السفير محمد بلعيش

عيّنه موسى فكي في بدايات الانتقال عام 2019، ثم أعاد محمود علي يوسف تعيينه بعد ست سنوات. بين تعليق عضوية السودان، والآلية الثلاثية، والاتفاق الإطاري، والنزاع المسلح، ثم العودة إلى الخرطوم؛ ظل الدبلوماسي المغربي محمد بلعيش في قلب الملف السوداني، بينما تغيرت من حوله السلطة في الخرطوم وقيادة الاتحاد الأفريقي وطبيعة الوساطة نفسها.

اعداد: عباس محمد إبراهيم 

في يوليو الماضي، جلس محمد بلعيش مرة أخرى أمام قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في الخرطوم.

البرهان يستقبل بلعيش

كان السودان لا يزال معلق العضوية في الاتحاد الأفريقي بسبب إجراءات 25 أكتوبر 2021، غير أن جدول أعمال الاجتماع تركز على تطورات الوضع السياسي والأمني، وجهود الوساطة، والترتيبات المتعلقة بإعادة فتح مكتب اتصال الاتحاد الأفريقي في الخرطوم، بعيداً عن ملف عزل السلطة القائمة أو شروط استعادة عضوية السودان.

المشهد يلخص، إلى حد بعيد، قصة الدبلوماسي المغربي في السودان.

فالرجل الذي دخل الملف في مرحلة كان الاتحاد الأفريقي يضغط فيها على العسكريين لنقل السلطة إلى المدنيين، أصبح بعد سنوات ممثل المؤسسة نفسها في مسار يعيد حضور الاتحاد الأفريقي إلى العاصمة التي تسيطر عليها السلطة القائمة في بورتسودان.

بلعيش وكامل ادريس

لكن تتبع مسيرته يكشف قصة أكثر تعقيداً من مجرد انتقال مبعوث من موقع سياسي إلى آخر.

رجل جاء مع الانتقال

تولى بلعيش منصب الممثل الخاص لرئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي ورئيس مكتب الاتصال في السودان عام 2019، في واحدة من أكثر مراحل الانتقال السوداني حساسية.

بعد سقوط عمر البشير، علق الاتحاد الأفريقي عضوية السودان في يونيو من العام نفسه، مطالباً بتسليم السلطة إلى سلطة مدنية انتقالية.

وفي تلك الفترة لعب الاتحاد الأفريقي، إلى جانب الوساطة الإثيوبية، دوراً رئيسياً في الترتيبات التي انتهت إلى الوثيقة الدستورية وتقاسم السلطة بين العسكريين والمدنيين.

وكان بلعيش جزءاً من تلك البيئة السياسية، التي كان عنوانها الأساسي: الضغط على المؤسسة العسكرية للعودة إلى مسار الانتقال المدني.

انقلاب جديد.. وتعليق جديد

في 25 أكتوبر 2021 تغيرت المعادلة.

علق مجلس السلم والأمن الأفريقي مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد بعد استيلاء الجيش على السلطة، وربط العودة باستعادة سلطة انتقالية يقودها المدنيون.

لكن بلعيش بقي في موقعه.

وأصبح لاحقاً أحد الوجوه الرئيسية للآلية الثلاثية التي ضمت الاتحاد الأفريقي و«إيغاد» وبعثة الأمم المتحدة «يونيتامس»، في محاولة لإنهاء الأزمة السياسية التي أعقبت الانقلاب.

وفي تلك المرحلة كان خطابه المعلن واضحاً في الدعوة إلى خروج المؤسسة العسكرية من العمل السياسي والعودة إلى الحكم المدني.

لكن مسار الوساطة نفسه بدأ يكشف تباينات حول من يشارك في العملية وكيف تُدار.

أول صدام كبير

في يونيو 2022 أعلن بلعيش أنه لن يشارك في اجتماعات رأى أنها تفتقر إلى الشفافية ولا تتعامل مع جميع الفاعلين على قدم المساواة.

أثار موقفه غضب قوى الحرية والتغيير ـ المجلس المركزي، التي اتهمته بالابتعاد عن الحياد المطلوب من الاتحاد الأفريقي، بينما رحبت به قوى سياسية أخرى كانت أقرب في ذلك الوقت إلى المكون العسكري.

لاحقاً أوضح الاتحاد الأفريقي أنه لم ينسحب من الآلية الثلاثية، وأن اعتراض بلعيش تعلق بطريقة إدارة بعض الأنشطة.

بلعيش يتحدث من منصة الكتلة الديمقراطية

كانت تلك واحدة من أولى اللحظات التي ظهر فيها الخلاف حول مقاربة المبعوث المغربي.

وتكشف أيضاً أن التشديد على توسيع المشاركة ورفض إقصاء القوى المختلفة كان جزءاً من خطاب بلعيش منذ سنوات، سابقاً لاندلاع النزاع المسلح وللتقارب الحالي بين الاتحاد الأفريقي وبورتسودان.

من الإطاري إلى النزاع المسلح

بعد أشهر، عاد الاتحاد الأفريقي إلى العمل ضمن المسار الذي أفضى إلى الاتفاق الإطاري في ديسمبر 2022.

وكان بلعيش وقتها يتحدث عن ضرورة توسيع قاعدة التوافق، مع التمسك بخروج العسكريين من الحكم واستعادة المسار الديمقراطي.

وقبل اندلاع النزاع المسلح بأسابيع، كان الاتحاد الأفريقي لا يزال يدفع باتجاه تسوية تؤدي إلى سلطة مدنية.

لكن النزاع المسلح الذي اندلع في 15 أبريل 2023 أنهى عملياً ذلك المسار.

أُغلق مكتب الاتحاد الأفريقي في الخرطوم، وانتقلت غالبية جهود الوساطة إلى خارج السودان، وتغيرت طبيعة الأزمة نفسها: من صراع حول شكل الانتقال إلى نزاع مسلح مفتوح بين الجيش والدعم السريع.

ومع ذلك، لم يخرج بلعيش من الملف.

ظل مشاركاً في تحركات الاتحاد الأفريقي، وفي اتصالات اللجنة رفيعة المستوى بشأن السودان، بينما بدأت المؤسسة القارية تعيد بناء مقاربتها للنزاع المسلح.

لم يبقَ بالصدفة

في فبراير 2025 انتهت ولاية موسى فكي، وانتُخب وزير الخارجية الجيبوتي السابق محمود علي يوسف رئيساً جديداً لمفوضية الاتحاد الأفريقي.

ومع تغير قيادة المفوضية، أصبح استمرار بلعيش موضع سؤال طبيعي.

لكن المهمة لم تنته.

ففي يوليو 2025 أعاد محمود علي يوسف تعيين محمد بلعيش ممثلاً خاصاً له ورئيساً لمكتب اتصال الاتحاد الأفريقي في السودان.

هذه النقطة مهمة لفهم استمرار الرجل في الملف.

بلعيش لم يكن مجرد مسؤول من عهد موسى فكي تُرك في موقعه بحكم الاستمرارية الإدارية؛ رئيس المفوضية الجديد اتخذ قراراً بالإبقاء عليه.

محمود علي يوسف يبحث مع بلعيش إعادة فتح مكتب اتصال الاتحاد الأفريقي في الخرطوم يونيو ٢٠٢٦م أديس أبابا.

ولا تكشف المصادر المفتوحة المتاحة تفاصيل كافية حول الأسباب التي دفعت إلى هذا القرار، كما لم تجد «سودان ستوري» دليلاً منشوراً يثبت أن السلطات السودانية تدخلت لضمان بقائه.

لكن المؤكد أن استمراره كان قراراً جديداً، لا مجرد امتداد تلقائي لتكليفه القديم.

الاتحاد يعود إلى الخرطوم

مع بداية 2026، بدأت وظيفة بلعيش تأخذ شكلاً جديداً.

تحرك الاتحاد الأفريقي لإعادة فتح مكتب اتصاله في الخرطوم، وشارك بلعيش في تقييم الأوضاع والترتيبات اللازمة لذلك، قبل أن يعود إلى العاصمة ويلتقي البرهان.

حدث ذلك بينما ظل السودان معلق العضوية في الاتحاد الأفريقي.

وهنا تظهر مفارقة المقاربة الحالية.

يحتفظ الاتحاد بموقفه الرسمي الذي يحجب عن السلطة القائمة الشرعية الكاملة التي تعنيها استعادة عضوية السودان، في حين توسّع في الوقت نفسه تعامله المباشر معها بما يتجاوز التواصل من الخارج فقط.

إنه يتواصل معها، ويعيد مكتبه إلى الخرطوم، ويبحث معها عن مسارات العملية السياسية، بينما يتمسك رسمياً بالحكم الدستوري والحوار الشامل.

وبلعيش يقف عند نقطة الاتصال بين الاتجاهين.

الخماسية تعيد السؤال القديم

في أغسطس ظهر خلاف جديد داخل مسار الوساطة.

كشفت «Africa Intelligence» أن الاتحاد الأفريقي أضاف بصورة منفردة 32 اسماً إلى قائمة المشاركين المقترحين في الجولة المقبلة من مشاورات الخماسية، من دون توافق كامل مع بقية أعضاء الآلية.

بلعيش يستقبل مناوي قبل بدء المشاورات أديس أبابا

ورأت المجلة أن الخطوة تقرب مقاربة الاتحاد الأفريقي من رؤية البرهان بشأن توسيع دائرة المشاركين في الحوار.

ولا توجد، حتى الآن، أدلة مفتوحة تثبت أن بلعيش شخصياً وضع القائمة أو اتخذ قرار توسيعها، فيما يعيد هذا التطور إلى السطح سؤالاً رافق الرجل منذ أزمة 2022:

أين ينتهي توسيع المشاركة، وأين يبدأ تغيير ميزان القوى داخل طاولة الحوار؟

فالفرق بين حوار شامل وطاولة مصممة لإنتاج نتيجة مسبقة تحدده الطريقة التي يُختار بها المشاركون، أكثر مما تحدده الشعارات.

هل تغير بلعيش أم تغير الاتحاد؟

من السهل رسم خط يبدأ بمبعوث جاء إلى الخرطوم في مرحلة ضغط الاتحاد الأفريقي على المجلس العسكري، وينتهي بمبعوث يجلس اليوم مع البرهان ويتابع إعادة مكتب الاتحاد إلى العاصمة.

لكن الوقائع لا تكفي للقول إن بلعيش انتقل ببساطة من مساندة الانتقال المدني إلى مساندة السلطة العسكرية.

فالخطاب الرسمي الذي حمله ظل يتحدث عن الحكم المدني، والاستعادة الدستورية، والحوار السوداني الشامل.

ما تغير بصورة أوضح هو البيئة السياسية التي يعمل داخلها.

في 2019 كان هدف الاتحاد الأفريقي نقل السودان من حكم عسكري انتقالي إلى شراكة مدنية.

وفي 2022 كان الهدف إنهاء أزمة الانقلاب وإعادة الجيش إلى خارج السياسة.

أما في 2026، فالمنظمة تواجه دولة ممزقة بالنزاع المسلح، وسلطة أعادت تثبيت وجودها في الخرطوم، وقوة مسلحة تسيطر على أجزاء من البلاد، وعشرات المبادرات والوسطاء.

وفي هذه البيئة أصبحت المقاربة الأفريقية تجمع بين عناصر تبدو متعارضة: استمرار تعليق عضوية السودان، ورفض أي كيان موازٍ، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وإعادة مكتب الاتحاد إلى الخرطوم، وفي الوقت نفسه الدعوة إلى عملية سياسية شاملة تعيد الحكم الدستوري.

محمد بلعيش هو أحد أكثر الوجوه التي تجسد هذا التحول.

فبعد سبع سنوات من الانتقال والانقلاب والنزاع المسلح وتبدل أطر الوساطة، ظل الرجل في الملف.

لكن الأهم من بقائه هو أن المهمة التي بقي من أجلها لم تعد هي المهمة نفسها التي جاء من أجلها في 2019.


وتواصلت «سودان ستوري» مع مفوضية الاتحاد الأفريقي ومكتب الممثل الخاص لرئيس المفوضية في السودان محمد بلعيش، ووجهت إليهما أسئلة بشأن إعادة تعيينه، وطبيعة مهمته الحالية، والانتقادات المتعلقة بمقاربة الاتحاد الأفريقي للعملية السياسية. ولم تتلق المنصة رداً حتى وقت نشر هذه المادة، بعد مرور سبعة أيام على إرسال الأسئلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *