تقاطع لافت بين أسئلة محمد الفكي والمحددات التي أعلنتها واشنطن لاحقاً، بينما يضيف الاتحاد الأفريقي وقف القتال إلى شروط تهيئة العملية السياسية. وبين ترحيب سابق من الكتلة الديمقراطية وصمت حلفاء بارزين عن الموقف الأميركي، ينتقل الجدل من مبدأ الحوار إلى سؤال: من يملك تصميمه؟

سودان ستوري

لم يحتج خطاب عبد الفتاح البرهان، الذي أعلن فيه ترتيبات لحوار سوداني–سوداني داخل البلاد، أكثر من ثلاثة أيام حتى يواجه اختباراً خارجياً مباشراً. فبينما ركز قائد الجيش على الضمانات القانونية والأمنية للمشاركين، ووقف الإجراءات الجنائية مؤقتاً، واستقلال الآلية التي ستدير الحوار، جاءت الخارجية الأميركية لتضع تعريفاً أكثر تحديداً للعملية التي يمكن لواشنطن دعمها: حوار «حقيقي وشامل بقيادة مدنية»، يضم مختلف أصوات السودانيين، بمن فيهم النازحون داخل السودان وخارجه، وينعقد في موقع تتفق عليه الأطراف.

هذا الفارق ينقل مركز النقاش من سؤال الضمانات إلى سؤال الشرعية السياسية، أي من يملك حق قيادة الحوار وتحديد أطرافه ومكان انعقاده، من دون أن يرقى ذلك إلى رفض أميركي صريح لمبادرة البرهان.

المفارقة أن هذه الأسئلة ظهرت داخل المعسكر المدني قبل الموقف الأميركي. محمد الفكي سليمان، عضو مجلس السيادة السابق، قال عقب خطاب البرهان إن المطلوب «حوار حقيقي في قضاياه، في أطرافه، في مكانه، في الضامنين لهذا الحوار». التقاطع هنا لافت: «حقيقي» عند الطرفين، والمكان ليس تفصيلاً محسوماً سلفاً، والأطراف والضمانات جزء من تصميم العملية. لكن واشنطن أضافت محدداً أكثر حسماً: القيادة المدنية.

ولا تبدو الصياغة الأميركية مفاجئة من حيث المبدأ. فقد تضمنت ورقة سلام أميركية طُرحت في يوليو تصوراً لحوار وطني سوداني شامل ومستقل يقود إلى عملية انتقالية بقيادة مدنية. الجديد أن واشنطن طبقت المعيار هذه المرة مباشرة على دعوة البرهان، بما يجعل المسافة بين التصورين قابلة للقياس سياسياً.

عيد الفتاح البرهان

في المقابل، قدم البرهان مبادرته ضمن مسارين متوازيين يصعب الفصل بينهما. الأول سياسي، يقوم على حوار تديره آلية مستقلة وتتعهد الدولة بعدم التحكم في أجندته ومخرجاته. والثاني عسكري؛ إذ أكد في الخطاب نفسه استمرار العمليات ضد الدعم السريع، وربط السلام بخروج قواته من المدن وتجميعها قبل بحث أوضاع المقاتلين. وهنا نشأ الاعتراض الأساسي لدى خصومه: كيف يمكن إطلاق عملية سياسية مفتوحة بينما تظل شروط إنهاء النزاع المسلح محسومة من طرف واحد؟

تحالف «صمود» ذهب إلى أن الحوار المعلن يهدف إلى «التعايش مع الحرب» وإرساء سلطة أمر واقع، وطالب بمسار سياسي تشرف عليه لجنة تحضيرية تضم مختلف الأطراف الرافضة للنزاع المسلح، بالتوازي مع مسار عسكري للتفاوض.

