شهادتان حصريتان لسودانيين أوقفا ثم أعيدا إلى بلد لا تزال الحرب دائرة فيه، تكشفان كيف يمكن أن يتحول الانتظار بين التسجيل لدى مفوضية اللاجئين واستخراج الإقامة إلى منطقة رخوة تضيع داخلها ضمانات الحماية.
تحقيق ـ سودان ستوري
– مقام آدم
في الثلاثين من يناير 2026، كان أحمد يمشي بالقرب من محطة مترو فيصل في محافظة الجيزة، يحمل في حقيبته ورقة اعتقد أنها تثبت أنه لم يدخل مصر بحثاً عن عمل أو إقامة عادية، بل فراراً من حرب.
حين أوقفته قوة أمنية وطلبت منه أوراقه، أخرج بطاقة التسجيل الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ثم أوضح أن لديه موعداً لاستكمال إجراءات الإقامة.
لكن البطاقة التي كان يراها دليلاً على حاجته إلى الحماية، لم تكن، بحسب روايته، كافية لإبقائه خارج سيارة الترحيلات.
«قالوا لي إن بطاقة المفوضية لا تكفي، وإنه يجب أن تكون لدي إقامة سارية».
بعد دقائق، كان أحمد داخل سيارة تقل عدداً من السودانيين إلى قسم للشرطة. ومن هناك بدأت رحلة أخرى، لم تنته بإطلاق سراحه داخل مصر، بل في مطار القاهرة، ثم في السودان؛ البلد الذي غادره قبل عامين لأن البقاء فيه صار مقامرة بالحياة.
بين الورقتين، بطاقة المفوضية وختم الإقامة، تمتد مساحة قانونية وإدارية ملتبسة. وفي هذه المساحة، قد يكون الإنسان مسجلاً ضمن منظومة الحماية الدولية، لكنه يظل معرضاً للتوقيف بوصفه مخالفاً لقواعد الإقامة.
تكتفي «سودان ستوري» بالاسم الأول لأحمد، وكذلك علي، الشاهد الثاني في هذا التحقيق، حفاظاً على خصوصيتهما وسلامتهما.
وتستند روايتهما إلى مقابلتين أجرتهما معدة التحقيق. ولم يتسنَّ للمنصة التحقق بصورة مستقلة من جميع التفاصيل المتعلقة بما جرى داخل الاحتجاز، أو الحصول على رد مباشر من وزارة الداخلية المصرية بشأن الحالتين.
من رصاص الخرطوم إلى قلق الشارع
غادر أحمد منزله القريب من القيادة العامة للجيش السوداني في الخرطوم في 28 يناير 2024.
كانت المنطقة المحيطة بالقيادة العامة واحدة من أكثر مناطق العاصمة اشتعالاً منذ بداية الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع. ويقول أحمد إن الرصاص كان يمر فوق المنزل، وإن أسرته لم تعد تعرف إن كانت ستبلغ الصباح التالي.
لم يكن قرار المغادرة، كما يرويه، بحثاً عن مستقبل أفضل، ولا انتقالاً مخططاً من بلد إلى آخر. كان محاولة للخروج من دائرة النار.
«لم أهرب لأبحث عن حياة أفضل، بل لأبقى على قيد الحياة».
اختار طريق البر، بعيداً عن المعابر الرسمية. يقول إن الانتظار لم يكن متاحاً، وإن الحصول على مسار سفر منظم كان أصعب من قدرة أسرته على الاحتمال، بينما كانت الاشتباكات تقترب كل يوم.
حين وصل إلى مصر، اعتقد أن الجزء الأصعب من الرحلة صار خلفه. سجل اسمه لدى مفوضية اللاجئين، وبدأ انتظار موعد الإقامة.
لكن الحرب التي تركها خلف الحدود استبدلت نفسها بقلق من نوع آخر: حملات التفتيش، والأسئلة عن الأوراق، والخوف من الخروج قبل استكمال الإجراءات.
كان أحمد، بحسب قوله، يتحرك أحياناً بدلاً عن أسر سودانية وصلت حديثاً، لأن بعض أفرادها كانوا يخشون مغادرة منازلهم.
لم يكن جميع السودانيين في مصر يعيشون الوضع نفسه. بعضهم دخل البلاد قبل الحرب بسنوات، وبعضهم وصل بعدها بتأشيرات سارية. وهناك من حصل على إقامة، ومن لا يزال ينتظر موعده، ومن سجل لدى المفوضية، ومن لم يتمكن بعد من التسجيل.
لكن حالة أحمد تكشف إحدى أعقد مشكلات ملف اللجوء في مصر: التسجيل لدى المفوضية لا يعني تلقائياً الحصول على الإقامة، وتأخر الإقامة لا يلغي بالضرورة حاجة الإنسان إلى الحماية.
في هذه الفجوة، يكون اللاجئ معروفاً لدى المفوضية، لكنه قد يبدو في لحظة التفتيش مجرد أجنبي لا يحمل إقامة سارية.
سبعة أيام تنتهي عند باب الطائرة
في الجانب الآخر من الحكاية، تبدأ رواية علي في 13 يوليو 2026.
يقول إنه أوقف في القاهرة، واقتيد إلى قسم شرطة في الجيزة، حيث أمضى سبعة أيام قبل نقله، في 20 يوليو، مباشرة إلى المطار تمهيداً لإعادته إلى السودان.
كان يظن، في الساعات الأولى، أن المسألة لا تتجاوز التحقق من أوراقه، وأنه سيغادر القسم بعد انتهاء الإجراءات.
لكن الساعات تحولت إلى أيام.
بحسب علي، اتهمته الشرطة بالتعدي على أحد أفرادها أثناء التوقيف. وهو ينفي الاتهام، ويقول إنه تعرض للضرب وأصيب في يده اليمنى.
لم تطلع «سودان ستوري» على محضر القضية أو تقرير طبي يثبت طبيعة الإصابة، ولذلك تورد هذه التفاصيل بوصفها روايته، لا واقعة جرى التحقق منها بصورة مستقلة.
«خرجت من الحجز ويدي مكسورة»، يقول علي.
ويصف الزنزانة بأنها كانت مكتظة بأشخاص من أعمار وجنسيات مختلفة، بينهم عدد كبير من السودانيين. بعضهم كان ينتظر أن تتمكن أسرته من إنهاء إجراءات الإقامة، وبعضهم لم يكن قد استطاع إبلاغ أهله بمكان احتجازه.
ويقول إن من بين المحتجزين مرضى يحتاجون إلى أدوية يومية، وإن الوصول إلى العلاج لم يكن منتظماً.
«كان بيننا مرضى يحتاجون إلى الدواء كل يوم، لكن الدواء لم يكن يصل».
مع تدهور حالته، تواصلت أسرته مع السفارة السودانية في القاهرة. ووفرت له تذكرة سفر بلغت قيمتها نحو 300 دولار.
لكن التذكرة لم تكن عودة طوعية إلى بيت ينتظره. يقول علي إن يوم الإفراج عنه لم يكن خروجاً إلى شارع القاهرة أو عودة إلى أسرته، بل انتقالاً مباشراً من القسم إلى المطار.
من الناحية الإجرائية، انتهى احتجازه. لكن من الناحية الإنسانية، كان الإفراج بداية ترحيل إلى بلد لا تزال الحرب تمزقه.
لا تثبت رواية علي بمفردها وجود سياسة عامة، ولا تكفي للحكم على جميع إجراءات الاحتجاز والترحيل في مصر.
لكنها تفتح أسئلة يصعب تجاوزها: هل أتيح له الاتصال بمحام؟ هل أبلغت مفوضية اللاجئين باحتجازه؟ هل منح فرصة فعلية للاعتراض على قرار إعادته؟ وهل جرى تقييم المخاطر التي قد يواجهها بعد وصوله إلى السودان؟
حين يتحول الانتظار إلى مخالفة
تكشف شهادتا أحمد وعلي أن المشكلة لا تبدأ دائماً عند صدور قرار الترحيل. قد تبدأ قبل ذلك بشهور، عند انتظار موعد تسجيل أو إقامة يتأخر الوصول إليه.
فبطاقة المفوضية تثبت أن حاملها مسجل بصفته طالب لجوء أو لاجئاً، بحسب مرحلته الإجرائية، لكنها ليست تصريح إقامة تصدره الدولة المصرية.
وفي المقابل، فإن غياب الإقامة أو انتهاءها لا يسقط تلقائياً حق الإنسان في طلب الحماية، ولا يعفي السلطات من النظر في الظروف التي دفعته إلى مغادرة بلده، أو المخاطر التي قد يتعرض لها عند إعادته.
بين هذين النظامين، الحماية الدولية وقواعد الإقامة الوطنية، يعيش آلاف السودانيين في وضع هش.
قد يكون الشخص قد بدأ بالفعل إجراءات تقنين وضعه، لكنه ينتظر موعداً بعيداً. وقد يحمل بطاقة مفوضية سارية، لكنه لا يحمل ختم إقامة. وعند وقوعه في حملة تفتيش، قد يتحول التأخير الإداري إلى أساس للتوقيف.
هنا لا يعود الانتظار مجرد عبء نفسي أو تعطيل لمعاملة. يصبح خطراً قد ينتهي بالاحتجاز، ثم بالترحيل قبل أن يحصل صاحب الملف على فرصة حقيقية لعرض حاجته إلى الحماية.
أكبر جماعة لجوء في مصر
لم يعد ملف السودانيين في مصر مسألة محدودة يمكن التعامل معها بوصفها حالات فردية متفرقة.
وفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، المحدثة حتى 30 يونيو 2026، بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في مصر 1,098,708 أشخاص، بينهم 851,947 سودانياً.
ويمثل السودانيون بذلك نحو 77.5 في المئة من إجمالي المسجلين لدى المفوضية في مصر، ليصبحوا أكبر جماعة لجوء في البلاد.
ولا تشمل هذه الأرقام جميع السودانيين الموجودين على الأراضي المصرية. فالسلطات المصرية تقول إنها استقبلت أكثر من مليون سوداني منذ اندلاع الحرب، إلى جانب أعداد كبيرة من جنسيات أخرى.
وتؤكد القاهرة أن هذا التدفق وضع ضغوطاً إضافية على التعليم والصحة والسكن والخدمات العامة، في وقت تواجه فيه مصر أوضاعاً اقتصادية صعبة.
لكن اتساع عبء الاستضافة يتزامن مع اتساع المخاوف من التوقيف والترحيل.
وفي تحقيق نشرته وكالة رويترز في 24 يونيو 2026، قال لاجئون ومحامون وناشطون إن حملات التوقيف والترحيل تصاعدت منذ أواخر عام 2025.
ونقلت الوكالة عن مسؤولين أمنيين لم تسمهم أن أكثر من 5,500 شخص رحلوا منذ نوفمبر 2025، مقارنة بنحو مئة حالة ترحيل رسمي سنوياً خلال عامي 2023 و2024.
وأوضحت رويترز أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من إجمالي أعداد المحتجزين والمرحلين.
كما وثقت الوكالة وفاة ثلاثة لاجئين سودانيين داخل الاحتجاز خلال عام 2026، بينهم النذير الصادق، البالغ 18 عاماً، بينما قال مسؤولان أمنيان إن تسعة سودانيين توفوا أثناء الاحتجاز، من دون تقديم تفاصيل كاملة عن جميع الحالات.
ورفضت الحكومة المصرية، في ردها على رويترز، وصف البلاد بأنها غير مرحبة باللاجئين، وقالت إن إجراءات الترحيل تنفذ وفق القانون والضمانات القضائية، وإن الوقائع الفردية لا تعبر عن سياسة تستهدف اللاجئين أو السودانيين.
بطاقة تثبت الحماية ولا تمنح الإقامة
يقول المحامي الحقوقي أشرف ميلاد روكسي، المتخصص في قضايا اللجوء والهجرة، إن جانباً كبيراً من الالتباس يبدأ من الخلط بين بطاقة مفوضية اللاجئين وتصريح الإقامة.
«بطاقة المفوضية تثبت أن الشخص مسجل لديها بصفته طالب لجوء أو لاجئاً، لكنها ليست بديلاً عن الإقامة التي تصدرها الدولة»، يقول روكسي.
غير أن البطاقة، حتى إن لم تكن تصريح إقامة، ليست ورقة بلا قيمة قانونية أو إنسانية.
فهي تدل على أن حاملها دخل منظومة الحماية الدولية، وأن لديه ملفاً يجب النظر فيه قبل اتخاذ إجراء قد ينتهي بإعادته إلى البلد الذي فر منه.
ويرى روكسي أن وجود البطاقة يستدعي التواصل مع المفوضية والتحقق من وضع حاملها، وإتاحة الفرصة أمامه لتوضيح أسباب طلبه الحماية.
يُفترض أن تحول البطاقة دون اختزال صاحبها في صفة «مخالف إقامة» من غير فحص حاجته إلى الحماية، من دون أن تمنحه ذلك حصانة مطلقة من التوقيف أو تلغي حق الدولة في تطبيق قوانين الإقامة.
وهذه هي المسألة التي تعيدها شهادتا أحمد وعلي إلى الواجهة: ماذا تبقى من معنى التسجيل لدى المفوضية إذا لم يكن حامله قادراً، عند التوقيف، على الوصول إلى الجهة التي سجلته أو الاعتراض قبل ترحيله؟
الدخول غير النظامي ليس نهاية الحماية
تدرك القواعد الدولية المنظمة للجوء أن الفارين من الحروب لا يعبرون الحدود دائماً وهم يحملون جوازات صالحة وتأشيرات مكتملة.
ولهذا تنص المادة 31 من اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين على عدم فرض عقوبات على اللاجئين بسبب دخولهم أو وجودهم غير النظامي، متى قدموا مباشرة من مكان تتعرض فيه حياتهم أو حريتهم للخطر، وبادروا إلى عرض أنفسهم على السلطات، وقدموا سبباً وجيهاً لدخولهم.
تميز المادة بين من يدخل البلاد متجاوزاً القانون بحثاً عن غرض عادي، ومن يجد نفسه مضطراً إلى العبور لأنه يهرب من حرب أو اضطهاد ولا يملك طريقاً آخر، من دون أن تمنح ذلك كل عبور غير نظامي صفة اللجوء تلقائياً أو تُسقط سلطة الدولة على حدودها.
أما المادة 33 من الاتفاقية فتقرر مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو المبدأ الذي يحظر إعادة اللاجئ إلى مكان قد تتعرض فيه حياته أو حريته للخطر.
وتوجد استثناءات محدودة، منها الحالات التي يمثل فيها الشخص خطراً جسيماً على أمن الدولة، أو يكون قد أدين بارتكاب جريمة خطيرة.
لكن هذه الاستثناءات لا يفترض أن تطبق بصورة جماعية أو تلقائية. فهي تحتاج إلى تقييم فردي، وإجراءات قانونية، وفرصة للدفاع والاعتراض.
لذلك لا يمكن اعتبار كل قرار ترحيل إعادة قسرية بمجرد صدوره. وفي الوقت نفسه، لا يصبح الترحيل مشروعاً لمجرد وجود مخالفة في الإقامة.
المعيار هو ما سبق القرار: هل فحصت مخاطر العودة؟ هل أتيح للشخص الوصول إلى إجراءات اللجوء؟ هل تمكن من الاتصال بمحام؟ وهل امتلك وسيلة اعتراض فعالة قبل أن تتحرك سيارة الترحيلات نحو المطار؟
قانون جديد وقلق قديم
في ديسمبر 2024، أقرت مصر القانون رقم 164 لسنة 2024، وهو أول قانون وطني شامل ينظم لجوء الأجانب.
وينقل القانون مسؤولية تسجيل طالبي اللجوء والنظر في طلباتهم تدريجياً من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى لجنة وطنية دائمة لشؤون اللاجئين.
وترى الحكومة المصرية أن القانون ينظم ملفاً ظل لعقود يدار وفق مذكرة تفاهم مع المفوضية، ويضع مسؤولية اللجوء تحت سلطة مؤسسات الدولة، بما ينسجم مع حقها السيادي.
في المقابل، انتقدت منظمات حقوقية القانون، وقالت إنه لا يوفر ضمانات كافية للإجراءات القانونية الواجبة، وقد يوسع مساحة احتجاز طالبي اللجوء، ويضعف استقلالية النظر في طلباتهم.
ولا يمكن للنص وحده أن يحسم الخلاف.
فالاختبار الحقيقي ليس في العبارات التي يتضمنها القانون، وإنما في طريقة تطبيقه: كيف يجري القبض؟ من يخطر عند احتجاز طالب لجوء؟ هل يسمح له بمحام؟ هل تقدم له الرعاية الطبية؟ هل يحصل على قرار مكتوب؟ وهل يستطيع الطعن فيه قبل إعادته؟
بين حق الدولة وحق الإنسان
لا يمكن تناول القضية من دون الاعتراف بحجم ما تواجهه مصر.
فالحرب السودانية دفعت بمئات الآلاف إلى أراضيها خلال فترة قصيرة، بينما تعاني البلاد من تضخم وضغوط على الخدمات وارتفاع في كلفة المعيشة.
وتقول القاهرة إن تنظيم وجود الأجانب مسألة تتصل بالسيادة والأمن، وإن حملات التفتيش تطبق قوانين الدخول والإقامة على مختلف الجنسيات، ولا تستهدف السودانيين بسبب هويتهم.

وفي مارس 2024، أبرمت مصر والاتحاد الأوروبي شراكة استراتيجية تتضمن تمويلاً واستثمارات بقيمة 7.4 مليارات يورو، وتشمل التعاون في إدارة الهجرة وضبط الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية.
وترى منظمات حقوقية أن هذه الشراكة تأتي ضمن توجه أوروبي يدفع بدول المنطقة إلى تشديد الرقابة على المهاجرين واللاجئين قبل وصولهم إلى السواحل الأوروبية.
لكن لا يوجد دليل يثبت أن الاتفاق الأوروبي وجه أو أصدر قرارات الترحيل التي تناولها هذا التحقيق.
تقوم المسألة، في جوهرها، بين حقين مشروعين متوازيين: حق الدولة في تنظيم الدخول والإقامة، وحق الإنسان في ألا يعاد إلى خطر جسيم من غير إجراءات عادلة.
حين يصبح الانتظار سبباً لفقدان الملاذ
عند جمع شهادتي أحمد وعلي مع ما نشرته وسائل إعلام دولية ومنظمات حقوقية، يظهر نمط يستحق التحقيق، لا التعميم.
أشخاص يقولون إنهم مسجلون لدى مفوضية اللاجئين أو ينتظرون استخراج الإقامة، يوقفون خلال حملات تفتيش، ثم يجد بعضهم صعوبة في الاتصال بأسرته أو بمحام، ويشكو آخرون من نقص الرعاية الطبية، قبل أن ينقلوا من الاحتجاز مباشرة إلى المطار.
تكشف هذه العناصر موضعاً بالغ الحساسية في تطبيق الإجراءات، وإن كانت غير كافية بذاتها لإثبات أن جميع عمليات الترحيل غير قانونية أو أن كل السودانيين في مصر يواجهون المصير نفسه.
فعندما تتأخر إجراءات التقنين، بينما تتحرك حملات الضبط بسرعة، قد يتحول الموعد البعيد إلى مخالفة، والمخالفة إلى احتجاز، والاحتجاز إلى ترحيل لا يملك صاحبه وقتاً فعلياً للاعتراض عليه.
بالنسبة إلى أحمد، لم تمنع بطاقة المفوضية توقيفه.
وبالنسبة إلى علي، لم يكن الإفراج خروجاً إلى الحرية، بل انتقالاً إلى الطائرة التي أعادته إلى بلد الحرب.
«لم نكن نطلب امتيازات. كنا نريد أن نعامل بكرامة، وأن تحفظ حقوقنا»، يقول أحمد.
وبين بطاقة تثبت أن صاحبها طلب الحماية، وختم إقامة قد يتأخر شهوراً، يبقى السؤال معلقاً فوق حياة آلاف السودانيين:
كيف يمكن سد هذه الفجوة، حتى لا يصبح انتظار الأوراق نفسه سبباً في فقدان الملاذ؟

