مقال رأي
بقلم عباس محمد إبراهيم
لا ينبغي قياس اجتماع نيروبي بما ورد في بيانه الختامي وحده. فالبيانات السياسية السودانية، مهما بلغت دقة عباراتها، نادراً ما تخبرنا بما يحدث فعلاً داخل التحالفات أو بينها. المؤشر الأكثر أهمية هذه المرة كان في مكان آخر: في هدوء القاعة، وحركة الأروقة، والطريقة التي اضطرت بها الآلية الخماسية إلى الحضور والاستماع إلى قوى سبق أن اعترضت على تصميم العملية السياسية.
لم يقدم الاجتماع حلاً للحرب. ولم يوحد القوى المدنية في تحالف جديد. لكنه كشف عن تحول محدود، وربما مهم: الرافضون للحرب بدأوا يدركون أن اعتراضهم لا يكتسب وزنه من صحة الموقف وحدها، بل من قدرتهم على الاجتماع، وإدارة خلافاتهم، وإجبار المسهلين على التعامل معهم بوصفهم طرفاً لا مجرد قائمة مدعوين.
كانت تركيبة الاجتماع كافية، نظرياً، لإنتاج خلافات حادة. المشاركون ينتمون إلى مدارس سياسية متباينة، وبعضهم يحمل تحفظات قديمة على تجارب الانتقال والتحالفات المدنية السابقة. ومع ذلك، لم تظهر داخل الاجتماع حالة التوتر التي اعتادت أن ترافق اللقاءات السياسية السودانية. كان المناخ أكثر من ودي، والمشاركون أكثر ارتياحاً في التعامل بعضهم مع بعض.
لا يعني ذلك أن خلافاتهم اختفت. المعنى الأدق هو أنهم نجحوا، مؤقتاً، في وضعها خلف حد أدنى مشترك: وقف الحرب، حماية المدنيين، واستعادة مساحة للعمل السياسي المدني.
في بلد تمزقت فيه السياسة بين معسكرين مسلحين، قد يبدو هذا الحد الأدنى متواضعاً. لكنه ليس بلا قيمة. فالأزمة السودانية لم تعد تعاني فقط من غياب الاتفاق على الحل، بل من غياب مركز مدني قادر على صياغة الأسئلة نفسها، والتحدث مع المسهلين بقدر معقول من التماسك.
هنا تكمن دلالة لقاء الآلية الخماسية بالمجتمعين في نيروبي.
خلال الأسابيع السابقة، أبدى تحالف «صمود» ومشاركون في إعلان المبادئ اعتراضات على طريقة إدارة العملية السياسية، ومعايير المشاركة فيها، وما اعتبروه محاولة لتحديد أطرافها ومسارها قبل التشاور الكافي مع السودانيين. وفي النهاية، لم يذهب هؤلاء إلى اجتماع صممته الآلية بشروطها؛ بل جاءت الآلية إليهم، وجلست معهم في المكان الذي اختاروا الاجتماع فيه.
لا ينبغي تضخيم هذه الواقعة. المسهلون لم يسلموا مفاتيح العملية السياسية للقوى المدنية، ولم يتبنوا بالضرورة جميع اعتراضاتها. لكن السياسة كثيراً ما تتحرك بالإشارات قبل القرارات.
وقد تكرر هذا النمط بعد نيروبي مباشرة. فاجتماع أديس أبابا الذي كان مقرراً في 29 يوليو لن يُعقد في موعده، بعدما وصل المسهلين اعتراض من القوى المدنية على شكل المشاركة الموسّعة فيه. مرة أخرى، لم يكن التأجيل قراراً تقنياً بحتاً، بل مؤشراً على أن هذه القوى صارت قادرة على فرض إيقاعها على جدول العملية السياسية، لا الاكتفاء بالتعليق عليه بعد وقوعه.
وحضور الآلية إلى نيروبي، شأنه شأن تأجيل أديس أبابا لاحقاً، كان إشارة إلى أن تجاوز هذه القوى، أو التعامل معها باعتبارها مجموعات متفرقة يمكن استدعاؤها كل على حدة، أصبح أكثر صعوبة.
وقد انعكس هذا الشعور في أجواء الاجتماع.
ظهر رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك بصورة مختلفة عن لقاءات سابقة. كان أكثر حركة، وأكثر انفتاحاً على المشاركين. بعد الاجتماع مع الآلية الخماسية، تنقل بين مجموعات متعددة، وتوقف طويلاً في الأروقة والمطعم، وتبادل الحديث مع قيادات تنتمي إلى مواقع سياسية متباينة.
لا يمكن بناء استنتاج سياسي كامل على ملامح شخص أو حركته داخل فندق. لكن الصحافة السياسية لا تكتفي بالنصوص الرسمية؛ إنها تراقب أيضاً لغة السلوك. وما ظهر في نيروبي كان أن حمدوك بدا أكثر اطمئناناً، وربما أكثر ثقة في قدرة القوى المدنية على التأثير في الترتيبات المقبلة.
كذلك كان حضور عبد الواحد محمد نور لافتاً. فهو لا يأتي من داخل التحالفات المدنية التقليدية، ويحمل تاريخاً طويلاً من التحفظ على العمليات السياسية التي تُبنى من أعلى. وجوده، إلى جانب مجموعة شبابية بدت قريبة منه، منح الاجتماع اتساعاً يتجاوز حدود تحالف واحد، من دون أن يعني ذلك انضمامه إلى جسم جديد أو تراجعه عن مواقفه السابقة.
وفي الأروقة، كان علي الريح السنهوري من أكثر الشخصيات حركة بين حلقات النقاش، بينما بدت حركة محمد الفكي سليمان وخالد عمر يوسف وصديق الصادق المهدي أقل خلال يومي الاجتماع، وفق الرصد الميداني لـ«سودان ستوري». لا تكشف هذه الملاحظة وحدها عن أوزان المشاركين داخل القاعة، لكنها توضح أن الاجتماع لم يكن متساوياً في أنماط الحضور والحركة السياسية.
السؤال الأكثر أهمية، مع ذلك، هو السؤال الذي لم يناقش رسمياً.
كيف يمكن لهذا التجمع أن يعمل بعد انتهاء الاجتماع؟
لم تكن آليات العمل المشترك بنداً مطروحاً داخل القاعة. بل بدا أن المشاركين يتجنبون فتحه، ربما لأن النقاش المبكر حول اللجان والهياكل والقيادة كان قادراً على تفجير التوافق الهش. لكن السؤال ظل حاضراً في اللقاءات الجانبية: هل يظل إعلان المبادئ مساحة لإصدار البيانات، أم يتحول إلى إطار تنسيق أكثر انتظاماً؟
هذا هو التحدي الحقيقي. فالقوى المدنية السودانية لا تعاني من نقص المبادرات أو التحالفات، بل من تضخمها. وكل جسم جديد يحمل معه خطر إضافة اسم آخر إلى قائمة طويلة من المنصات التي تبدأ بوحدة واسعة، ثم تنتهي إلى خلاف على التمثيل والقيادة.
لذلك قد يكون تجنب بناء هيكل جديد بسرعة موقفاً حكيماً، لا علامة ضعف. المطلوب ليس بالضرورة تحالف آخر، بل قدرة عملية على التنسيق: موقف مشترك تجاه المسهلين، آلية لمتابعة القضايا الإنسانية والسياسية، وحد أدنى يمنع القوى المدنية من أن تُستخدم كل واحدة منها في مواجهة الأخرى.
كان وجود دبلوماسيين غربيين يتحركون في أروقة الاجتماع دليلاً على أن هذا الاختبار لا يخص السودانيين وحدهم. المجتمع الدولي يراقب من يستطيع جمع الأطراف، ومن يستطيع العبور بين الانقسامات، ومن يملك خطاباً يمكن تحويله من بيان أخلاقي إلى موقف سياسي قابل للتفاوض.
ولسنوات، كانت المشكلة أن القوى الدولية تعرف مع من تتحدث في معسكري الحرب، لكنها لا تعرف على وجه الدقة من يمثل المساحة المدنية بينهما.
ربما لم يحل اجتماع نيروبي هذه المعضلة، لكنه بدأ في إعادة صياغتها.
الأمل هنا يجب أن يظل منضبطاً. لا يوجد ما يدل على أن وقف الحرب أصبح قريباً، أو أن القوى المدنية صارت موحدة، أو أن المسهلين تخلوا عن هندستهم الخاصة للمسار. لكن نيروبي، وما تلاها من تأجيل اجتماع أديس أبابا، أظهرا أن القوى الرافضة للحرب تستطيع، حين تنسق موقفها، أن تعدل سلوك المسهلين ولو بقدر محدود.
وهذا، في السياسة السودانية الراهنة، ليس أمراً صغيراً.
الاختبار الآن ليس في إصدار بيان آخر، بل في الحفاظ على المساحة التي صنعتها تلك الأيام: مساحة تسمح بالاختلاف من دون التفكك، وبالتنسيق من دون ابتلاع التحالفات القائمة، وبالضغط على المسهلين من دون الارتهان لهم.
ما خرج من نيروبي لم يكن مشروعاً سياسياً مكتملاً. كان بداية استعادة لفكرة أبسط وأكثر أهمية: أن المدنيين لا يصبحون طرفاً في الحل لأن العالم يقرر دعوتهم، بل لأنهم ينجحون في جعل تجاهلهم مكلفاً.
كل حكاية تستحق أن تُروى — سودان ستوري

