عمر البشير يستمع إلى خطاب في أديس أبابا في يناير 2009 مرتدياً سماعة ترجمة.عمر البشير في أديس أبابا، 31 يناير 2009 — صورة أرشيفية. تصوير: Jesse B. Awalt / البحرية الأميركية

كلمة سودان ستوري

طلب علاج الرئيس المخلوع في الخارج حيلة تم تلبيسها ثوب القضية الإنسانية، وهو في الوقت نفسه شهادة على ما تركته ثلاثة عقود من الحكم في مستشفيات البلاد.

في مستشفى علياء العسكري بأم درمان يخضع عمر البشير، الذي حكم السودان من يونيو 1989 حتى أبريل 2019، لفحوصات تقول هيئة دفاعه إن بعضها غير متوفر في البلاد. أعيد إلى المستشفى في الأيام الأخيرة من مدينة مروي بالولاية الشمالية بعد تراجع حالته، وما زال رهن الاحتجاز التحفظي بحسب محاميه محمد الحسن الأمين. [١]

تقول أسرته، في بيان صدر في 30 سبتمبر، إن حاجته إلى العلاج خارج السودان صارت «ماسة وعاجلة»، وتنفي تلقي أي إخطار رسمي بالموافقة على سفره، وتناشد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان النظر في وضعه. أما المحامي فقال في اليوم نفسه إن السلطات العسكرية وافقت مبدئياً على السفر وإن القرار لم ينفذ، ووصف موكله بأنه ليس في حالة حرجة الآن. [٢][١] ثم عاد المحامي نفسه ليقول لصحيفة الشرق الأوسط إنه «لا يوجد قرار رسمي حتى الآن»، وإن مسؤولين لم يسمّهم أبدوا عدم ممانعتهم، مضيفاً أن بكري حسن صالح، النائب الأول الأسبق للبشير، يتلقى العلاج في تركيا. [٣] لم نقف حتى إعداد هذا الملف على إعلان رسمي يحسم المسألة. والتقارير الطبية لم تعرض علينا، لذلك ننسب كل تفصيل صحي إلى قائله.

الأسرة خارج النقد

قلق الأسرة مفهوم، وسعيها إلى علاجه واجب يؤديه أي بيت سوداني تجاه كبيره. هذا الملف موجه إلى السجل العام للحاكم، وإلى الذين يوظفون مرضه اليوم لإعادة تسويق تجربته ومطالبة الناس بطي الأسئلة باسم الرحمة. حق البشير في الرعاية قائم، ومسؤوليته عن سنوات حكمه قائمة أيضاً، والجمع بين الأمرين ممكن ومطلوب.

حق البشير في الرعاية قائم، ومسؤوليته عن سنوات حكمه قائمة أيضاً.

وعد قيل في الأبيض

رفعت حكومة الإنقاذ شعار الاعتماد على الذات، وكان يفترض أن يظهر أثر هذا الوعد في رعاية قريبة من الناس بكلفة يحتملونها. وفي فبراير 2019، قبل عزله بشهرين، تحدث البشير في مدينة الأبيض عن إجراء الجراحات فيها بدل السفر إلى الخارج. [٤] فمعيار العلاج المحلي أعلنه الرئيس نفسه وهو في السلطة، ومن حق الناس أن يقيسوا به.

وسؤال علاجه داخل البلاد طرح قبل هذا الأسبوع بعامين. ففي سبتمبر 2024 نقل البشير وثلاثة من كبار مسؤولي حكومته من منطقة وادي سيدنا العسكرية إلى مستشفى مروي، وقال محاميه حينها إن مستشفى وادي سيدنا العسكري أصدر تقريراً يفيد بعدم توفر العلاج اللازم لحالاتهم، وإن البشير يحتاج إلى العلاج في الخارج. [٥] والمستشفى المعني تابع للقوات المسلحة التي كان البشير قائدها الأعلى ثلاثة عقود.

ما قبل حرب أبريل 2023

سيأتي الرد السريع بأن النزاع المسلح دمر المستشفيات. وهذا صحيح في مواضع كثيرة؛ فقد تحققت منظمة الصحة العالمية حتى أبريل 2026 من 217 هجوماً على الرعاية الصحية خلفت 2052 قتيلاً، وخرج 37 بالمئة من المرافق الصحية عن الخدمة. [٦] غير أن تفسير الأزمة كلها بالنزاع يحذف ما سبقه.

فالإنفاق الحكومي على الصحة تراجع بعد 2010، وسدت الأسر الفارق من جيوبها حتى صارت مدفوعاتها المباشرة نحو ثلاثة أرباع الإنفاق الصحي. [٧][٨] وأظهرت دراسة منشورة في 2020، استناداً إلى بيانات 2016، تفاوتاً كبيراً في توزيع الموارد الصحية العامة بين الولايات قياساً إلى عدد السكان. [٩] وتقدر مراجعة علمية منشورة أن السودان فقد نحو 60 بالمئة من أطبائه بالهجرة منذ ستينيات القرن الماضي، وهو نزيف بدأ قبل الإنقاذ واستمر خلالها. [١٠]

كانت هناك مستشفيات وكوادر وخدمات حقيقية، وإنكار وجودها ظلم للعاملين الذين حافظوا عليها في ظروف صعبة. السؤال الذي نطرحه يتعلق بقدرة المواطن على الوصول إلى الرعاية: هل كانت منتظمة وميسورة، وأي المناطق والفئات بقيت خارجها؟

المال العام والسلاح

يتجاوز النقاش وزارة الصحة إلى فلسفة توزيع الثروة. المواطن يحتاج إلى موارد تتبع عدد الناس واحتياجاتهم والمسافات التي تفصلهم عن الخدمة. وحين يصبح الموقع السياسي أو القدرة على فرض المطالب بالسلاح طريقاً أقصر إلى المال العام، تبتعد الدولة عن مسؤوليتها تجاه من يفتقرون إلى هذه الأدوات. هذه فرضية نختبرها عبر مواد الملف في التحويلات والإنفاق الفعلي.

والنزاع المسلح نفسه وقع داخل تاريخ المؤسسات. أنشأت حكومة البشير قوات الدعم السريع في 2013، وأقر البرلمان قانوناً لتنظيمها في 2017، ووثقت هيومن رايتس ووتش استمرار عملها تحت قيادتها بصورة مستقلة عن الجيش. [١١][١٢] بناء قوتين مسلحتين متنافستين جزء من مراجعة عهده. وقرارات قيادتي الجيش والدعم السريع بعد سقوطه، ومسؤوليتهما عن حماية المدنيين خلال النزاع، موضع مساءلة قائمة بذاتها.

السفر بوصفه قراراً قانونياً

ولسفر البشير المحتمل بعد قانوني يغيب عن أغلب التغطيات. فهو مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بموجب أمري قبض صدرا في 2009 و2010، يتضمنان خمس تهم بجرائم ضد الإنسانية وتهمتين بجرائم حرب وثلاث تهم بالإبادة الجماعية تتصل بدارفور، وهي اتهامات لم تنظرها المحكمة لأن الأمرين لم ينفذا حتى الآن. [١٣] والدولة العضو في نظام روما الأساسي التي قد يتجه إليها ستجد نفسها أمام التزام قانوني.

وفي الداخل، صدر بحقه في ديسمبر 2019 حكم بالإيداع في مؤسسة إصلاحية لعامين في قضية فساد وحيازة نقد أجنبي، وتوقفت مع اندلاع حرب أبريل 2023 جلسات محاكمته في قضية انقلاب يونيو 1989 التي بدأت في يوليو 2020. [١٤] لذلك يصبح اختيار وجهة العلاج قراراً سياسياً وقانونياً، ومن حق الرأي العام أن يعرف الجهة التي تتخذه وأسسه.

حكاية كوبر

في النقاش السوداني حكاية عن نصيحة لحاكم بأن يحسن أوضاع سجن كوبر لأنه قد يعود إليه معتقلاً. أصلها غير موثق، ومسار البشير نفسه يمنحها ثقلاً خاصاً: السجن الذي ارتبط اسمه بمعارضي حكومته بعد 1989، بحسب شهادات منشورة، استقبله في أبريل 2019 بعد عزله. [١٤][١٥]

وحين تتحول الحكاية إلى حكمة سياسية مكتملة، تصبح غاية الإصلاح مكاناً أفضل للحاكم بعد سقوطه، ويغيب حق المواطن في ألا يسجن بسبب رأيه. تحسين شروط الاحتجاز واجب دائم. والأبعد أثراً منه أمن مهني وقضاء مستقل يقللان الاعتقال التعسفي، ومدرسة ومستشفى يوسعان فرص الناس في العيش والعمل. تقاس الدولة بما تتيحه لمواطنيها وهم أحرار، وبالحقوق التي تكفلها لمن تحتجزهم وفق القانون.

ما نعد به

بهذا المعنى نفتح ملف الصحة والدولة. نراجع ما كان قائماً قبل حرب أبريل 2023، ونبحث ما يعوق العلاج في المناطق الأبعد عن القتال، ونناقش صلة الأجهزة المسلحة وتوزيع الموارد بحياة الناس. سنحترم حاجة الرئيس السابق إلى الرعاية، ونضع في مقدمة أسئلتنا ملايين المرضى الذين يفتقرون إلى خيار السفر.

للبشير حق في العلاج وفق حاجته الطبية، وللسودانيين حق في دولة تجعل هذه الحاجة معياراً للجميع. وإذا عجزت مؤسسات البلاد عن خدمة يحتاجها من حكمها ثلاثين عاماً، فالمواطن الذي عاش بنتائج تلك العقود يستحق أن يعرف لماذا بقي يتحملها في الداخل، بينما يبحث صاحبها عن العلاج خارج الحدود.

هذه المادة جزء من ملف سودان ستوري «الصحة والدولة»

١. ثلاثون عاماً في الحكم.. وسرير العلاج خارج الحدود

٢. ثلاثة أرباع الفاتورة على المريض

٣. بعيداً عن الرصاص.. قريباً من العجز

٤. درس كوبر: زنزانة أفضل أم دولة أفضل؟

المصادر

  1. محامي البشير: السلطات العسكرية وافقت مبدئياً على سفره للعلاج خارج السودان، سودان تربيون، 30 سبتمبر 2026. المصدر الأصلي
  2. بيان أسرة المشير عمر حسن أحمد البشير، 30 سبتمبر 2026، كما نشرته سودان تربيون وصحيفة السوداني. المصدر الأصلي
  3. نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم ومزاعم عن ترتيبات لسفره، الشرق الأوسط، 1 أكتوبر 2026. المصدر الأصلي
  4. الرئيس السوداني يتعهد تنمية الريف وسط دعوات لتظاهرات جديدة، وكالة فرانس برس عبر سويس إنفو، 3 فبراير 2019. المصدر الأصلي
  5. نقل البشير إلى مستشفى مروي شمالي السودان بعد تدهور حالته الصحية، سودان تربيون، 20 سبتمبر 2024 (ونقلته الجزيرة نت عن المحامي نفسه). المصدر الأصلي
  6. After three years of conflict, Sudan faces a deeper health crisis، منظمة الصحة العالمية، 14 أبريل 2026. المصدر الأصلي
  7. Moving toward UHC: Sudan، البنك الدولي وشركاؤه، بيانات ومراجع حتى 2017. المصدر الأصلي
  8. Health financing in Sudan: key informant interviews in the wake of the 2023 conflict، medRxiv، نسخة أولية منشورة في ديسمبر 2023. المصدر الأصلي
  9. Regional disparities in the distribution of Sudan health resources، محمد إسماعيل، المجلة الصحية لشرق المتوسط، 24 سبتمبر 2020. المصدر الأصلي
  10. Challenges and Choices Amidst Military Conflict: The Present and Future of Medical Education and Healthcare in Sudan، مراجعة منشورة في PubMed Central (PMC11711230). المصدر الأصلي
  11. Men With No Mercy: Rapid Support Forces Attacks against Civilians in Darfur، هيومن رايتس ووتش، 9 سبتمبر 2015. المصدر الأصلي
  12. World Report 2018: Sudan، هيومن رايتس ووتش، تقرير أحداث 2017. المصدر الأصلي
  13. The Prosecutor v. Omar Hassan Ahmad Al Bashir، المحكمة الجنائية الدولية، صفحة القضية. المصدر الأصلي
  14. البشير.. من كوبر إلى الغرفة 304 بمستشفى علياء، سودان تربيون، 2022؛ وراديو تمازج، 30 سبتمبر 2026. المصدر الأصلي
  15. قصة وتاريخ سجن كوبر بالسودان.. لماذا أودع به البشير؟، العربية نت، 17 أبريل 2019. المصدر الأصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *