بقلم: عباس محمد إبراهيم

شاركت، السبت، في نيروبي في جلسة حوار مغلقة ضمن برنامج «تعزيز آفاق الحوكمة الشاملة في السودان – المرحلة الثانية»، الذي تنفذه Conflict Dynamics International (CDI)، وأدارت الجلسة د. عزة مصطفى.

كان السؤال في ظاهره مألوفاً: أي نظام حكم أنسب للسودان بعد النزاع المسلح، رئاسي أم برلماني؟

لكن النقاش قاد، في تقديري، إلى سؤال أهم بكثير: ما نوع النظام الذي يستطيع أن يتحمل خلاف السودانيين من دون أن تنهار الدولة كلما اختلفوا؟

كانت الآراء متقاربة في عدد من القضايا، وظهر ميل واضح إلى النظام البرلماني. وفي المقابل طُرحت محاذير معروفة: هشاشة الائتلافات، كثرة الخلافات بين الأحزاب، احتمال تبدل الحكومات، وتعطل الجهاز التنفيذي عندما يصبح البرلمان ساحة دائمة للمساومات.

هذه محاذير وجيهة.

لكنني أتعمد استخدام كلمة محاذير، لا «مخاوف». والفرق بينهما أكثر من لغوي.

المحذور مشكلة يمكن التعرف عليها وتصميم مؤسسة لمعالجتها. أما الخوف فيتحول بسهولة إلى مسلمة سياسية. وفي السودان، تحولت عيوب التجارب البرلمانية، على مدى عقود، إلى سردية أوسع تقول إن التعدد الحزبي يقود إلى الفوضى، والفوضى تقود إلى الشلل، والشلل يستدعي الجيش.

هنا تبدأ المشكلة.

ليس صحيحاً أن التجارب البرلمانية السودانية كانت مستقرة أو ناجحة بالمعنى الذي يسمح بتجميلها بعد عقود. قبل انقلاب مايو 1969 كانت البلاد تعاني حرباً أهلية وأزمة اقتصادية ونظاماً حزبياً شديد التنافس. وقبيل انقلاب يونيو 1989 كانت الديمقراطية الثالثة تواجه بدورها حرباً مدمرة في الجنوب، وأزمة اقتصادية عميقة، وخلافات حول قوانين سبتمبر، وائتلافات حكومية مضطربة. هذه الوقائع موثقة ولا يحتاج الدفاع عن الديمقراطية إلى إنكارها.

لكن شيئاً آخر حدث في الذاكرة السياسية السودانية: تحولت أزمة الحكم المدني إلى تفسير للانقلاب، ثم تحول التفسير تدريجياً إلى ما يشبه التبرير.

قادة انقلاب 1969، على سبيل المثال، رأوا أن القوى الحزبية والطائفية غير قادرة على إنهاء الحرب أو معالجة الأزمة الاقتصادية، وربطوا ضعف الدولة مباشرة بالحكم البرلماني.

والمفارقة أن الإجابة العسكرية لم تحل معضلة الاستقرار السياسي السوداني؛ بل نقلت الخلاف من مؤسسة يمكن تغيير حكومتها إلى نظام لا يمكن تغيير حاكمه إلا بأزمة أكبر.

هذه نقطة تستحق التوقف عندها.

الديمقراطية البرلمانية تستطيع أن تنتج حكومة ضعيفة. لكنها تحتوي، في داخلها، على آلية لتغيير تلك الحكومة.

الانقلاب لا يصلح الحكومة الضعيفة. إنه يلغي المؤسسة التي كان يمكن تغيير الحكومة من خلالها.

ولهذا فإن العلاقة التي ترسخت في المخيال السياسي السوداني بين «تشاكس الأحزاب» و«تدخل الجيش» ليست علاقة سببية طبيعية. الانقلاب اختيار سياسي تقوم به مؤسسة مسلحة، وليس مرحلة دستورية تالية لفشل الائتلاف الحاكم.

وهذا هو الفرق بين قراءة التاريخ، وبين تبني سردية الانقلابيين عنه.

النقاش في نيروبي جعلني أكثر اقتناعاً بفكرة تبدو بسيطة: السودان لا يحتاج إلى البحث عن نظام يمنع الخلاف بين القوى السياسية.

مثل هذا النظام غير موجود.

المجتمعات الديمقراطية تختلف. الأحزاب تتنافس. الحكومات تخسر أغلبيتها. التحالفات تتفكك. والبرلمان، إذا كان حقيقياً، ليس مكاناً لإنتاج الإجماع الدائم، بل لإدارة النزاع السياسي من دون استخدام السلاح.

المشكلة لذلك ليست: كيف نمنع الحكومة من أن تواجه أزمة؟

السؤال الأفضل هو: كيف نصمم الأزمة نفسها بحيث لا تتحول إلى انهيار للنظام؟

هنا تصبح الهندسة الدستورية مهمة.

