إعداد: عباس محمد إبراهيم
«سودان ستوري» تكشف عن لقاء حديث في القاهرة بين شمس الدين كباشي وعمر الدقير، ومصدران يقولان إن تواصل الأخير مع قائد الجيش لم ينقطع، فيما ينفي بابكر فيصل وخالد عمر رواية عرض اتفاق للبقاء في السلطة عشر سنوات.
لم تكن العلاقة بين قيادة الجيش السوداني والقوى المدنية المناهضة للنزاع المسلح مقطوعة بالقدر الذي توحي به المواجهات العلنية بين الطرفين. فعلى امتداد النزاع المسلح ظلت قنوات اتصال تعمل في الخلفية، بعضها بصورة مباشرة مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وأخرى عبر قيادات عسكرية رفيعة، وفق معلومات حصلت عليها «سودان ستوري» وإفادات علنية لقيادات سياسية.

وتكشف «سودان ستوري» أن عضو مجلس السيادة والقائد العسكري شمس الدين كباشي التقى، خلال الفترة الأخيرة في القاهرة، رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في تحالف «صمود» عمر الدقير، في لقاء لم يعلن عنه الطرفان.
وفي موازاة ذلك، قال مصدران مطلعان لـ«سودان ستوري»، كل على حدة، إن التواصل المباشر بين الدقير والبرهان ظل قائماً ولم ينقطع، رغم حدة الخطاب السياسي المتبادل بين قيادة الجيش والتحالف المدني.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية إضافية بعد حديث البرهان أمام مجموعة من الإعلاميين السودانيين الذين نُقلوا، الأربعاء، من مقر ملتقاهم إلى القيادة العامة بالخرطوم، حيث نفى وجود تواصل مع قيادات مدنية كانت تتحدث عن اتصالات معه، قائلاً، بحسب ما نقل أحد الحاضرين، إن من يقول إنه يتواصل معه «كضاب».
كما نقلت وكالة السودان للأنباء «سونا» رسمياً جانباً آخر من حديث البرهان، اتهم فيه مريم الصادق المهدي وخالد عمر يوسف وبابكر فيصل بمحاولة تصميم اتفاق بديل للاتفاق الإطاري، قال إنه كان يستهدف السيطرة على الجهاز التنفيذي والاستمرار في الحكم عشر سنوات، مؤكداً أنه رفض العرض.
لكن سلسلة من الإفادات والمعلومات، بعضها يعود إلى الأشهر الأولى للنزاع المسلح، تجعل صورة القطيعة الكاملة أكثر تعقيداً.
اتصالات معلنة منذ 2023
في يوليو 2023، لم تكن الاتصالات بين البرهان والدقير سراً. فقد نشر إعلام حزب المؤتمر السوداني إفادة للأمين السياسي للحزب شريف محمد عثمان، تحدث فيها صراحة عن اتصال بين قائد الجيش وعمر الدقير، وقال إن البرهان أبلغه برغبة القوات المسلحة في وقف إطلاق النار وإنهاء النزاع المسلح والانخراط إيجابياً في منبر جدة.

وبعد نحو عام ونصف، في فبراير 2025، عاد شريف محمد عثمان ليقول للجزيرة مباشر إن البرهان تواصل مع تحالف «صمود»، ومع الدقير تحديداً، خلال الأسبوع السابق لتصريحه.
وسبق كذلك أن تحدث فضل الله برمة ناصر عن وجود تواصل بين البرهان والواثق البرير، القيادي في حزب الأمة القومي، بما يشير إلى أن قنوات الاتصال لم تقتصر على حزب أو شخصية واحدة داخل المعسكر المدني.
ولم تعتمد «سودان ستوري» في تتبع هذه القنوات على التصريحات العلنية وحدها.
ففي سبتمبر 2023، اطلع معدّ هذا التقرير على مقتطفات من تسجيلات صوتية ومراسلات عرضتها ثلاث قيادات في القوى المدنية، وأظهرت وجود اتصالات وتواصل مع البرهان في تلك المرحلة.
وفي مايو الماضي، استمع معد التقرير إلى مقطع آخر تناول نقاشاً يرتبط بتطورات لاحقة في الفاشر وإعلان حكومة «تأسيس»، ما يشير إلى استمرار قنوات التواصل مع تغير خريطة النزاع المسلح والاصطفافات السياسية.
وتحجب «سودان ستوري» تفاصيل إضافية من تلك المواد حمايةً للمصادر والقنوات التي جرى عبرها التواصل.
لقاء القاهرة
ويضيف اللقاء الأخير بين الدقير وكباشي حلقة جديدة إلى هذا المسار.
فاللقاء، وفق المعلومات التي حصلت عليها «سودان ستوري»، جرى في القاهرة ولم يُعلن عنه رسمياً. وحتى مع عدم وجود ما يثبت مشاركة البرهان المباشرة في هذا الاجتماع، فإنه يكشف استمرار قناة اتصال على مستوى رفيع بين قيادة الجيش وأحد أبرز قيادات «صمود».
وتواصلت «سودان ستوري» مع حزب المؤتمر السوداني للحصول على تعليق بشأن اللقاء وطبيعة الاتصالات، وأفاد الحزب بأنه سيرسل رداً. إلا أن الأمين السياسي للحزب شريف محمد عثمان لم يرد على اتصالات لاحقة حتى وقت النشر.
بابكر: التواصل لم ينقطع
وجاءت الجمعة إفادة أكثر مباشرة من بابكر فيصل، أحد الأشخاص الثلاثة الذين سماهم البرهان في حديثه.
ففي معرض رده على اتهامه بالمشاركة في عرض اتفاق بديل للإطاري، قال فيصل إنه ظل على «تواصل مستمر» مع البرهان منذ اندلاع النزاع المسلح، خلال وجود قائد الجيش داخل القيادة العامة وبعد مغادرته لها، وأضاف أن بحوزته ما يثبت تلك الاتصالات.

