متدرجة مع قناة واضحة للاستثناء والتظلم إلى أن تتاح ترتيبات الداخل والخارج.
الجواب عن هذه الأسئلة هو ما سيحدد ما إذا كان تحديث البيانات سيبقى إجراء امتثال معتادًا، أم يتحول — بفعل جغرافيا النزاع المسلح — إلى حاجز جديد أمام الوصول إلى الحساب.
ملاحظات المصدر والمنهج: أرقام الفروع نتيجة عدٍّ مباشر لسجلات محدد الفروع الرسمي في التاريخ الموضح، ولا تمثل تدقيقًا ميدانيًا مستقلًا. أرقام السكان تقديرات على مستوى الولايات ولا تقيس عدد عملاء البنك. الاقتباسات الواردة مستندة إلى الإفادتين الصوتيتين المرفقتين بالمسودة.
المصادر: محدد فروع بنك الخرطوم — خدمة فتح الحساب الرقمي لدى بنك الخرطوم — إنجازات بنك الخرطوم المنشورة (عدد مشتركي «بنكك» بنهاية 2024) — منشور بنك السودان المركزي بشأن فتح الحسابات عن بُعد، 2 ديسمبر/كانون الأول 2024 — بيانات السكان دون الوطنية للسودان (HDX) — المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، 10 أبريل/نيسان 2026 — توصيات مجموعة العمل المالي (FATF) — دارفور 24، 10 يونيو/حزيران 2026 — رويترز، 25 يونيو/حزيران 2026.

