مستشار البرهان يراهن على موقع تركيا بين العالم الإسلامي وحلف شمال الأطلسي لتسويق رواية السلطة عن الحرب، لكن أنقرة التي يخاطبها ليست طرفاً خالياً من الذاكرة السودانية؛ فهي شريك قديم لنظام البشير، ووجهة قصدها إسلاميون بعد الثورة، ودولة حافظت على خيوطها مع الخرطوم رغم تغير الحكومات.
تحليل ـ سودان ستوري
حين دعا أمجد فريد الطيب، مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية، تركيا إلى المساهمة في «نقل حقائق السودان إلى العالم»، لم يكن يختار منصة دبلوماسية عادية.
فأنقرة تقف في موقع نادر يجمع بين عضويتها في حلف شمال الأطلسي، وحضورها داخل العالم الإسلامي، وشبكة علاقاتها الممتدة في أفريقيا والشرق الأوسط. لكن هذا الموقع لا يفسر وحده اختيارها لتكون إحدى بوابات الرواية التي تريد سلطة بورتسودان إيصالها إلى الخارج.
وراء التصريح ذاكرة سياسية أثقل: علاقة خاصة جمعت حكومة الرئيس السابق عمر البشير بتركيا، وروابط إقليمية نسجتها الحركة الإسلامية السودانية مع أنقرة، ثم استمرت بأشكال مختلفة بعد ثورة ديسمبر وسقوط النظام في أبريل 2019.
وفي مقابلته مع وكالة الأناضول، قدّم أمجد فريد تصوراً متكاملاً للحرب، لا مجرد إشادة بالعلاقات السودانية التركية. وصف ما يجري بأنه «هجوم على سيادة السودان»، ودعا إلى تصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية دولياً، معتبراً أن النزاع انتقل من خلافات سياسية داخلية إلى حرب بالوكالة تدعم فيها أطراف إقليمية قوات الدعم السريع وبعض القوى السياسية لتحقيق أجنداتها داخل السودان.
كما ربط مستشار البرهان بدء الانتقال الديمقراطي باستعادة الأمن وبسط سلطة الدولة، في ترتيب سياسي يضع حماية مؤسسات الدولة والحسم الأمني قبل العودة إلى المسار المدني.
بهذا المعنى، لم يعد أمجد فريد يتحدث فقط بصفته شخصية مدنية التحقت بمؤسسات السلطة، وإنما بوصفه أحد أبرز المرافعين الجدد عن سردية بورتسودان في الخارج.
تركيا البشير
بلغت العلاقات بين السودان وتركيا ذروتها السياسية خلال السنوات الأخيرة من حكم البشير.

ففي ديسمبر 2017، أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان زيارة إلى السودان، كانت الأولى لرئيس تركي إلى البلاد. ووقّع البلدان خلالها عدداً من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، إلى جانب إعلان إنشاء آلية للتعاون الاستراتيجي رفيع المستوى.
لكن الاتفاق الذي بقي في الذاكرة السياسية السودانية والإقليمية كان التفاهم المتعلق بجزيرة سواكن على البحر الأحمر.
قدمت أنقرة المشروع باعتباره خطة لترميم الآثار العثمانية وتطوير الجزيرة، بينما أثار الاتفاق مخاوف إقليمية بشأن احتمال حصول تركيا على موطئ قدم عسكري على الساحل السوداني.
ونفت أنقرة وجود خطة لبناء قاعدة بحرية، لكن موقع سواكن الاستراتيجي جعل المشروع يتجاوز، في نظر خصومه، حدود الاستثمار والترميم السياحي.
كانت العلاقة تحمل بعداً اقتصادياً واستراتيجياً، لكنها قامت أيضاً وسط تقارب سياسي وأيديولوجي بين حكومة أردوغان ونظام البشير، الذي وصل إلى السلطة بانقلاب 30 يونيو 1989، ونشأ مشروعه السياسي من تحالف الجيش والحركة الإسلامية السودانية.
ومع تصاعد الاستقطاب الإقليمي بين تركيا وقطر من جهة، ومصر والسعودية والإمارات من جهة أخرى، بدا السودان في سنوات البشير الأخيرة جزءاً من التنافس على البحر الأحمر ومستقبل الإسلام السياسي في المنطقة.
ما بعد الثورة
لم يؤد سقوط البشير إلى قطع العلاقة بين الخرطوم وأنقرة.
فعلى المستوى الرسمي، حضرت تركيا مراسم توقيع الوثيقة الدستورية في الخرطوم في أغسطس 2019، وحافظت على علاقاتها مع مؤسسات المرحلة الانتقالية، ثم مع السلطة التي تشكلت بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021.

لكن صورة تركيا داخل قطاعات واسعة من المجال السياسي السوداني ظلت مرتبطة أيضاً بإرث النظام السابق.
بعد الثورة، غادر عدد من قيادات الإسلاميين والمحسوبين على النظام السودان، واتجه بعضهم إلى تركيا، قبل أن يتمكن بعضهم من العودة إلى السودان بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021.
هذه الوقائع محدودة الدلالة في حد ذاتها: تبنّي الدولة التركية رسمياً أنشطة هؤلاء أمر غير موثّق، ووصف أنقرة بأنها مقر للحركة الإسلامية السودانية يتجاوز ما تحتمله الأدلة المتاحة. غير أنها جعلت تركيا، في المخيلة السياسية التي تشكلت بعد الثورة، أكثر من مجرد دولة صديقة للسودان.
أصبحت عنواناً لشبكات اجتماعية وسياسية واقتصادية ارتبط بعضها بالنظام السابق، وواحدة من العواصم التي استطاعت فيها شخصيات إسلامية سودانية التحرك بعد فقدانها السلطة في الخرطوم.
وتزداد حساسية هذه العلاقة مع الحرب الحالية، في ظل اتهامات لقوى وشخصيات محسوبة على الحركة الإسلامية باستخدام علاقاتها الإقليمية القديمة في دعم الجيش ومحاولة استعادة نفوذها السياسي.
هذه الاتهامات، رغم انتشارها، تبقى دون دليل على قرار تركي معلن بتبني مشروع الإسلاميين السودانيين. لكنها تضع أي تقارب جديد بين بورتسودان وأنقرة داخل سياق شديد الحساسية، خصوصاً لدى القوى التي ترى أن نفوذ النظام السابق يتوسع داخل مؤسسات الدولة والجيش.
مفارقة أمجد فريد
هنا تظهر المفارقة الأساسية في حديث أمجد فريد.
الرجل الذي جاء من قلب الحراك المدني، وعمل مستشاراً لرئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، أصبح الآن يطلب من الدولة الأكثر ارتباطاً بعلاقات البشير الخارجية أن تساعد سلطة يقودها الجيش في عرض روايتها أمام العالم.
وقد عيّن البرهان أمجد فريد مستشاراً للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية في مارس 2026، في خطوة حملت منذ البداية دلالة تتجاوز الاستفادة من خبرته؛ فقد أتاحت للسلطة تقديم وجه مدني يمتلك لغة قادرة على مخاطبة الدوائر الغربية والدبلوماسية، في وقت تواجه فيه اتهامات متزايدة بسيطرة عناصر النظام السابق والإسلاميين على قرارها السياسي والعسكري.
تبنّي أمجد مشروع الحركة الإسلامية أو صدور تعيينه بقرار منها أمران غير مؤكدين بالأدلة المتاحة. غير أنه يعمل داخل سلطة تتقاطع مصالحها الميدانية والسياسية مع مجموعات إسلامية تقاتل إلى جانب الجيش، وتبحث عن حلفاء قادرين على موازنة الضغوط الغربية والإقليمية.
وبالنسبة إلى بورتسودان، توفر تركيا ثلاثة أدوار محتملة في وقت واحد.
الأول هو منح رواية السلطة منفذاً إلى فضاء إسلامي واسع، حيث يمكن تقديم الحرب بوصفها معركة لحماية الدولة من قوة مسلحة متمردة ومدعومة خارجياً.
والثاني هو فتح قنوات باتجاه الغرب بحكم عضوية تركيا في الناتو وعلاقاتها المعقدة مع الولايات المتحدة وأوروبا.
أما الثالث فهو استخدام علاقات أنقرة الإقليمية لمحاولة تعديل توازنات الحرب، ولا سيما في ظل التوتر الحاد بين السلطة السودانية والإمارات، ومساعي تركيا السابقة إلى تقديم نفسها طرفاً قادراً على الوساطة بين الخرطوم وأبوظبي.
رواية الدولة
الرسالة التي يريد أمجد فريد نقلها عبر أنقرة تقوم على إعادة تعريف النزاع.
فبدلاً من وصفه بأنه حرب بين الجيش والدعم السريع، يدفع خطاب بورتسودان باتجاه اعتباره حرباً بين الدولة وتشكيل مسلح مدعوم من الخارج.
هذا التعريف ليس تفصيلاً لغوياً.
فإذا قُبل دولياً، فإنه يمنح الجيش موقع الممثل الشرعي للدولة، ويحوّل الدعم السريع من طرف في نزاع مسلح إلى منظمة إرهابية، ويضع القوى المدنية التي تتهمها السلطة بالتحالف السياسي معه داخل دائرة الاشتباه.
كما يعيد ترتيب الأولويات السياسية: تصبح استعادة الدولة شرطاً سابقاً لأي عملية سياسية، ويصبح استكمال الأمن شرطاً سابقاً للانتقال الديمقراطي، ويصبح تحديد الجهة المسؤولة عن الكارثة شرطاً سابقاً لأي حل إنساني.
لكن هذه الرواية تواجه عقبتين أساسيتين.
الأولى أن الجيش نفسه كان شريكاً في بناء قوات الدعم السريع وتمكينها داخل الدولة، ثم شارك معها في إطاحة البشير، وفي انقلاب 25 أكتوبر 2021. ولذلك يصعب تقديم الحرب باعتبارها اعتداءً خارجياً خالصاً، منفصلاً عن أزمة السلطة والمؤسسات العسكرية داخل السودان.
أما العقبة الثانية فهي أن الحديث عن حماية الدولة يظل موضع شك لدى قطاعات من السودانيين، ما دامت مؤسساتها تُدار من دون تفويض مدني، وما دام نفوذ عناصر النظام السابق يتسع داخل هياكلها السياسية والأمنية.
حليف أم وسيط؟
تركيا، من جانبها، لا تتحرك في السودان بدافع أيديولوجي فقط.
فقد أثبتت منذ سقوط البشير أنها قادرة على إعادة تكييف علاقاتها مع أي سلطة قائمة، من الحكومة الانتقالية المدنية العسكرية، إلى قيادة الجيش بعد انقلاب 25 أكتوبر، ثم سلطة بورتسودان خلال الحرب.
هذه البراغماتية تسمح لأنقرة بتقديم نفسها شريكاً للدولة السودانية، لا لحزب أو نظام بعينه. لكنها لا تمحو ذاكرة علاقاتها السابقة، ولا تبدد الشكوك في طبيعة صلاتها بالحركة الإسلامية.
ومن هنا، يصعب أن تكون تركيا وسيطاً محايداً تماماً، لكنها تستطيع أن تكون حليفاً دبلوماسياً وسياسياً مهماً لسلطة بورتسودان، وربما جسراً إلى دوائر لا يستطيع الخطاب العسكري السوداني الوصول إليها منفرداً.
أما أمجد فريد، فتبدو مهمته أوسع من الدفاع عن قرار عسكري أو الرد على اتهام خارجي.
إنه يعمل على إعادة صياغة صورة السلطة: من قيادة عسكرية متهمة بإعادة الإسلاميين إلى الحكم، إلى دولة تواجه تهديداً وجودياً وتبحث عن دعم دولي لحماية سيادتها.
واختيار أنقرة لحمل هذه الرسالة يكشف قوة هذا المسعى وحدوده في آن واحد.
فتركيا تملك المنابر والعلاقات التي تحتاجها بورتسودان، لكنها تحمل أيضاً إرثاً يجعل كل تقارب معها يعيد فتح السؤال الذي تحاول السلطة تفاديه:
هل تبحث بورتسودان عن دعم الدولة التركية، أم تستعيد عبرها شبكة التحالفات الإقليمية التي حكمت السودان في السنوات الأخيرة من عهد البشير؟