لكنه نفى بصورة قاطعة أن يكون قد ناقش مع البرهان، منفرداً أو مع آخرين، مشروعاً يسمح ببقاء العسكريين أو المدنيين في السلطة عشر سنوات.
وطالب فيصل قائد الجيش بتحديد تواريخ وأماكن الاجتماعات التي يقول إن المقترح عرض خلالها، أو إظهار رسائل أو تسجيلات أو استدعاء شهود يثبتون روايته.
ويحول هذا التحدي الخلاف من سجال سياسي عام إلى واقعة يمكن اختبارها: هل توجد بالفعل ورقة أو اجتماع أو تسجيل يوثق «اتفاق العشر سنوات»؟
خالد عمر ينفي أيضاً
خالد عمر يوسف، الاسم الثاني الذي ذكره البرهان، أصدر بدوره نفياً قاطعاً.
وقال إن الحديث عن عرض اتفاق بديل للإطاري بهدف البقاء في السلطة عشر سنوات «لا أساس له من الصحة إطلاقاً»، واتهم البرهان باختلاق الرواية.

ورغم اللغة السياسية الحادة التي تضمنها رد خالد، فإن النقطة القابلة للتحقق فيه واضحة: اثنان من الأشخاص الثلاثة الذين سماهم قائد الجيش ينفيان الآن وجود المشروع الذي قال إنه عرض عليه.
ولم يظهر حتى وقت النشر موقف مماثل من مريم الصادق المهدي، الاسم الثالث الذي ورد في حديث البرهان. وحاولت «سودان ستوري» التواصل معها عبر جميع أرقامها المتاحة دون أن يتسنّ الوصول إليها حتى وقت النشر.
كما تواصلت «سودان ستوري» مع الواثق البرير، القيادي في حزب الأمة القومي الذي سبق أن تحدث فضل الله برمة ناصر عن تواصله مع البرهان، فأفاد بأنه في ظرف سفر وتنقل بين مطارات، ووعد بمعاودة الاتصال.
الخلاف على ماذا قيل.. لا على وجود القنوات
لا تثبت الاتصالات نفسها أن رواية المدنيين بشأن مضمونها صحيحة، مثلما لا يثبت استمرار قنوات التواصل أن البرهان لم يتلق في مرحلة ما مقترحاً سياسياً مختلفاً.
لكن تراكم الشواهد يجعل القضية أكثر دقة من مجرد سؤال: هل كان هناك تواصل؟
فالاتصالات بين البرهان والدقير سبق أن أعلن عنها حزب المؤتمر السوداني نفسه. وبابكر فيصل يقول إنه ظل يتواصل مع البرهان طوال النزاع المسلح. ومصادر «سودان ستوري» تقول إن قناة الدقير مع قائد الجيش لم تنقطع، بينما يكشف لقاء القاهرة الأخير استمرار التواصل مع قيادة الجيش في مستوى آخر.
وهكذا ينتقل الخلاف إلى السؤال الأهم: ماذا كان يدور داخل هذه القنوات؟

البرهان يقول إن بعض القادة المدنيين حاولوا إقناعه بترتيبات سياسية تضمن استمرار الحكم عشر سنوات. بابكر فيصل وخالد عمر ينفيان ذلك، ويقول الأول إن اتصالاته كانت تتعلق بوقف النزاع المسلح.
وبين الروايتين، لم يقدم حديث البرهان المنشور حتى الآن تاريخاً للاجتماع المزعوم، أو مكانه، أو وثيقة للمقترح الذي تحدث عنه.
وهنا تتجاوز قنوات الاتصال الخفية كونها مجرد تفصيل في علاقة خصوم سياسيين، لتصبح جزءاً من معركة على رواية ما جرى خلف أبواب النزاع المسلح: من تحدث مع من، وماذا عُرض، ولماذا تختلف الرواية العلنية اليوم عن قصة الاتصالات التي يعرف الطرفان أنها كانت قائمة؟
وبعد نفيين مباشرين من بين ثلاثة أسماء ذكرها البرهان، يبقى الاختبار الأبسط لروايته هو نفسه الذي طرحه بابكر فيصل:
أين الوثيقة؟