واعتبرت الحركة الشعبية–التيار الثوري الديمقراطي، بقيادة ياسر عرمان، ما عرضه البرهان «الموقف التفاوضي لقيادة الجيش وحلفائه»، ودعت إلى حوار مباشر مع القوى المناهضة للنزاع المسلح في مكان محايد. أما خالد عمر يوسف فرأى أن الخطاب يتجه إلى استمرار النزاع المسلح وشرعنة سلطة عسكرية بواجهة مدنية.

عبد الله حمدوك

وفي اتجاه قريب، أضاف مجلس السلم والأمن الأفريقي عنصراً آخر إلى اختبار المبادرة. فمن الخرطوم نفسها دعا إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف شامل لإطلاق النار، بما يهيئ الظروف لحوار سوداني شامل، مؤكداً عدم وجود حل عسكري للنزاع. تختلف الصياغة الأفريقية عن الأميركية في تفاصيلها، وتشترك معها مع ذلك في تقديم وقف القتال وتهيئة البيئة على العملية السياسية، وهي إحدى أبرز نقاط اعتراض خصوم البرهان.

على الجانب الآخر، رحبت الكتلة الديمقراطية بخطاب البرهان، واعتبرت الحوار السوداني–السوداني والملكية الوطنية للعملية خطوة مهمة، وطالبت بأن يقتصر الدور الإقليمي والدولي على التيسير والدعم دون فرض المشاركين أو الأجندة. لكن هذا الترحيب سبق الموقف الأميركي.

وبحلول صباح 18 أغسطس، لم يكن قد برز في المواقف العلنية رد مماثل من أبرز حلفاء الجيش على المحدد الأميركي الجديد، خصوصاً عبارة «بقيادة مدنية» أو ترك موقع الحوار لاتفاق الأطراف. وهنا يصبح الصمت سياسياً بدوره: هل يقبل هؤلاء بحوار تقوده جهة مدنية مستقلة فعلاً، وبمكان قد يكون خارج مناطق سيطرة الجيش إذا توافق المشاركون عليه، أم أن دعم الحوار مرتبط ببقائه داخل الإطار السياسي الذي تشكل خلال النزاع المسلح؟

مناوي و اردول

ويذهب الكاتب صلاح شعيب إلى سقف أبعد، إذ يرى أنه «لا معنى لحوار قبل إيقاف الحرب»، ويضع إبعاد الإسلاميين عن مؤسسات الدولة ضمن الشروط السابقة لأي عملية سياسية. ويختلف موقفه عن الصياغة الأميركية، ويكشف في الوقت نفسه أن جزءاً من المعارضة يضع المشكلة في البيئة السياسية والأمنية التي سيجري الحوار داخلها، أكثر من مكانه أو آليته وحدهما.

وفي المقابل، لا يمنح التصريح الأميركي خصوم البرهان كل ما يطالبون به؛ فهو لم يرفض مبدأ الحوار السوداني أو الملكية الوطنية للعملية، ولم يعلن موقفاً من الآلية التي تحدث عنها البرهان. ما فعله هو وضع سقف لقبول واشنطن: الشمول، والقيادة المدنية، واتفاق الأطراف على المكان. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي سيكون في التفاصيل التي ستعلنها الآلية، لا في عنوان المبادرة وحده.

وبهذا المعنى، أعاد تصريح الخارجية الأميركية تعريف شروط نجاح حوار البرهان أكثر مما نسفه في مهده. فإذا قبلت الآلية بقيادة مدنية حقيقية، ومشاركة خصوم السلطة والمتضررين من النزاع، ومكان يتم التوافق عليه، فقد تتحول الدعوة إلى مدخل لعملية أوسع. أما إذا ظلت مرتبطة بالحوار داخل مناطق سيطرة الجيش بينما يستمر القتال وتُحدد حدود المشاركة من مركز السلطة، فستتسع المسافة بينها وبين المعايير الأميركية ومواقف خصومها.

المعركة المقبلة، إذن، تدور حول من يملك تصميم هذا الحوار، أكثر من دورانها حول كلمته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *