رأي

بقلم رئيس التحرير

تتجلى الخطورة الكبرى للتيارات الأيديولوجية الراديكالية في قدرتها على قلب السلم الأخلاقي للمجتمع؛ فيصبح التهديد بالحرب مجرد «تكتيك سياسي»، بينما يتحول تشغيل المصانع، وإطعام الناس، واستعادة العافية الاقتصادية إلى شبهة وخيانة.

لم يتوقف «البلابسة» طويلاً أمام مقطع الدقائق الثلاث الذي توعدت فيه قوات الدعم السريع بالزحف مجدداً نحو الخرطوم. لم يسألوا عما يعنيه هذا التهديد لسكان عادوا إلى بيوت مهدمة وأحياء تفتقر إلى الماء والكهرباء والخدمات. ولم يجيبوا عن أسئلة البسطاء الذين يخشون قسوة نزوح ثانٍ، بعدما استنزف النزوح الأول مدخراتهم وأعمارهم. لكن غضبهم انطلق بلا حدود حين استقبل كامل إدريس، رئيس وزراء السلطة القائمة في بورتسودان، رجل الأعمال أسامة داوود لمناقشة استئناف النشاط الاقتصادي وفتح المصانع وتشغيل العمال.

أنا لا أعترف بشرعية هذه السلطة، ولا أرى في كامل إدريس رئيساً لحكومة مدنية مستقلة عن قيادة الجيش. لكن رفض هذه السلطة لا يعني رفض كل خطوة صحيحة تصدر عنها. واستقبال رجل أعمال لمناقشة عودة الإنتاج، في بلد دمّرت الحرب اقتصاده وأوقفت مصانعه، خطوة جيدة ينبغي تقييمها بمردودها على الناس، لا بهوية من اتخذها. فلماذا يكره هؤلاء الطمأنينة؟ ولماذا يثيرهم احتمال أن يجد المواطن عملاً كريماً أكثر مما يثيرهم احتمال عودة الحرب إلى منزله؟

والجواب أن العاطل المذعور أسهل قيادة. الإنسان المجهد في البحث عن جركانة ماء، أو قفة ملاح، أو قيمة الدواء، لا يملك ترف المطالبة بالديمقراطية والمحاسبة والشفافية. يصبح همه أن ينجو يوماً آخر، وأن يجد الجهة التي تمنحه الإعانة أو تحميه من الخطر. لهذا يقوم اقتصاد التنظيمات الراديكالية الشيطانية على صناعة الحاجة، ثم تقديم نفسها بوصفها باب النجاة الوحيد. تمنح الطعام بعد أن تسهم في تدمير السوق، وتوفر الحماية بعد أن تشارك في إشاعة الخوف، وتوزع العطايا بعد أن تضعف مؤسسات الدولة التي كان يفترض أن توفر الحقوق للجميع. أما المواطن الذي يعمل ويتقاضى أجراً ويستطيع إعالة أسرته، فهو أقل حاجة إلى التنظيم الخبيث، وأقل قابلية للابتزاز والتعبئة والتجييش. عمل المواطن بكرامة يحمل بعداً سياسياً يفوق بعده الاقتصادي، فهو يهدد شبكات السيطرة السياسية في جوهرها.

ولأنهم يكرهون «المدينة» أيضاً. فالمصنع، والمركز التجاري، والسوق المستقل، والجامعة، والنقابة، والصحيفة، والحي الذي يدير سكانه شؤونهم، كلها أركان للمدينة المدنية. والمدينة المدنية بطبيعتها تقاوم منطق المعسكر. في المدينة تنشأ المصالح المتعددة، وتتوسع الطبقة الوسطى، ويطالب العمال بحقوقهم، ويحاسب التجار السلطة على الضرائب والخدمات، ويصبح المواطن مرتبطاً بالمؤسسة والقانون أكثر من ارتباطه بالزعيم والتنظيم. أما البلابسة، فيريدون تحويل البلاد إلى معسكر كبير يخضع لمنطق السلاح والغنيمة والطاعة. يريدون مواطناً لا يحصل على حق، بل يتلقى عطية. ولا يجد وظيفة، بل يُستوعب في كتيبة. ولا يحتكم إلى القانون، بل يبحث عن صاحب نفوذ يحميه.

المصنع يريد دولة، والبلابسة يريدون سلطة بلا دولة.
والناس، في حساباتهم، آخر همهم. نشرت «سودان ستوري» تقريراً عن العودة إلى الخرطوم، كشف أن انعدام فرص العمل من أكثر ما يحاصر العائدين. فالعودة إلى المنزل لا تعني العودة إلى الحياة. قد يجد المواطن جدران بيته قائمة، لكنه لا يجد دخلاً يعيد به إصلاحه. وقد يعود إلى الحي، لكنه لا يجد مدرسة لأبنائه أو مستشفى أو سوقاً مستقرة أو وسيلة نقل أو مؤسسة يعمل فيها. العائد إلى الخرطوم لا يشغله الجدل حول أسامة داوود بقدر ما يشغله السؤال البسيط: أين أعمل؟ وأسامة داوود ليس مجموعة دال كلها. خلف اسم المجموعة عمال وموظفون وسائقون ومزارعون وموردون وأصحاب أعمال صغيرة، وأسر ترتبط دخولها باستمرار النشاط الاقتصادي. يمكن نقد رجل الأعمال ومساءلة مجموعته عن الاحتكار والضرائب والامتيازات وعلاقتها بالسلطات المتعاقبة، لكن تشغيل مصنع لا يخدم مالكه وحده، وعودة شركة إلى الإنتاج لا تعني حماية شخص، بل تعني استعادة شبكة كاملة من الوظائف والمصالح الاقتصادية. أما البلابسة، فلا ينظرون إلى المصنع من باب عدد العاملين فيه، بل من باب من يملكه، ولمن يدين بالولاء، وهل يقع داخل شبكاتهم أم خارجها.