التجربة الألمانية تقدم مثالاً صغيراً لكنه بالغ الدلالة. بعد انهيار جمهورية فايمار، لم يحاول واضعو القانون الأساسي الألماني إلغاء البرلمانية لأن الحكومات يمكن أن تصبح غير مستقرة. فعلوا العكس: احتفظوا بها، لكنهم جعلوا إسقاط الحكومة أصعب.

بموجب المادة 67 من القانون الأساسي، لا يستطيع البوندستاغ إسقاط المستشار بمجرد جمع أغلبية ضده. يجب على الأغلبية نفسها أن تنتخب خلفاً له في اللحظة ذاتها. وهذا ما يعرف بـ حجب الثقة البنّاء.

الفكرة هنا ليست ألمانية بقدر ما هي مؤسسية.

يمكن أن تتفق القوى السياسية بسهولة على من ترفضه. الأصعب أن تتفق على من يحكم بعده.

ولذلك يتحول إسقاط الحكومة من عملية حسابية بسيطة إلى عملية سياسية مركبة: إذا أردت هدم الأغلبية القائمة، عليك في الوقت نفسه أن تبني أغلبية بديلة.

هذا بالضبط نوع التفكير الذي يحتاج إليه السودان.

ليس دستوراً يفترض حسن سلوك السياسيين، بل دستوراً يفترض أنهم سيتنافسون، ويختلفون، ويحاول بعضهم إسقاط بعض، ثم يصمم قواعد تجعل هذا الصراع منتجاً بدلاً من أن يكون مدمراً.

في ألمانيا، جاءت هذه الضمانات أصلاً من محاولة التعلم من هشاشة النظام السابق، لا من افتراض أن المجتمع الألماني أصبح فجأة أقل اختلافاً. ويشير البرلمان الألماني نفسه إلى أن هذه الآليات صُممت لتعزيز البرلمان والأغلبيات المستقرة استناداً إلى التجارب التاريخية السابقة.

هذه هي الفكرة التي تستحق النقل، لا النموذج الألماني نفسه.

أحد أسئلة الحوار تناول كيفية بناء جهاز تنفيذي مدني في ظل التفكك والاستقطاب الحالي بين القوى المدنية.

السؤال مفهوم، لكنه قد يحتوي على افتراض يحتاج إلى المراجعة: أن الحكم المدني يحتاج أولاً إلى وحدة المدنيين.

لا أعتقد ذلك.

المدنيون ليسوا جماعة سياسية واحدة. ولا ينبغي أن يكونوا.

وجود اليسار واليمين، الأحزاب التقليدية والجديدة، القوى الإقليمية، لجان المقاومة، النقابات والمستقلين ليس مرضاً ينبغي علاجه قبل الديمقراطية. هذه هي المادة التي تُبنى منها الديمقراطية.

ما تحتاج إليه الدولة ليس توحيد المدنيين، وإنما قواعد مدنية لإدارة اختلافهم.

وهذا أحد الدروس التي ينبغي استخلاصها أيضاً من انتقال 2019. فقد انشغل السودانيون طويلاً بسؤال «من يمثل المدنيين؟»، بينما ظل السؤال الأكثر استدامة بلا إجابة مؤسسية كاملة: كيف ينتقل حق الاختيار من التحالفات السياسية المؤقتة إلى المؤسسات؟

المجلس التشريعي الذي كان يفترض أن يكون إحدى أهم ساحات إدارة هذا الاختلاف لم يُشكّل أصلاً.

وهكذا أصبحت أزمة الوحدة المدنية أكبر، لأن النظام افتقد المؤسسة التي كان يفترض أن تجعل الاختلاف طبيعياً.

يمكن صياغة الدرس ببساطة: مدنية الدولة لا تتطلب أن يتفق المدنيون؛ تتطلب ألا يحتاجوا إلى العسكري كي يدير اختلافهم.

هنا ينبغي الحذر من تحويل النقاش إلى تفضيل شكلي بين «برلماني» و«رئاسي».

يمكن أن نكتب أفضل دستور برلماني، ثم نكتشف أن السلطة الفعلية موجودة في مكان آخر.

وهذا ربما كان أهم درس في التجربة الانتقالية الأخيرة.

السؤال ليس كم مدنياً يجلس في مجلس الوزراء، بل من يملك فعلياً قرار استخدام القوة والسيطرة على المال العام، ومن يمتلك صلاحية إقالة القادة العسكريين ومراجعة ميزانية المؤسسة الأمنية، ومن يدير شركات خارج رقابة الخزانة، وفي النهاية من يستطيع أن يقول «لا» للحكومة من دون أن تملك حيالها شيئاً.

إذا بقيت هذه السلطات خارج النظام المدني، فإن مدنية الحكومة تصبح وصفاً لتركيبتها، لا لطبيعة الدولة.

لذلك، فإن إبعاد العسكريين من الحكم مستقبلاً لا يتحقق فقط بمنعهم من عضوية مجلس السيادة أو مجلس الوزراء. ينبغي أن يصبح الجيش جزءاً من سلسلة سلطة مدنية: ميزانيته، قيادته، اقتصاده، سياساته الكبرى، وعلاقته ببقية أجهزة الدولة.

السودان لا يحتاج فقط إلى دستور يمنع الانقلاب. يحتاج إلى دولة تجعل تنفيذ الانقلاب أصعب من التفكير فيه.

امتد النقاش إلى المجالس المحلية والمشاركة العامة والحوار من القاعدة إلى القمة والإدارات الأهلية.

وكلها في جوهرها تعيدنا إلى المشكلة نفسها: أين توجد السلطة؟

ظل السودان يتحدث عن اللامركزية والفيدرالية لعقود، بينما بقي الجزء الأكبر من النقاش يدور حول تقسيم البلاد إلى ولايات أو أقاليم، ومن يعين حكامها، وكم مقعداً تحصل عليه مناطق السودان المختلفة في مؤسسات المركز.

لكن التمثيل في المركز ليس هو الفيدرالية.

السؤال الأكثر جدية هو: ما الذي لا يحق للمركز أن يقرره؟

إذا كانت المحلية تستطيع إدارة وظيفة، فلماذا تنتقل إلى الولاية؟ وإذا كان الإقليم يستطيع إدارتها، فلماذا تنتقل إلى المركز؟ ومن أين تحصل هذه المستويات على المال؟ وهل تمتلك إيرادات وحقوقاً دستورية، أم أنها تنتظر تحويلات الحكومة الاتحادية؟

الهامش لا يحتاج بالضرورة إلى مزيد من المقاعد في المركز. قد يحتاج إلى قدر أقل من المركز نفسه.

وهذا أيضاً جزء من تحصين الديمقراطية. كلما تركزت السلطة والمال في نقطة واحدة، ارتفعت قيمة السيطرة على تلك النقطة. وكلما ارتفعت قيمة السيطرة على المركز، أصبحت المعركة على الدولة أكثر صفراً: من يملك المركز يملك كل شيء تقريباً.

إعادة توزيع السلطة ليست فقط استجابة لمطلب تاريخي للأقاليم؛ إنها وسيلة لتخفيض الجائزة التي يحصل عليها من يستولي على المركز.

وهذه مسألة مرتبطة بالانقلاب أكثر مما تبدو لأول وهلة.

خرجت من الحوار أكثر ميلاً إلى نظام برلماني اتحادي، لكن ليس لأن البرلمانية خالية من العيوب.

بالعكس.

ربما تكون الحجة الأفضل لصالحها أنها تسمح لنا برؤية عدد كبير من عيوبها مسبقاً وتصميم وسائل لمعالجتها.

يمكن العمل على مسارات متعددة في آن واحد: وضع شروط أكثر صرامة لحجب الثقة، وتقوية لجان البرلمان، وإنشاء مجلس ثانٍ يمثل الأقاليم، وبناء محكمة دستورية لا ينتظر إنشاؤها نهاية الفترة الانتقالية، إلى جانب توزيع المال والسلطة رأسياً حتى لا يصبح المركز الجائزة الوحيدة، وإخضاع القوة المسلحة لسلسلة واضحة من الرقابة المدنية.

هذه كلها أدوات غير مثيرة.

لا تصلح كشعارات في البيانات السياسية. لكن الدول المستقرة لا تُبنى عادة بالشعار الكبير، بل بتراكم قواعد صغيرة تجعل التصرف المدمر أصعب قليلاً في كل مرة.

لهذا ربما يكون السؤال الخطأ هو: كيف نضمن ألا يتشاكس السياسيون السودانيون مرة أخرى؟

سوف يتشاكس السياسيون، وتختلف الأحزاب، وتنهار بعض التحالفات، وقد تفشل بعض الحكومات.

السؤال الذي يستحق أن نبني عليه ترتيبات ما بعد النزاع المسلح هو: كيف نجعل كل ذلك يحدث من دون أن تسقط الدولة معه؟

الديمقراطية الناجحة ليست النظام الذي يختفي فيه الصراع. إنها النظام الذي يفقد فيه الصراع قدرته على هدم المؤسسة التي تحتويه.

وبعد نزاع مسلح دفعت فيه البلاد ثمناً هائلاً للصراع على السلطة، ربما تكون هذه هي المهمة الأكثر واقعية للسودانيين: ألا يبحثوا عن حكومة لا يمكن إسقاطها، بل عن نظام لا يحتاج إسقاط الحكومة فيه إلى إسقاط الدولة.

كل حكاية تستحق أن تُروى — سودان ستوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *