بقلم: رئيس التحرير
منذ انتقال مركز السلطة السودانية إلى بورتسودان، لم يعد البحر الأحمر مجرد واجهة جغرافية لبلد تمزقه الحرب. أصبح الساحل هو ما تبقى للسلطة من بوابة سيادية إلى العالم، وممراً للسلاح والإغاثة والدبلوماسية، وجائزة استراتيجية تتنافس حولها قوى إقليمية ودولية.
وهنا تكمن أهمية خطابين صدرا عن رجلين كانا، قبل سنوات قليلة، يقفان داخل الأرضية السياسية التي صنعتها ثورة ديسمبر.
في مقابلة مع وكالة الأناضول، قدّم أمجد فريد، المستشار السياسي ومستشار الشؤون الخارجية لرئيس مجلس السيادة، تركيا بوصفها الدولة القادرة على نقل رواية سلطة بورتسودان إلى العالم، مستنداً إلى علاقاتها بالعالم الإسلامي وصلاتها بدول حلف شمال الأطلسي. كما دعا إلى تصنيف الدعم السريع تنظيماً إرهابياً، وقدم الحرب باعتبارها اعتداءً على السيادة السودانية وحرباً بالوكالة تهدد القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر والساحل.
وفي واشنطن، قدم خالد عمر يوسف تقديراً أمنياً مضاداً. كتب أن الحركة الإسلامية أعادت فتح السودان أمام إيران، وأن إدارة دونالد ترامب تستطيع إغلاق هذا الباب. وبالنسبة إليه، لا يقتصر الخطر على انهيار الدولة أو على الدعم السريع وحده، إذ يمتد إلى احتمال أن تتحول سلطة الجيش نفسها إلى منصة لعودة الإسلاميين، ومن خلفهم طهران، إلى الساحل الغربي للبحر الأحمر.
هذان ليسا مجرد خطابين سياسيين متعارضين، بل تقديران مختلفان لطبيعة التهديد. في تقدير أمجد، التهديد المركزي هو قوة شبه عسكرية مدعومة من الخارج، تهدم الدولة وتعيد رسم حدود السلطة بالقوة. وفي تقدير خالد، التهديد هو تحالف بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية وإيران، يمكن أن يمنح طهران نفوذاً جديداً في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
كلاهما يطرح جزءاً من الحقيقة. والمشكلة أن السودان قد يدفع الثمن إذا نجح أي منهما في إخفاء الجزء الآخر.
ما الذي تراه أنقرة؟
يراهن أمجد على تركيا بوصفها قوة وسطى تستطيع التحرك بين دوائر لا تجتمع عادة على طاولة واحدة. أنقرة عضو في حلف شمال الأطلسي، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات واسعة في الشرق الأوسط وأفريقيا والعالم الإسلامي، وقد بنت خلال سنوات حكم عمر البشير شراكة استراتيجية مع الخرطوم جمعت بين المصالح الاقتصادية والطموح الإقليمي والتقارب السياسي.
وبحسب دراسة لمعهد الشرق الأوسط، قامت العلاقة السودانية التركية على مصالح سياسية واقتصادية، وعلى قدر من التقارب الأيديولوجي، وظلت متماسكة رغم سقوط البشير وتغير موازين القوى الإقليمية. كما أثار الوجود التركي في سواكن والبحر الأحمر مخاوف دول مثل مصر والسعودية والإمارات، التي رأت في تمدد أنقرة تهديداً لموازين النفوذ في المنطقة.
لهذا، فإن مخاطبة أمجد لتركيا ليست نشاطاً إعلامياً عابراً، بل طلب موجّه إلى قوة إقليمية ذات امتداد عسكري ودبلوماسي كي تساعد سلطة بورتسودان في تثبيت تعريف محدد للحرب: الجيش هو الدولة، والدعم السريع هو التهديد الإرهابي، والدول التي تسانده تشارك في الاعتداء على السيادة السودانية.
هذه رواية تجد آذاناً صاغية لدى دول تخشى تفكك الجيوش الوطنية وصعود الفاعلين المسلحين خارج الدولة، كما تستفيد من سجل الدعم السريع في دارفور والخرطوم والجزيرة، ومن مسؤوليته عن انتهاكات وجرائم لا يمكن تبريرها سياسياً أو أخلاقياً.
لكن لهذه الرواية نقطة ضعف خطيرة، فهي تطلب من العالم أن ينظر إلى الجيش بوصفه مؤسسة سيادية مكتملة، من دون أن يطرح أسئلة كافية عن القوى التي تقاتل إلى جانبه، وعن نفوذ شبكات النظام السابق، وعن العلاقة المتجددة مع إيران.
ولا تكمن المفارقة في أن أمجد يتحدث من دولة ارتبطت تاريخياً بالإخوان وحدهم؛ فتركيا دولة مصالح، وليست جمعية أيديولوجية، وقد عدّلت خلال السنوات الأخيرة علاقاتها مع خصومها الإقليميين وأعادت ترتيب أولوياتها. المفارقة الحقيقية هي أن مسؤولاً عُرف بمناهضة الحركة الإسلامية يسوّق اليوم سلطة لم تُجب بوضوح عن حجم نفوذ الإسلاميين داخل معسكرها، ولا عن مستقبل الكتائب والتشكيلات المرتبطة بهم بعد انتهاء الحرب.
ما الذي تريده طهران؟
حجة خالد عمر أكثر اتصالاً بالحسابات الأمنية الأمريكية الراهنة. فالبحر الأحمر لم يعد ممراً آمناً يفصل بين أزمات الشرق الأوسط وأفريقيا؛ هجمات الحوثيين أظهرت أن جماعة مسلحة تملك الصواريخ والطائرات المسيّرة تستطيع تعطيل الملاحة، ورفع تكاليف التأمين، وإجبار السفن على تغيير مساراتها، واستخدام التجارة العالمية أداة ضغط سياسي.
ويمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس جزء معتبر من التجارة العالمية والنفط المنقول بحراً، كما تنتشر على ضفتيه قواعد ومرافق عسكرية واستخباراتية تابعة لقوى دولية وإقليمية متعددة.
من هذه الزاوية، لا تنظر طهران إلى السودان بوصفه حليفاً أيديولوجياً وحسب، وإنما بوصفه موقعاً جغرافياً في المقام الأول: ساحل طويل مقابل السعودية، وقريب من باب المندب، ويمثل مدخلاً إلى القرن الأفريقي والساحل ووسط القارة.
وقد أفادت رويترز في 2024 بأن طائرات مسيّرة إيرانية الصنع ساعدت الجيش السوداني في تحقيق مكاسب ميدانية، وأن رحلات متعددة وصلت من إيران إلى بورتسودان. كما نقلت عن مصادر إيرانية وإقليمية أن دعم الجيش كان يهدف إلى تعزيز علاقة طهران بالسودان ذي الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر. ونفى مسؤولون سودانيون الحصول على سلاح من إيران، فيما تعذر على الوكالة التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل عمليات التسليح.
هذه هي الثغرة التي يحاول خالد فتحها أمام واشنطن. فهو لا يكتفي بمخاطبة الأمريكيين حول تطلع السودانيين إلى الديمقراطية، بل يحذّرهم من أن ترك الحركة الإسلامية تتمدد داخل سلطة الجيش قد يمنح إيران موقعاً استراتيجياً على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر.
إنها حجة مصممة لعقلية الأمن القومي الأمريكي، تدعو صانع القرار إلى النظر للسودان لا بوصفه أزمة إنسانية بعيدة، بل حلقة محتملة في شبكة تمتد من إيران إلى العراق ولبنان واليمن والممرات البحرية.
وفي حديثه إلى «سودان ستوري»، شرح خالد أن وصف الحرب بأنها كارثة إنسانية أو صراع بين جنرالين لا يكفي لتفسيرها، وأن المطلوب هو وضع السودان داخل السياق الذي يفهمه صانع القرار الدولي حتى يتعامل معه بجدية. إنه، بعبارة أخرى، يترجم ثورة ديسمبر إلى لغة المصالح الاستراتيجية.
المخاطر في رواية خالد
لكن تقدير خالد ليس بلا ثغرات. فالتركيز على الحركة الإسلامية وإيران قد يدفع القارئ الأمريكي إلى الاعتقاد بأن المشكلة السودانية يمكن اختزالها في شبكة إسلامية واحدة، وأن منع هذه الشبكة يكفي لإعادة الاستقرار، بينما الحرب أكثر تعقيداً من ذلك.
فالدعم السريع ليس مجرد نتيجة جانبية لمشروع الإسلاميين، إنه قوة مسلحة مستقلة، بنت اقتصاداً عابراً للحدود، وامتلكت شبكات دعم وتسليح خارجية، وارتكبت انتهاكات واسعة، وحاولت تحويل السيطرة العسكرية إلى سلطة سياسية بديلة. وأي خطاب مدني لا يعلن بوضوح موقفه من حل الدعم السريع ونزع سلطته العسكرية سيظل عرضة لاتهام لا يمكن إسقاطه بمجرد الحديث عن الإسلاميين.
لا يكفي أن يقول خالد إن الجيش والإسلاميين يهددان الانتقال المدني؛ عليه أن يوضح، بالوضوح نفسه، أن الدولة المدنية التي يدافع عنها لا مكان فيها لجيش موازٍ يقوده محمد حمدان دقلو.
هنا يصبح شعار ديسمبر أكثر من هتاف سياسي، ويتحول إلى عقيدة أمن قومي: العسكر للثكنات، والجنجويد ينحل. الشطر الأول يمنع الجيش من تحويل امتلاك السلاح إلى حق دائم في الحكم، والشطر الثاني يمنع الدعم السريع من البقاء قوة مستقلة تفاوض الدولة من موقع جيش موازٍ.
ومن منظور أمن البحر الأحمر، لا يمثل هذا الشعار مثالاً ثورياً بعيداً عن الواقعية، بل الطريق الوحيد لمنع القوى الخارجية من شراء النفوذ داخل السودان عبر رعاية تشكيلات مسلحة متنافسة: دولة واحدة، وجيش واحد، وسلسلة قيادة واحدة، وسلطة مدنية تملك قرار الحرب والسلام والعلاقات الخارجية. من دون ذلك، سيظل السودان سوقاً مفتوحة للوكلاء؛ طرف يطلب الطائرات المسيّرة من طهران، وآخر يبحث عن الإمداد عبر شبكات إقليمية، وثالث يراهن على روسيا، ورابع يطلب الغطاء السياسي من تركيا أو الولايات المتحدة.
من يملك تعريف الدولة؟
الحجة التي يدافع عنها أمجد فريد بسيطة وقوية: لا يمكن بناء دولة مدنية فوق أنقاض دولة هزمها جيش موازٍ، ولذلك يجب إنقاذ المؤسسة العسكرية أولاً. لكن هذه الحجة لا تجيب عن سؤال المرحلة التالية.
ماذا سيحدث إذا انتصر الجيش؟ هل يعود إلى الثكنات، أم يعتبر النصر تفويضاً جديداً للحكم؟ هل تُحل الكتائب المرتبطة بالحركة الإسلامية، أم يعاد دمجها في الدولة مكافأة لدورها في الحرب؟ هل تخضع العلاقات مع إيران وتركيا وروسيا لقرار حكومة مدنية منتخبة، أم تصبح جزءاً من شبكة أمنية تديرها القيادة العسكرية؟
من دون إجابات واضحة، يتحول شعار حماية الدولة إلى غطاء لإعادة بناء نظام عسكري أكثر صلابة، مسنود هذه المرة بشرعية الحرب والخوف من الدعم السريع.
أما خالد، فيملك إجابة أوضح عن شكل الحكم الذي يريده: سلطة مدنية تمنع عودة الإسلاميين وتعيد الجيش إلى وظيفته المهنية، ولهذا يبدو، في مواقفه المعلنة، أقرب إلى المركز السياسي لثورة ديسمبر. لكن قربه سيظل مشروطاً بأمرين: أن يعلن بلا مواربة أن الدعم السريع يجب أن يُحل ولا يجوز أن يتحول إلى شريك مسلح في الدولة، وأن يقدم الحكم المدني باعتباره مشروعاً سودانياً لبناء المؤسسات، لا مجرد حاجز يخدم واشنطن في مواجهة إيران.
البحر الأحمر لا ينتظر السودانيين
في واشنطن وأنقرة وطهران وعواصم الخليج، لا ينظر صناع القرار إلى السودان من زاوية شعارات ثورته وحدها، بل إلى الموانئ، ومجال الطائرات المسيّرة، وحركة الذهب والسلاح، والمسافة بين الساحل السوداني وجدة، وباب المندب وقناة السويس، والجهة التي ستملك توقيع الاتفاقات العسكرية والأمنية بعد الحرب.
وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام أمجد وخالد وبقية القوى السودانية؛ ليس من يستطيع كتابة المقال الأكثر إقناعاً أو الوصول إلى المنصة الدولية الأكثر تأثيراً، وإنما من يستطيع تقديم تصور يمنع السودان من التحول إلى قاعدة أمامية لإيران، أو ورقة تركية، أو موطئ قدم روسي، أو ساحة مفتوحة لحروب الخليج ووكلائها.
أمجد يقول إن المدخل هو دعم الجيش بوصفه الدولة. خالد يقول إن المدخل هو منع الإسلاميين وإيران من الاستيلاء على الدولة عبر الجيش. لكن الأمن المستدام لا يتحقق بأي من الصيغتين منفردة؛ فلا يمكن حماية البحر الأحمر بجيش يحكم البلاد ويتحالف مع الميليشيات الإسلامية، كما لا يمكن حماية السودان بقوة موازية مثل الدعم السريع، مهما قدمت نفسها شريكاً في محاربة الإسلاميين.
المعادلة الأمنية الأكثر واقعية هي نفسها التي صاغها الشارع السوداني قبل أن تتحول البلاد إلى ميدان للوكلاء: العسكر للثكنات، والجنجويد ينحل. ليست هذه عبارة أخلاقية فقط، بل أقصر صياغة ممكنة لاستراتيجية تمنع إيران وتركيا وروسيا وسائر القوى الإقليمية من تحويل الساحل السوداني إلى امتداد لصراعاتها.
فالدولة المدنية ليست نقيض الأمن. في السودان، أصبحت هي شرطه الأخير.

