خفض التمويل الإنساني يترك أثره في أرقام المانحين، لكنه يترك أثرًا أعمق داخل مائدة الأسرة، وغرف الطوارئ، وعلى الطريق الذي لا يصل.
سودان ستوري — اقتصاد الحرب / إنساني
في أم درمان، لم تعد مائدة الطعام تُرتّب كما كانت قبل الحرب. لا قائمة ثابتة، ولا نمط غذائي يمكن التمسك به، ولا قدرة على التخطيط لأسبوع كامل. هناك فقط ما يتوفر: من السوق إذا انخفض السعر قليلًا، من التكية إذا فتحت أبوابها، من قريب عاد بما استطاع، أو من جارة تقاسمت ما لديها.
تصف سكينة عبد المتعال، وهي أم لخمسة أبناء؛ ثلاث بنات وولدان في مراحل دراسية مختلفة، هذا التحول بعبارة موجزة. تقول لـ«سودان ستوري» إن أسرتها اختارت البقاء في أم درمان طوال سنوات الحرب، لكن البقاء لم يكن يعني أن الحياة احتفظت بشكلها القديم.
“مائدة الطعام خلال سنوات الحرب ظلت متحورة، لا تعتمد على نمط غذائي محدد، لكنها تُبنى وفقًا للوفرة.”
في هذه الجملة تختصر سكينة أثر أزمة لا تظهر كاملًا في بيانات المانحين، إذ يحدث خفض التمويل الإنساني داخل المطبخ، في عدد الوجبات، في نوع الطعام، وفي قدرة الأسرة على الحفاظ على حد أدنى من الحياة اليومية، أكثر مما يحدث في جداول بعيدة.
يقول برنامج الغذاء العالمي إن السودان مهدد بالتراجع مجددًا في مواجهة الجوع، مع اجتماع الحرب، وتراجع تمويل المساعدات، وارتفاع كلفة الزراعة والنقل بفعل اضطرابات الوقود والأسمدة. وبحسب البرنامج، يواجه نحو خمسة ملايين شخص مستويات طوارئ أو ظروفًا كارثية من الجوع، بينهم أكثر من مئة ألف في ظروف شبيهة بالمجاعة. كما اضطر البرنامج إلى خفض عدد من يتلقون مساعداته من نحو خمسة ملايين شخص إلى 3.5 ملايين فقط، بسبب فجوة تمويلية تبلغ 646 مليون دولار.
وتوضح خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026 أن 33.7 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، وهو أعلى رقم عالميًا، بينما تستهدف الخطة مساعدة 20.4 مليون شخص بتمويل يناهز 2.9 مليار دولار.
أبعد من نقص التمويل
تقول هبة عشيري، رئيسة لجنة العمل الإنساني في تحالف صمود، إن أخطر أثر مباشر لخفض التمويل الإنساني يتمثل في تراجع قدرة ملايين المدنيين على الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والمياه والخدمات الأساسية.

لكنها تضيف بعدًا آخر للأزمة: قيود على الوصول، وطرق مغلقة، ومعابر متعطلة، وخطر أمني يرافق كل محاولة لإدخال المساعدات.
وتقول عشيري في إفادة لـ«سودان ستوري»:
“استمرار القتال، وانعدام الأمن، وإغلاق الطرق والمعابر، والقيود الإدارية، واستهداف البنية التحتية والعاملين الإنسانيين، كلها عوامل تمنع وصول المساعدات إلى المحتاجين.”
بهذا المعنى، تصبح الأزمة مزدوجة: مال لا يكفي، وطريق لا يفتح. حتى عندما تتوفر الإمدادات، قد لا تصل. وحتى عندما تصل، قد لا تكفي. ويشير برنامج الغذاء العالمي إلى أن القتال حول الأبيض، وإغلاق معبر الطينة بين تشاد ودارفور، يعرقلان وصول المساعدات إلى مناطق تعد من الأكثر هشاشة.
في السودان اليوم، لا تبدأ المساعدة الإنسانية من المخزن، بل من الطريق: الطريق إلى دارفور، إلى كردفان، إلى الأبيض، إلى الخرطوم، وإلى الأحياء التي باتت تعتمد على التكايا وغرف الطوارئ والمبادرات المحلية.
