ما وراء الخبر
جلسة مجلس الأمن نقلت النقاش من توصيف الكارثة إلى محاولة استخدام أدوات أكثر صرامة، مع مشروع قرار أميركي لتوسيع حظر السلاح إلى كامل السودان. لكن الانقسام داخل المجلس يمتد إلى سؤال آخر لا يقل تعقيداً: من يملك تصميم العملية السياسية المقبلة؟
كشفت جلسة مجلس الأمن بشأن السودان، التي عقدت في 24 أغسطس، أن الأسابيع المقبلة قد تحمل اختبارين متوازيين، من دون أن تخرج بقرار جديد أو اختراق سياسي: الأول يتعلق بما إذا كان المجلس مستعداً لتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان، والثاني يتعلق بمسار سياسي تتحرك فيه الآلية الخماسية نحو جولة جديدة في أديس أبابا، بينما لا يزال السودانيون مختلفين حول من يشارك فيه ومن يضع أجندته.
وتجاوزت الجلسة، التي امتدت لأكثر من ثلاث ساعات، مجرد سرد آثار النزاع المسلح. فقد وضعت الولايات المتحدة أمام المجلس مشروع قرار يتضمن إجراءات محددة، فيما أظهرت مداخلات الدول انقساماً بشأن العقوبات وموقع القوات المسلحة من نظامها، وانقساماً موازياً حول المظلة الأنسب لإدارة التسوية السياسية.
نزاع مسلح يتغير أسرع من أدوات الحماية
قدمت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، رقماً يلخص أحد أهم التحولات التي طرأت على النزاع المسلح.
فقد وثق مكتب حقوق الإنسان نحو 1,400 قتيل مدني بين يناير ويونيو 2026، بينهم نحو 1,100 قُتلوا بضربات مسيّرة.
وقالت ديكارلو إن المسيّرات التي يستخدمها طرفا النزاع المسلح استهدفت مراراً أسواقاً ومدارس ومحطات وقود ومنشآت للمياه، بينما يشير تطور نوعية الأسلحة المستخدمة إلى استمرار الدعم الخارجي للطرفين.
وحذرت كذلك من أن تكاثر الحركات المسلحة والمليشيات المحلية، ذات المصالح السياسية والأمنية والإقليمية المختلفة، يزيد مخاطر تفتيت السودان ويجعل الوصول إلى وقف شامل للقتال أكثر تعقيداً.
أما منسق الإغاثة في الأمم المتحدة، توم فليتشر، فوضع المشكلة في مستوى آخر. فبعد استعراض فجوات التمويل وصعوبات الوصول الإنساني، قال إن السودان يعاني من «نقص في الفعل» أكثر مما يعاني من نقص في التحليل.
وأشار إلى مفارقة تتمثل في وصول المسيّرات والأسلحة والمقاتلين إلى السودان في الوقت الذي يعاني فيه ملايين المدنيين من نقص الغذاء والماء والدواء، فيما لا تزال الاستجابة الإنسانية أقل كثيراً من الاحتياجات.
من التشخيص إلى مشروع قرار
الجديد الأكثر أهمية في الجلسة جاء في مداخلة المستشار الأميركي مسعد بولس، الذي كشف أن الولايات المتحدة طرحت مشروع قرار يتضمن أربعة عناصر رئيسية.

يقضي الأول بتوسيع حظر السلاح من دارفور إلى كامل الأراضي السودانية، والثاني بالنص صراحة على شمول المسيّرات وأنظمتها وتقنياتها بالحظر.
أما العنصر الثالث فيقترح زيادة عدد خبراء فريق العقوبات المنشأ بموجب القرار 1591، بينما يدعو الرابع إلى تعزيز تعاون الفريق مع لجان الخبراء الأخرى في المنطقة من أجل تتبع انتهاكات حظر السلاح وتجميد الأصول وحظر السفر.
ويمنح التوقيت المقترح الأميركي وزناً إضافياً، إذ يقترب مجلس الأمن من مراجعة نظام العقوبات الحالي في سبتمبر. وبذلك أصبح توسيع الحظر جزءاً من مفاوضات ستختبر قدرة أعضاء المجلس على الاتفاق على أداة جديدة للتعامل مع نزاع مسلح تغيّر جغرافيته ووسائله، متجاوزاً كونه نقاشاً نظرياً بعيداً.
لكن مداخلات الجلسة أظهرت سريعاً أن الطريق إلى ذلك ليس مفتوحاً.
رفضت روسيا المنطق الذي قد يضع القوات المسلحة والدعم السريع تحت إطار واحد، معتبرة أن الجيش مؤسسة للدولة، بخلاف الدعم السريع الذي وصفته بالقوة المتمردة. كما أبدت موقفاً معارضاً لتوسيع نظام العقوبات.
الصين من جانبها دعت إلى تنفيذ الحظر القائم ومنع التدخل العسكري الخارجي، لكنها حذرت من التوسع في نطاق التدابير القسرية، وشددت على سيادة السودان وضرورة عدم إضعاف مؤسسات الدولة.
وفي الاتجاه المقابل، دفعت عدة دول أعضاء نحو توسيع نطاق نظام العقوبات، فيما أعلنت الإمارات تأييدها للمقترح الأميركي، ودعت إلى شمول كامل الأراضي السودانية بالحظر وتعزيز أدوات مراقبة الانتهاكات.
السلطة القائمة في بورتسودان ترفض التوسيع
رفض ممثل السودان في الجلسة توسيع حظر السلاح، وقال إن المطلوب هو تحسين تنفيذ نظام العقوبات الحالي لا إنشاء نظام جديد يمتد إلى كامل البلاد.
وترى السلطة القائمة في بورتسودان أن توسيع الحظر قد يضع القوات المسلحة والدعم السريع عملياً تحت القيود نفسها، ويؤثر في قدرة الدولة على ممارسة مهامها الأمنية والعسكرية.
ودفع الموقف السوداني، إلى جانب مداخلات أخرى، باتجاه التركيز على شبكات الإمداد الخارجية ومصادر الأسلحة بدلاً من توسيع القيود المفروضة على السودان.
ويطرح ذلك سؤالاً مركزياً أمام المجلس: هل يمكن وقف تدفق السلاح عبر حظر جغرافي أوسع، أم أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف القدرة على مراقبة الموردين ومسارات التمويل والإمداد وإنفاذ العقوبات الموجودة أصلاً؟
فجوة حماية بلا إجابة سهلة
أضافت الطبيبة والناشطة السودانية إيفا خير بعداً آخر للنقاش، إذ دعت مجلس الأمن إلى إنشاء آلية مستقلة لحماية المدنيين والرصد تكون قادرة على الإنذار المبكر والتحقيق السريع وتحريك العمل الدبلوماسي قبل تصاعد العنف.
كما طالبت بتوسيع حظر السلاح إلى كامل السودان ومحاسبة الجهات التي تنتهكه.
وأعادت هذه المطالب، وإن لم تتحول إلى قرار، إلى الواجهة سؤالاً ظل معلقاً منذ انتهاء الوجود السياسي الأممي السابق في السودان: من يستطيع حماية المدنيين عندما يكون طرفا النزاع المسلح نفسهما متهمين بارتكاب انتهاكات واسعة؟
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات الجلسة. فهناك قدر واسع من الاتفاق على حجم الكارثة، لكن الخلاف يبدأ بمجرد الانتقال من التشخيص إلى الأداة.
الخلاف يمتد إلى الخماسية
بالتوازي مع نقاش السلاح والعقوبات، تتحرك عملية سياسية أكثر هدوءاً.
أكدت ديكارلو أن الجولة الحضورية المقبلة للآلية الخماسية ستعقد في أديس أبابا خلال سبتمبر. وتضم الخماسية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيغاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي، وتقول إن هدفها تهيئة عملية سياسية واسعة يقودها السودانيون.
ويواصل المبعوث الشخصي للأمين العام، بيكا هافيستو، اتصالاته المباشرة مع طرفي النزاع المسلح، ضمن تحركات تشمل وقف القتال وإجراءات بناء الثقة وقضايا الأسرى.
لكن جلسة مجلس الأمن أظهرت أن المجلس نفسه ليس موحداً تماماً حول الطريقة التي ينبغي أن تُدار بها العملية السياسية.

دعمت الولايات المتحدة وعدد من أعضاء المجلس الخماسية وعملية سياسية مدنية مستقلة وواسعة، بينما شددت الدول الأفريقية بصورة أوضح على مركزية الاتحاد الأفريقي وضرورة أن تظل العملية سودانية الملكية والقيادة.
في المقابل، انتقدت روسيا أداء الخماسية والرباعية، معتبرة أنهما لم تحققا تقدماً ملموساً، بينما أعطت الصين وزناً أكبر للحوار الداخلي واحترام سيادة السودان.
السودانيون مختلفون أيضاً
يجد هذا التباين الدولي مقابله داخل الساحة السودانية.
فقد قاطعت قوى في «إعلان المبادئ» وتحالف «صمود» جولة سابقة من مشاورات الخماسية، مع اعتراضات تركزت على طريقة اختيار الأطراف وتصميم العملية ومن يملك حق تحديد المشاركين فيها.
أما تحالف «تأسيس» فاعتذر بدوره عن إحدى جولات المشاورات، قبل أن يستمر في التواصل مع الآلية ويقدم رؤيته للعملية السياسية.
في المقابل، شاركت قوى من الكتلة الديمقراطية في مشاورات الخماسية، وطالبت بحوار سوداني واسع، مع تحفظات على طبيعة مشاركة بعض الأطراف وموقعها في المسارين السياسي والأمني.
ثم أضاف اجتماع القوى المدنية والسياسية المناهضة للنزاع المسلح في أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس طبقة جديدة إلى المشهد، إذ رفض المجتمعون دعوة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان للحوار داخل السودان، ودعوا إلى عملية تبدأ بخفض التصعيد والهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار، مع تيسير إقليمي ودولي للمسار السياسي.
وهكذا يدور الخلاف حول من يملك حق الدعوة إلى الحوار، ومن يحدد المشاركين فيه، وعلاقة المسار السياسي بطرفي النزاع المسلح، وحدود دور الوسطاء الدوليين، لا حول وجود الحوار من عدمه.
سبتمبر.. اختباران في وقت واحد
بحلول سبتمبر، سيواجه السودان اختبارين متداخلين.
في نيويورك، سيقرر مجلس الأمن ما إذا كان سيُبقي حظر السلاح محصوراً في دارفور أم يمدده إلى كامل البلاد، وما إذا كانت المسيّرات ستصبح جزءاً صريحاً من نظام العقوبات.
وفي أديس أبابا، ستواجه الخماسية اختباراً مختلفاً: هل تستطيع بناء عملية سياسية تجمع قوى تختلف حول مستقبل السودان، وحول قواعد الجلوس إلى طاولة التفاوض نفسها أيضاً؟
بعد أكثر من ثلاث سنوات من النزاع المسلح، تبدو الفجوة واضحة: العالم يعرف أكثر من أي وقت مضى كيف يتغير النزاع المسلح السوداني، لكنه لا يزال بحاجة إلى حسم الأدوات التي سيستخدمها لوقفه، والإطار الذي يمكن أن يصنع السياسة التي تليه.

