نيروبي: عباس محمد إبراهيم
اجتماعات 22 و23 أغسطس تجمع حمدوك ومحمد الفكي وعبد الواحد ومبارك الفاضل وقيادات من الصف الأول، في محاولة لبناء أرضية مشتركة حول وقف النزاع المسلح وتصميم العملية السياسية قبل مشاورات مرتقبة مع الآلية الخماسية.
في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى دائماً بإعلان واضح؛ أحياناً تبدأ حين تجلس قوى ظلت متباعدة حول طاولة واحدة، بعدما اكتشفت أن خلافاتها لم تعد أكبر من الخطر الذي تواجهه.
هذا ما يجعل اجتماع أديس أبابا مهماً؛ فالقضية تتجاوز وقف النزاع المسلح أو الرد على حوار قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، لتشمل قدرة القوى المناهضة للنزاع المسلح على بناء مساحة سياسية أوسع، وتحديد من يملك تصميم العملية السياسية قبل الجلوس مع الوسطاء.
وتستقبل العاصمة الإثيوبية يومي 22 و23 أغسطس اجتماعاً موسعاً يضم رئيس الوزراء السابق ورئيس تحالف «صمود» عبد الله حمدوك، وعضو مجلس السيادة الانتقالي السابق محمد الفكي سليمان، ورئيس حركة جيش تحرير السودان عبد الواحد محمد نور، ورئيس حزب الأمة مبارك الفاضل، إلى جانب خالد عمر يوسف، ووجدي صالح، وطه عثمان إسحاق، وشهاب إبراهيم وقيادات أخرى.

ويشارك في اللقاء تحالف «صمود»، وحركة عبد الواحد، وحزب البعث العربي الاشتراكي الأصل، والمؤتمر الشعبي، ومجموعة حزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل، إلى جانب شبكات نسوية وشبابية وقوى أخرى غير مصطفة مع طرفي النزاع المسلح.
تقارب سبق أديس
ليس حضور هذه القوى حول طاولة واحدة حدثاً معزولاً عن التحولات التي سبقت الاجتماع.
فمن يراجع مواقف مبارك الفاضل خلال الأسابيع الأخيرة يلاحظ انتقالاً متدرجاً نحو خطاب يجعل وقف النزاع المسلح وبناء عملية سياسية شاملة أولوية تتقدم على استمرار الرهان العسكري.
في 28 يونيو، دعا الفاضل البرهان إلى إعادة حساباته وقبول وقف النزاع المسلح، محذراً من حرب استنزاف لا تشير تطوراتها إلى حسم قريب. وفي أغسطس، انتقل إلى رفض صيغة الحوار الداخلي المطروحة، معتبراً أن حواراً يقتصر على القوى الموجودة في مناطق سيطرة الجيش سيكرس الانقسام ويعيد إنتاج الحكم العسكري.
ودعا إلى عملية سياسية شاملة في مكان محايد، تسبقها ترتيبات لوقف النزاع المسلح وتنتهي إلى جيش مهني واحد وحكم مدني انتقالي.
واللافت أنه، رغم انتقاداته الحادة للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، شدد في الوقت نفسه على أن التيار الإسلامي يظل مكوناً سياسياً واجتماعياً مهماً لا يمكن استبعاده من حوار وطني شامل.

ويتقاطع ذلك، بدرجات مختلفة، مع موقف المؤتمر الشعبي.
ففي مقابلة حديثة مع «سودان ستوري»، طرح القيادي بالمؤتمر الشعبي كمال عمر تصوراً لحوار يشمل الجيش وحلفاءه، والدعم السريع وحلفاءه، و«صمود»، والبعث، وعبد الواحد، والقوى الرافضة للنزاع المسلح، مع رفض أن يتولى العسكريون إدارة العملية.
وتبقى فروق مهمة بين الطرفين، خصوصاً حول مكان الحوار وكيفية إدارته، لكنها تكشف أن المسافة في الأسئلة الأساسية ــ من يشارك، وكيف يتوقف النزاع المسلح، ومن يدير العملية ــ أصبحت أقل مما كانت عليه.
وهنا يبرز سؤال أديس: هل اجتمعت هذه القوى لأنها اتفقت، أم لأنها أصبحت قريبة بما يكفي لتجربة الاتفاق؟
الاجتماع أولاً.. والخماسية لاحقاً
بحسب معلومات «سودان ستوري»، فإن اجتماعات 22 و23 أغسطس تأخذ طابع مشاورات بين القوى السودانية نفسها، خارج أي برنامج رسمي للآلية الخماسية.
الهدف هو البحث عن نقاط مشتركة بشأن وقف النزاع المسلح، والموقف من حوار البرهان، والأهم: صياغة رؤية لتصميم العملية السياسية المقبلة.
وفي مرحلة لاحقة، تلقت قوى مشاركة دعوات لإجراء مشاورات مع الآلية الخماسية قبل نهاية أغسطس.
وهذا الترتيب مهم؛ إذ تحاول القوى هذه المرة الوصول إلى الوسطاء بعد نقاش داخلي، بدلاً من دخول عملية سياسية كل طرف فيها يحمل تصوراً منفصلاً.
انفجار يونيو
وتحمل مشاورات أديس الجديدة إرث خلاف لم يبدأ هذا الشهر.
فبعد ملاحظات ظهرت منذ اجتماعات برلين، وصل النزاع حول تصميم العملية إلى ذروته في أديس خلال يونيو.

وقالت أربعة مصادر لـ«سودان ستوري» إن اجتماعاً ضم جميع القوى المشاركة شهد خلافاً حاداً بعدما طرحت الخماسية نحو 32 اسماً إضافياً إلى قائمة تضم 36 مشاركاً جرى اعتمادهم، من دون تقديم معلومات كافية، وفق المصادر، عن خلفيات الأسماء الجديدة ومعايير اختيارها.
وتطور النقاش إلى مشادة مع محمد بن شمباس، الذي قال، بحسب المصادر، إن القوى السودانية لا تملك حق وضع «فيتو» على المشاركين، وربط موقفه بتجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي.
ورد خالد عمر يوسف وطه عثمان إسحاق بأن تجميد العضوية أو استمرار النزاع المسلح لا يسقط حق السودانيين في تقرير ترتيبات مستقبل بلادهم.
وكان الخلاف، في جوهره، أقرب إلى سؤال أكبر حول من يملك العملية السياسية، أكثر منه خلافاً حول قائمة أسماء.
ذاكرة روتانا
حتى رفض قوى من الكتلة الديمقراطية المضي منفردة في ذلك المسار لم يكن بلا سابقة.

فبعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، شاركت قوى أصبح بعضها لاحقاً ضمن الكتلة الديمقراطية في حوار رعته الآلية الثلاثية بفندق السلام روتانا في يونيو 2022، بينما قاطعه المجلس المركزي للحرية والتغيير.
وتعثر الحوار سريعاً.
وتركت التجربة قناعة لدى أطراف بأن اتساع قائمة الحضور لا يعوض غياب قوة سياسية رئيسية، وأن «الشمول» لا يصنعه الوسيط بمجرد إضافة مقاعد حول الطاولة.
ميسّر أم وسيط؟
يبقى الخلاف الأعمق متعلقاً بدور الخماسية نفسها.
تتمسك قوى «إعلان المبادئ» بأن تكون العملية سودانية الملكية، وأن تتولى لجنة سودانية تحديد المشاركين والأجندة وإدارة الحوار، فيما يقتصر دور الخماسية على التيسير.
وفي المقابل، تشير معلومات «سودان ستوري» إلى اتجاهات داخل الآلية ترغب في دور أقرب إلى الوساطة، بما يمنحها مساحة أكبر في تصميم العملية ومساراتها.
والفارق يتجاوز البُعد اللغوي؛ فهو يحدد من يمتلك القرار عندما يختلف السودانيون على شكل الطاولة نفسها.
ما بعد البيان
لهذا قد لا يكون أهم ما سيخرج من أديس هو نص البيان الختامي.
الأهم هو ما إذا كانت القوى المشاركة ستتمكن من الاتفاق على حد أدنى مشترك يشمل وقف النزاع المسلح وشمول العملية السياسية، إلى جانب تحديد شكل الحكم الانتقالي وحدود دور الوسطاء وبلورة موقف موحد من حوار البرهان.
ويكتسب حضور المؤتمر الشعبي ومبارك الفاضل أهمية خاصة؛ فهما يأتيان من خارج البنية الأساسية التي تشكل منها «إعلان المبادئ»، لكن مواقفهما الأخيرة تكشف نقاط تقاطع متزايدة مع قوى داخله.
لا يعني ذلك أن إطاراً سياسياً جديداً سيولد في أديس، ولا أن الخلافات ستختفي خلال يومين.
لكن الخريطة بدأت تتحرك قبل وصول الوفود.
واجتماع أديس سيكشف إلى أي مدى يمكن أن تذهب هذه الحركة: هل تنتهي إلى موقف مشترك عابر، أم تفتح الباب أمام مساحة سياسية أوسع تعيد ترتيب القوى المناهضة للنزاع المسلح قبل الجلوس مع الخماسية؟
ذلك، أكثر من أي بيان، هو ما يستحق المراقبة.