وهم أيضاً لا يغفرون للثورة. كشفت المداخلات الغاضبة على مقال الكاتب ضياء الدين بلال طبيعة الحملة بوضوح، إذ انشغل كثيرون باتهام أسامة داوود بتمويل اعتصام القيادة العامة. لكن دعم الثورة ليس خيانة. إطعام المعتصمين، وتوفير الماء والدواء، ومساندة حراك سلمي يطالب بالحرية والحكم المدني، ليست جرائم تحتاج إلى تبرئة. المشكلة عند البلابسة ليست في مصدر الدعم، بل في الثورة نفسها؛ لأنها اقتلعتهم من السلطة وكشفت حجم العزلة التي أحاطت بنظامهم. هم لا يغفرون لمن دعم الاعتصام، لأنهم لا يغفرون للسودانيين أنهم ثاروا عليهم. ولذلك يحاولون إعادة تعريف الثورة باعتبارها مؤامرة، ودعم المعتصمين تمويلاً مشبوهاً. حتى المطالبة بالحكم المدني تُختزل عندهم في عمالة للخارج.

وفي المقابل، «الإمارات» تبقى شماعة انتقائية عندهم. فالاتهام الآخر الجاهز هو الارتباط بأبوظبي. في خطاب البلابسة، تكفي الإشارة إليها لإدانة أي مدني أو داعية سلام أو خصم سياسي، دون حاجة إلى تفصيل أو دليل؛ فمجرد تكرار الاتهام يؤدي الغرض المطلوب. لكن الحماسة نفسها تتراجع حين تصل الأسئلة إلى رأس السلطة وأسرته. يغضون الطرف عن العلاقات التي جمعت قيادة الجيش بأبوظبي قبل الحرب، وعن الاتهامات المتعلقة بالمصالح الاقتصادية لشقيق قائد الجيش، حسن البرهان، وصلاته بالإمارات. عند اتهام أسامة لا يحتاجون إلى برهان، وعندما تصل الأسئلة إلى حسن البرهان لا يرغبون في سماعها. الإمارات، عندهم، ليست قضية مبدأ، بل أداة سياسية تُستخدم ضد الخصوم، وتُحفظ في الأدراج حين تتصل بالحلفاء وأهل السلطة.

وخلف هذا كله استعجال للوراثة. فالحرب بالنسبة إلى الحركة الإسلامية الآثمة ليست فقط طريقاً للعودة إلى الحكم، بل فرصة ضخمة لإعادة توزيع الثروة والنفوذ. هناك مصانع توقفت وشركات ضعفت. أراضٍ هجرها أصحابها وممتلكات نُهبت، وأسواق أعيد تشكيلها تحت سلطة السلاح. وهناك، في المستقبل، عقود إعادة إعمار، وموانئ، وطرق، وصادرات، وواردات، وذهب، وتمويل، ومشروعات ستساوي مليارات الدولارات. قططهم السمان تستعد منذ الآن لمائدة ما بعد الدمار. لذلك يخشون أن يدور المحرك الاقتصادي المستقل قبل أن يفرغوا من رسم خريطة احتكاراتهم الجديدة، وتثبيت رجالهم في مفاصل اقتصاد ما بعد الحرب. يريدون عقوداً توزع على الموالين وتراخيص تُمنع عن الخصوم. الغاية اقتصاد جديد للتمكين يولد من أنقاض المدن. فهم يعرفون السلطة والقتل ونهب الثروات، أما بناء اقتصاد يخدم الناس، وتشغيل المصانع، وحماية المنافسة، وتوفير العمل الكريم، فليست هذه خبرتهم ولا غايتهم.

ومع ذلك، فإن الوقوف ضد سلطة بورتسودان لا يعني السقوط في العدمية، ولا رفض أي خطوة يمكن أن تخفف معاناة الناس لمجرد أنها صدرت عن سلطة غير شرعية. الموقف المتسق يقتضي الانحياز الكامل للإنسان السوداني، ورفض كل الموبقات التي تلطخت بها أيدي طرفي الصراع: من خطابات التخوين وشيطنة السلام، إلى طائرات المسيّرات المدمرة، وحصار القرى والمدن، ونهب المنازل، وتهجير السكان، وتحويل موارد البلاد إلى وقود للحرب. يمكن رفض كامل إدريس وسلطته، والترحيب في الوقت نفسه بأي خطوة تعيد مصنعاً إلى العمل أو تفتح باب رزق لعائلة. ويمكن دعم عودة الشركات، مع المطالبة بالشفافية ومنع الاحتكار وحماية حقوق العمال وعدم منح المستثمرين امتيازات سرية. هذا هو الفرق بين الموقف السياسي والموقف العدمي.

وما يخشاه البلابسة في عودة السلع والمصانع يتجاوز شخص رجل الأعمال أو أي مجموعة اقتصادية بعينها. يخشون أن يستعيد العائد إلى منزله كرامته ودخله، وأن يجد العامل وظيفة، والمزارع سوقاً، وصاحب الورشة كهرباء، والأسرة مورداً مستقراً للحياة. يخشون أن يكتشف السوداني، حين يستعيد عمله وطمأنينته، أنه لا يحتاج إلى الحرب، ولا إلى خطاب الكراهية، ولا إلى التنظيم اللعين الذي أشعلها ثم قدم نفسه حارساً للبلاد. فالإنسان الذي يستعيد حياته يبدأ في طرح الأسئلة. ومن أشعل الحرب لا يخشى شيئاً أكثر من شعب يجد الوقت والقدرة على السؤال.

كل حكاية تستحق أن تُروى — Sudan Story

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *