اعداد : عباس محمد إبراهيم
من الدفاع عن حقوق الإنسان إلى لجنة فض الاعتصام، ومن اللجنة القانونية لقوى الحرية والتغيير إلى الكتلة الديمقراطية ومسارات الحوار؛ ظل نبيل أديب حاضراً في أكثر من موقع قانوني وسياسي خلال سنوات الانتقال والنزاع المسلح. وفي رد على «سودان ستوري»، يؤكد أنه لا يزال رئيساً للجنة القانونية للكتلة الديمقراطية بصفته شخصية مستقلة، ويقول إن لجنة فض الاعتصام لا تملك حالياً أساساً لتمديد عملها من دون تجديد من رئيس الوزراء.
لم يدخل نبيل أديب الحياة العامة بعد سقوط نظام عمر البشير.
قبل الثورة بسنوات، كان اسمه حاضراً في ملفات حقوق الإنسان والدفاع عن المعتقلين والمحاكمات السياسية. ترأس «المرصد السوداني لحقوق الإنسان»، وظهر محامياً في قضايا اصطدمت فيها السلطة بمعارضيها، كما تعرض مكتبه في 2016 لمداهمة أمنية أثناء تقديم مساعدة قانونية لطلاب من جامعة الخرطوم.

حتى دفاعه عن شخصيات محسوبة على النظام السابق، بينها صلاح قوش في إحدى القضايا خلال عهد البشير، قدمه أديب باعتباره جزءاً من الدفاع عن الحق في المحاكمة العادلة، لا تعبيراً عن موقف سياسي من المتهم.
هذه الخلفية الحقوقية والقانونية هي التي صنعت صورته العامة لسنوات.
لكن الثورة والانتقال وضعاه في مواقع جديدة، بعضها يقع مباشرة عند الحدود بين القانون والسياسة.
من المحامي إلى المفاوض
بعد سقوط البشير، لم يكن أديب مجرد خبير قانوني مستقل يراقب التفاوض من الخارج.
فقد شارك ممثلاً لقوى الحرية والتغيير في أعمال قانونية ودستورية خلال الفترة الانتقالية، وقال بنفسه إنه كان ضمن اللجنة الفنية للتفاوض، وشارك في اللجنة الدستورية، كما أصبح لاحقاً من أبرز وجوه اللجنة القانونية لقوى الحرية والتغيير.
وفي أغسطس 2021، كان ضمن قيادة اللجنة القانونية التي اجتمعت بالمكون العسكري لمناقشة ملفات من بينها رئيس القضاء والنائب العام.
كان أديب، في تلك المرحلة، يجمع بين سجل حقوقي طويل وموقع واضح داخل أحد أكبر التحالفات السياسية في البلاد.
ثم جاءت «القبعة» التي ستصبح الأكثر ارتباطاً باسمه.
لجنة فض الاعتصام
في أكتوبر 2019، عيّنه رئيس الوزراء عبد الله حمدوك رئيساً للجنة التحقيق في أحداث فض اعتصام القيادة العامة.
منح قرار التشكيل اللجنة صلاحيات واسعة: استدعاء الشهود، والاطلاع على الوثائق والسجلات، والتعامل مع المؤسسات العسكرية والأمنية، وطلب رفع الحصانات، واتخاذ الإجراءات التي تقود إلى توجيه الاتهام والإحالة إلى المحكمة إذا ثبت وقوع جرائم.

وبمرور الوقت، تحولت اللجنة نفسها إلى قضية عامة.
أعلنت أنها استمعت إلى أكثر من ثلاثة آلاف شاهد، وحققت مع قيادات عسكرية عليا، ووصلت – وفق تصريحات صدرت عن أديب في مراحل مختلفة – إلى مراحل متقدمة أو «قبل النهائية».
لكن الاتهامات لم تصدر، والمحاكمات لم تبدأ.
وشهد عمل اللجنة انتكاسة كبرى في مارس 2022، حين أعلن أديب توقفها الكامل عن العمل بعد أن استولت جهة أمنية على مقرها في الخرطوم وطالبت بإخلاء جزء منه، محذراً من احتمال العبث بالمستندات والشهادات السرية. ثم جاء تأكيد أكثر حسماً في يونيو 2024، حين كشف أديب في مقابلة مع راديو تمازج أن عمل اللجنة متوقف بسبب النزاع المسلح الدائر في البلاد، مشيراً إلى افتقارها لمقر دائم وتشتت أعضائها بين عدة دول.
وكانت اللجنة تتعرض، في المقابل، لضغوط متزايدة من أسر الضحايا وقطاعات من الرأي العام، بينما استقال اثنان من أعضائها خلال مسار عملها.
وفي الفترة الأخيرة، دخل أديب في نقاش جديد حول طبيعة ما يفترض أن تنتجه اللجنة.
فهو يقول إن اللجنة، المنشأة بموجب قانون الإجراءات الجنائية، لا تنتهي إلى «تقرير» بالمعنى الذي شاع في الخطاب العام؛ فإذا ثبت وقوع جريمة، فإن مهمتها هي توجيه الاتهام إلى المشتبه بهم وإحالتهم إلى المحكمة المختصة.
لهذا التفسير أساس قانوني واضح.
لكن خلال سنوات عمل اللجنة استخدمت في المجال العام أيضاً تعبيرات مثل «التقرير المرحلي» و«التقرير النهائي» و«التقرير القانوني»، بما جعل السؤال حول «تقرير فض الاعتصام» جزءاً من اللغة السياسية والإعلامية السائدة.
المشكلة، في كل الأحوال، ليست في المصطلح وحده.
فاللجنة قالت إنها عملت، واستمعت إلى آلاف الشهود واقتربت من النهاية، لكن تلك النهاية لم تصل إلى الجمهور في صورة اتهامات أو إلى القضاء في صورة محاكمة.
ماذا بقي من اللجنة؟
وجهت «سودان ستوري» إلى أديب سؤالاً مباشراً بشأن الوضع القانوني الحالي للجنة والأساس الذي يسمح باستمرارها بعد انتهاء مدد التمديد السابقة.
وجاء رده أكثر تحديداً من أي توصيف عام.
قال أديب إن تشكيل اللجنة يقوم على عنصرين: تعيين من رئيس الوزراء، وسلطات ممنوحة من النائب العام.
وأضاف أن سلطات النائب العام لا تحتاج إلى تجديد، لكن التعيين الصادر عن رئيس الوزراء يحتاج إلى ذلك، وقال:
«لا يوجد الآن أساس لتمديد عملها بدون تجديد من رئيس الوزراء»
وبذلك يقدم رئيس اللجنة نفسه توصيفاً واضحاً لوضعها الحالي: الصلاحيات التي منحها النائب العام لا تنتهي تلقائياً، لكن استمرار تكليف اللجنة يحتاج إلى تجديد من رئيس الوزراء، وهو ما لم يحدث.
من «الحرية والتغيير» إلى الكتلة الديمقراطية
بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، وصف أديب الإجراءات بأنها غير دستورية، وشارك قبل الانقلاب نفسه في محاولات للوساطة بين المدنيين والعسكريين.
لكن موقعه السياسي تغير لاحقاً.
شارك في حوارات القاهرة المناهضة للاتفاق الإطاري، وتولى مواقع داخل تلك الاجتماعات، ثم أصبح اسمه مرتبطاً بصورة أوضح بالكتلة الديمقراطية.
وفي يناير 2024، قدم بيان صادر عن الكتلة أديب باعتباره رئيس لجنتها القانونية.
وفي أبريل 2026، أقر مؤتمر تنظيمي ثانٍ للكتلة في بورتسودان هيكلاً قيادياً جديداً برئاسة جعفر الصادق محمد عثمان الميرغني، وأُدرج أديب ضمن قياداته بصفته مسؤول قطاع القانون وحقوق الإنسان — وهو التوصيف المؤسسي الأحدث لموقعه داخل التحالف، وإن ظل متسقاً مع تأكيده لـ«سودان ستوري» استمراره في رئاسة لجنتها القانونية.
وفي يوليو من العام نفسه، أعلنت «الجبهة الديمقراطية للمحامين» فصله على خلفية انضمامه إلى الكتلة الديمقراطية. ورد أديب وقتها بأن وجوده في الكتلة لا يتناقض، من وجهة نظره، مع استقلاله السياسي، مؤكداً أنه ليس عضواً في حزب.
هذا السؤال ظل يرافقه بعد ذلك: كيف يكون الشخص مستقلاً، وفي الوقت نفسه عضواً في تحالف سياسي ورئيساً لإحدى لجانه؟
وجهت «سودان ستوري» السؤال إليه مباشرة، فأجاب:
«نعم، ما زلت أشغل منصب رئيس اللجنة القانونية للكتلة الديمقراطية»
وأضاف:
«الكتلة الديمقراطية هي تجمع يضم مكونات سياسية وشخصيات مستقلة، وأنا أحد تلك الشخصيات»
وبذلك يرسم أديب بنفسه الحد الذي يضعه بين الصفتين: هو مستقل من حيث الانتماء الحزبي، لكنه منخرط في تحالف سياسي بصفته الشخصية، ويتولى داخله موقعاً تنظيمياً واضحاً.
لجنة أخرى وحوار جديد
في فبراير 2025، ظهر أديب مجدداً على رأس لجنة من عشرة أشخاص أجرت مشاورات سياسية في بورتسودان، وصاغت وثيقة رفعتها إلى قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان.
واليوم، يظهر مرة أخرى عضواً في اللجنة التحضيرية لما يسمى «الحوار السوداني»، التي انطلقت أعمالها في 30 أغسطس 2026 برئاسة الأكاديمي قاسم بدري، وضمت إلى جانب أديب أسماء من بينها محمد جلال هاشم وعثمان ميرغني وعبد الله آدم خاطر.
يقول أديب إن اللجنة الحالية ليست لجنة عيّنتها الحكومة، وإنما تشكلت من أعضائها، وإنها تتعامل مع مؤسسات الدولة للحصول على الضمانات السياسية والقانونية والأمنية اللازمة للحوار.
وهنا يعود السؤال نفسه الذي رافق مسيرته خلال السنوات الماضية، ولكن بصيغة مختلفة.
فالمسألة ليست ما إذا كان نبيل أديب عضواً في حزب سياسي أم لا؛ فقد أجاب هو عن ذلك بالنفي.
السؤال هو: ما الذي تعنيه الاستقلالية عندما يصبح المستقل جزءاً من تحالف سياسي، ورئيساً للجنة قانونية داخله، وفاعلاً في مسارات تفاوض وحوار تتقاطع مباشرة مع مراكز السلطة؟
القبعات لا تلغي الرجل
يمكن النظر إلى مسيرة نبيل أديب بوصفها انتقالاً بين مواقع متناقضة، ويمكن النظر إليها أيضاً باعتبارها تعبيراً عن طبيعة مرحلة لم تعد الحدود فيها واضحة بين القانون والسياسة والوساطة والعمل الحقوقي.
فهو المحامي الذي دافع عن خصوم سياسيين باسم الحق في المحاكمة العادلة، والحقوقي الذي تحوّل إلى مفاوض داخل الحرية والتغيير، ورئيس لجنة فض الاعتصام التي لم تصل إلى الاتهامات قبل أن يتوقف مسارها. وهو، في الوقت نفسه، المستقل الذي يؤكد اليوم أنه رئيس اللجنة القانونية لتحالف سياسي، وأحد الأصوات الحاضرة داخل ترتيبات الحوار الجديدة.
لا تلغي إحدى هذه الصفات الأخرى، لكن اجتماعها في شخص واحد يجعل السؤال عن الصفة التي يتحدث منها نبيل أديب في كل مرة سؤالاً مشروعاً، لا اتهاماً.
وربما لهذا السبب لم تعد قصة أديب قصة لجنة فض الاعتصام وحدها.
إنها، بدرجة ما، قصة السنوات التي أعقبت الثورة نفسها: سنوات اختلط فيها المحامي بالسياسي، والوسيط بالطرف، والقانون بالعملية السياسية، بينما ظلت الحدود بين هذه الأدوار موضع تفاوض مستمر.