فالطعام قد يكون موجودًا في مكان ما، لكنه يصبح غير متاح عندما تقطع الحرب الطريق، والدواء قد يصل إلى الولاية، لكنه لا يصل إلى المريض إذا تعطلت الحركة. لذلك يتجاوز الجوع هنا حدود أزمة الغذاء وحدها، ليصبح أزمة وصول ونقل وأمن وسوق وثقة في آن واحد.
المرض حين يجاور الجوع
تزداد هشاشة الأسر حين يلتقي نقص الغذاء مع تراجع الصحة والمياه. فقد حذرت منظمة الصحة العالمية من أن تفشي الكوليرا في السودان قد يتفاقم بفعل الحرب والنزوح وموسم الأمطار. وسجل التفشي، المعلن في 27 يونيو، أكثر من 1,300 إصابة و114 وفاة، مع انتشار واضح في دارفور وكردفان، وصعوبة شديدة في وصول الخدمات الصحية والمساعدات إلى المناطق المتأثرة.
هذا يعني أن خفض التمويل يضغط في آن واحد على الغذاء والمياه ومراكز العزل ومحاليل الإرواء والوقاية، وعلى قدرة الناس على الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب.
في بلد تُغلق فيه الطرق بفعل القتال، تصبح الكوليرا أكثر من وباء: تصبح اختبارًا لما تبقى من الدولة، والمنظمات، والمجتمع المحلي. وكلما تأخر الوصول إلى العلاج، تحولت حالة قابلة للعلاج إلى خطر قاتل.
حين تصبح الأسرة شبكة إغاثة
في الحي نفسه، تقول محاسن عثمان البدوي إن الحرب دفعت الأسرة الممتدة إلى التجمع في بيت واحد أو نطاق معيشة مشترك. لم يكن ذلك قرارًا اجتماعيًا فقط، بل آلية اقتصادية للبقاء.
تقول محاسن:
“منذ اشتعال الحرب، تجمعنا كأسرة: أنا وبناتي وعيالهم وأزواجهم، وعيال أبنائي وزوجاتهم. إلى جانب الإحساس بالأمان والدعم، كانت هذه حيلة للتأقلم مع صعوبات الحياة وفقدان الدخل وشح الدعم.”
وتضيف أن وجود الأسرة معًا ساعد في تجميع الموارد، وتقليل النفقات، وضمان حصول الجميع على وجباتهم، ولو بالحد الأدنى.
“تواجدنا مع بعضنا البعض يعني قدرتنا على توفير المواد، وأن الجميع يتلقى وجباته. هذه حيلة يستخدمها أغلب السودانيين للتغطية على نفقات بعضهم البعض.”
هنا تتحول الأسرة إلى مؤسسة إغاثة صغيرة، تتقاسم الطعام، والسكن، والدخل المحدود، ومسؤولية الأطفال وكبار السن. ومع تراجع التمويل الإنساني، يزداد اعتماد الناس على هذه الشبكات غير الرسمية: الأسرة، الجيران، التكايا، المبادرات، وغرف الطوارئ.
هذا النوع من التضامن، رغم أنه أحد أسباب بقاء الناس، لا يظهر عادة في الأرقام الرسمية، وهو أيضًا تضامن محدود الطاقة؛ فالأسرة التي تؤوي أبناءها وأحفادها لا تملك قدرة لا نهائية على التعويض عن غياب الدخل، أو تراجع المساعدات، أو ارتفاع الأسعار.
غرف الطوارئ في خط الدفاع الأخير
تقول هبة عشيري إن ما يصل إلى غرف الطوارئ والمبادرات المحلية داخل السودان لا يزال محدودًا، رغم أنها تتحمل جزءًا كبيرًا من الاستجابة اليومية في مناطق يصعب على المنظمات الدولية الوصول إليها.
وتوضح أن هذه الغرف والمبادرات تعمل غالبًا بإمكانات ضعيفة وجهود تطوعية، ولذلك ينعكس نقص التمويل عليها مباشرة.
“ما يصل إلى غرف الطوارئ والمبادرات المحلية لا يزال محدودًا، رغم أنها تعمل بإمكانات ضعيفة وتعتمد كثيرًا على الجهود التطوعية.”
وتشير عشيري إلى أن تقليص خدمات المنظمات الدولية ينعكس بدوره على الشركاء المحليين، وعلى قدرة المبادرات الصغيرة على الاستمرار. والسؤال الذي تفرضه هذه النقطة لا يتعلق فقط بحجم التمويل، بل بمساره: كم يصل إلى المؤسسات الدولية؟ وكم يصل إلى الشركاء المحليين؟ وكم يصل فعلًا إلى الذين يطبخون في التكايا، وينقلون المرضى، ويديرون غرف الطوارئ داخل الأحياء؟
حين تنسحب المنظمة أو تخفض حصتها، تبقى غالبًا غرفة الطوارئ، والتكية، والجيران، والأسرة الممتدة، دون أن يملك أي منها مخزونًا لا ينفد. وكلما طال أمد الحرب وتراجع التمويل، تحولت المبادرات المحلية من سند مؤقت إلى خط دفاع أخير، من دون ضمانات كافية لاستمراره.
الأطفال في قلب الانكشاف
تقول اليونيسف إن 33.7 مليون شخص في السودان، بينهم 17.3 مليون طفل، يحتاجون إلى دعم منقذ للحياة خلال 2026. وتسعى المنظمة، عبر نداء السودان الإنساني، إلى جمع 962.9 مليون دولار للوصول إلى 13.8 مليون شخص، بينهم 7.9 مليون طفل، بتدخلات في الصحة والتغذية والمياه والتعليم والحماية.
وتشير اليونيسف إلى أن أزمة التعليم بلغت مستوى غير مسبوق، مع حاجة 10.8 مليون طفل إلى دعم تعليمي، في بلد تتفاقم فيه انتهاكات حقوق الطفل مع تصاعد القتال في دارفور وكردفان.
هذه الأرقام تفسر لماذا يمتد أثر خفض الغذاء إلى ما هو أبعد منه؛ فالطفل الذي تفقد أسرته انتظام الطعام قد يفقد معه المدرسة والعلاج والماء الآمن والإحساس اليومي بالحماية، إذ يشكل الجوع هنا حلقة واحدة ضمن انهيار أوسع في شبكة الحياة.
داخل البيت، يظهر ذلك في تفاصيل صغيرة: طفل يتناول ما توفر لا ما يحتاجه، أم تؤجل شراء الدواء، أسرة تؤجل المدرسة، وبيت يزدحم بعدة أسر لأن توزيع الكلفة أصبح وسيلة للبقاء.
التمويل لا يكفي إذا ظل الطريق مغلقًا
تقول عشيري إن الرسالة الأساسية للمانحين الدوليين هي أن السودان لا ينبغي أن يتحول إلى أزمة منسية. وترى أن المطلوب ليس سد فجوة التمويل فقط، بل توجيه جزء أكبر من الموارد إلى الفئات الأكثر هشاشة: الأطفال، النساء، كبار السن، الأشخاص ذوو الإعاقة، النازحون، وسكان المناطق المحاصرة.
لكنها تشدد أيضًا على أن التمويل يجب أن يترافق مع ضغط واضح على أطراف النزاع لضمان وصول المساعدات دون عوائق.
وتختم بالقول:
“التمويل وحده لن ينقذ الأرواح إذا استمر منع الوصول الإنساني.”
هذه الجملة تلخص مأزق السودان اليوم، إذ يبقى المال ضروريًا لكنه غير كافٍ ما دام الطريق مغلقًا، ويبقى الغذاء متوفرًا في مكان ما لكنه لا يصل بلا ممر آمن، وتبقى المنظمات الدولية فاعلة لكنها غير قادرة على أن تحل محل المجتمع المحلي إلى الأبد.
في أم درمان، كما في مدن وقرى أخرى، يحاول الناس أن ينجوا بما لديهم: تكية، جيران، بيت ممتد، مائدة تتغير بحسب الوفرة. لكنها حلول يومية لا تصلح بديلًا عن استجابة إنسانية عادلة، ممولة، وقادرة على الوصول.
حتى ذلك الحين، سيبقى السؤال معلقًا فوق كل مائدة: من بقي داخل قوائم الغذاء، ومن سقط منها بصمت؟

