تكشف مقاطع مصورة وصور متداولة وبيانات صادرة عن جهات قاتل ضمنها كمال عبد الله هارون، المعروف بـ«كمال بور»، مساراً يبدأ باعتقاله، ثم إطلاق سراحه وعودته إلى الميدان، قبل أن يصبح مصيره مجهولاً عقب معركة أم سيالة. وانتهى هذا المسار بإعلان قوات العمل الخاص مقتله، من دون تحديد مكان الوفاة أو توقيتها أو سببها.

سودان ستوري : تقصي 

خلال الأيام الماضية، عادت صورة كمال بور إلى التداول مصحوبة بروايات متعارضة. زعمت إحداها العثور على جثمانه بطريق الصادرات بعد أربعة أشهر من مقتله، مع حديث عن عدم تحلله. وفي رواية أخرى، قيل إنه قُتل في غارة جوية استهدفت موقعاً لمقاتلين في منطقة جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان.

راجعت «سودان ستوري» مجموعة من المقاطع المصورة ولقطات الشاشة والصور المرتبطة ببور، وقارنت محتواها بالنعي الصادر عن قوات العمل الخاص. تسمح هذه المواد بإعادة بناء أجزاء من مساره، بينما تظل تفاصيل موقع مقتله وظروفه غير مثبتة بصورة مستقلة.

اعتقال أعقبه إفراج وعودة إلى الميدان

يقدم تسجيل مصور للمصباح أبو زيد، قائد كتيبة البراء بن مالك، نقطة البداية الأوضح. يتحدث أبو زيد في التسجيل عن اعتقال كمال بور، ويقول إنهم أبلغوا السلطات بضرورة محاكمته إذا ثبت ارتكابه جرماً، أو إطلاق سراحه في حال عدم وجود قضية بحقه.

ويضيف أن بور توجه عقب الإفراج عنه مباشرة إلى النشاط العسكري عوضاً عن العودة إلى منزله. تكمن أهمية الإفادة في أنها تؤكد واقعة الاعتقال والإفراج والعودة إلى الميدان من داخل المجموعة التي قاتل بور في محيطها.

«بعد ما فكوه ما مشى قعد في بيته… رجع لبس الكاكي».

يخلو التسجيل من تحديد الجهة التي اعتقلته، وتاريخ الاعتقال ومدته وطبيعة الاتهامات التي واجهها. لذلك تبقى أسباب احتجازه جزءاً غير مكتمل من القصة.

أم سيالة: بداية الاختفاء

يحمل التسجيل نفسه معلومة تصحح جانباً أساسياً من الروايات المتداولة. فعند حديث المصباح أبو زيد عن بور عقب معركة أم سيالة، وصف مصيره بأنه مجهول، وقال إنهم لم يعرفوا وقتها إن كان أسيراً أم قتيلاً.

«كمال بور… في معركة أم سيالة، ما معروف أسير ولا شهيد، ما معروف الحصل عليه شنو».

تحدد هذه الإفادة اللحظة التي بدأ عندها اختفاء بور من المشهد. وقد وفرت حالة الغموض مساحة لظهور روايات لاحقة، من بينها قصة العثور على جثمانه بعد أربعة أشهر. لم نعثر ضمن المواد التي راجعناها على تقرير طبي شرعي، أو سجل دفن، أو إفادة موثقة تحدد تاريخ الوفاة في أم سيالة، أو تثبت الادعاء المتعلق بحالة الجثمان.

من هو كمال بور داخل التشكيلات المقاتلة؟

تظهر الصور والفيديوهات بور في أكثر من موقع ومع مجموعة متكررة من عناصر قوات العمل الخاص. ويظهر في عدد منها إلى جانب فرحات ود العمدة، المرتبط بقيادة ما يُعرف بـ«القوة الجوالة» في العمل الخاص. كما توثّق صور أخرى وجوده مع عناصر يرتدون شارات القوات نفسها، وفي أحد المشاهد يظهر أفراد المجموعة حول جهاز للتحكم في طائرة مسيّرة.

تضع هذه المواد بور في موقع عنصر ميداني كثير الحركة والتنقل بين المحاور. ويعزز ذلك منشور متداول داخل الدائرة الإسلامية يقول إنه استمر، بعد السيطرة على الخرطوم، في الانتقال بين معسكرات الإعداد والمتحركات العسكرية.

يشير مصطلح «القوة الجوالة» في هذا السياق إلى طبيعة الحركة بين المحاور ومرافقة المتحركات. ويظل تحديد المهمة التي كان بور يؤديها عند مقتله، والمكان الذي كان موجوداً فيه، محتاجاً إلى أدلة إضافية.

نعي رسمي بلا تفاصيل عن مكان الوفاة

حسمت قيادة قوات العمل الخاص مسألة وفاة بور بإصدار نعي رسمي حمل اسمه الكامل: كمال عبد الله هارون. وذكرت معه ثلاثة أسماء هي بشارة الهادي يوسف، وعماد الدين فضل الله، وقسم الله الإمام هارون.

يثبت النعي أن الجهة التي عمل ضمنها أعلنت مقتله. وقد صدر من دون تاريخ للواقعة أو تحديد مكانها وسببها، كما خلا من إفادة تجمع الأربعة في حادث واحد أو موقع واحد. ويجعل ذلك ورود أسمائهم في بيان واحد غير كافٍ لإثبات أنهم كانوا يتحركون كوحدة واحدة لحظة الوفاة.

قائمتان مختلفتان للضحايا

تزداد الصورة تعقيداً مع تداول منشور آخر من داخل البيئة السياسية والعسكرية القريبة من بور، ينعاه مع أربعة أشخاص هم منتصر إدروب، وأنس مختار، ومحمد نجيب، وأشرف خضر. تختلف هذه الأسماء كلياً عن الأسماء الثلاثة التي أوردها نعي قوات العمل الخاص.


يمكن أن يشير الاختلاف إلى وجود ضحايا إضافيين، أو إلى استخدام أسماء حركية وأسماء رسمية، أو إلى أن المنشورين يتناولان مجموعتين مختلفتين. يتعذر ترجيح أي من هذه الاحتمالات بالمواد المتاحة. كما تعذرت مطابقة صور الأشخاص الثلاثة المتداولة مع الأسماء الواردة في النعي بدرجة تسمح بوضع اسم محدد تحت كل صورة.

ماذا نعرف عن رواية الغارة؟

تداولت منصات رقمية رواية تفيد بمقتل بور في غارة جوية استهدفت موقعاً لمقاتلي العمل الخاص وكتائب إسلامية في جبرة الشيخ. تتقاطع هذه الرواية زمنياً مع إعلان وفاته، وتفتقر حتى الآن إلى تأكيد من مصدر مستقل. وجاء النعي الرسمي خالياً من أي إشارة إلى جبرة الشيخ أو غارة جوية.

وعليه، يمكن التعامل مع الغارة بوصفها رواية متداولة بشأن سبب الوفاة، من دون تقديمها كواقعة محسومة. أما إعلان وفاة بور نفسه فقد أصبح ثابتاً بإقرار قوات العمل الخاص.

الخيط الذي تكشفه المواد

ترسم الأدلة المتاحة تسلسلاً أكثر دقة من الروايات العاطفية التي أحاطت بالقضية: اعتقال غير معلومة أسبابه، ثم إفراج وعودة إلى ساحات النزاع المسلح، تلاه اختفاء بعد أم سيالة، وأخيراً نعي رسمي جاء من دون تفاصيل تشغيلية عن الواقعة.

بين الاختفاء والنعي، ظهرت قصة «الجسد الذي لم يتحلل». تفتقر هذه القصة إلى سند توثيقي يمكن اختباره، فيما يوضح التسجيل المصور أن رفاق بور أنفسهم لم يكونوا يعرفون مصيره بعد أم سيالة. وبذلك تبدو رواية الجثمان محاولة لملء فراغ المعلومات الذي صنعه الاختفاء، قبل أن يأتي إعلان الوفاة في سياق جديد لم تُكشف تفاصيله كاملة.


تبقى الأسئلة الأساسية مفتوحة: متى غادر بور محيط أم سيالة؟ أين كان محتجزاً، ولماذا؟ من كانوا برفقته في تحركه الأخير؟ وهل ترتبط وفاته بالغارة المنسوبة إلى جبرة الشيخ؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى إفادات مستقلة، وتحديد هويات بقية الضحايا، ومواد تثبت مكان الواقعة وتوقيتها.

تواصل «سودان ستوري» فحص المواد المتصلة بالقضية، وستحدّث هذه المادة عند ظهور أدلة قابلة للتحقق بشأن مكان الوفاة وظروفها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *