مصدر مطلع لـ«سودان ستوري»: تحركات رئيس مجموعة دال تتجاوز الاستثمار إلى مساعٍ لخفض التوتر مع الإمارات.. وشبكة علاقاته تضعه عند تقاطع المال والسياسة وإعادة الإعمار
سودان ستوري : عباس محمد إبراهيم
حين ظهر رجل الأعمال السوداني أسامة داوود عبد اللطيف، في 29 يوليو، إلى جانب رئيس الوزراء كامل إدريس في الخرطوم، لم يكن الاجتماع عادياً بحسابات الاقتصاد وحده.
فاسم رئيس مجموعة دال ظل، طوال سنوات النزاع المسلح، حاضراً في واحدة من أكثر دوائر الاستقطاب حساسية، بسبب علاقاته التجارية والاستثمارية الواسعة مع الإمارات، في وقت تحولت فيه أبوظبي إلى خصم رئيسي في خطاب السلطة ومجموعات مؤيدة للجيش.
ومع ذلك، لم تخف الحكومة اللقاء ولم تخفض مستواه.
أعلن كامل إدريس بنفسه أنه التقى داوود لبحث تعزيز الاستثمار الزراعي والصناعي، وقال إن الاجتماع ناقش التحديات التي تعيق الإنتاج والإصلاحات المطلوبة، وإنه وجّه بإعداد «خارطة طريق شاملة» لتحسين بيئة الأعمال وتسريع النمو. كما شارك في الاجتماع عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين.
كان ذلك كافياً لإثارة اعتراضات في أوساط مؤيدة للجيش اعتادت النظر إلى علاقات داوود الإماراتية بوصفها موضع شبهة سياسية.
لكن معلومات حصلت عليها «سودان ستوري» تضع اللقاء داخل سياق أوسع.
وقال مصدر مطلع على خلفيات التحركات، طلب حجب هويته لحساسية الملف، إن تحركات أسامة داوود في المرحلة الحالية تمتد إلى ما هو أبعد من الملفات الاقتصادية، لتشمل مساعي للمساعدة في خفض التوتر بين بورتسودان وأبوظبي.
ولا توجد حتى الآن معلومات تسمح بالقول إن داوود يحمل تفويضاً رسمياً من الحكومة السودانية أو الإماراتية، كما لم تعلن أي من العاصمتين عن وساطة يقودها. ولم تتمكن «سودان ستوري» بصورة مستقلة من تحديد طبيعة الاتصالات أو الأطراف التي شملتها.
لكن شبكة علاقات داوود، وتوقيت عودته إلى واجهة المشهد الرسمي، يجعلان السؤال مشروعاً: هل يمثل ظهوره واحداً من المؤشرات المبكرة على محاولة إعادة فتح قناة بين بورتسودان وأبوظبي؟
أبو عمامة.. العلاقة التي سبقت النزاع المسلح
لفهم أهمية أسامة داوود في هذا الملف، ينبغي العودة إلى ما قبل اندلاع النزاع.
في ديسمبر 2022 وقعت حكومة السودان اتفاقاً مبدئياً مع تحالف تقوده مجموعة موانئ أبوظبي AD Ports Group وInvictus Investment لتطوير وإدارة وتشغيل ميناء ومنطقة اقتصادية على البحر الأحمر. وكانت Invictus Investment برئاسة أسامة داوود، بينما قالت AD Ports رسمياً إن الاتفاق يمنح التحالف حقوق تطوير وإدارة وتشغيل أصول الميناء والمنطقة الاقتصادية.

كان المشروع جزءاً من حزمة استثمارات أوسع قُدرت وقتها بنحو ستة مليارات دولار، وشملت، إلى جانب ميناء أبو عمامة، مشروعات زراعية وبنى تحتية أخرى.
أي أن داوود مثّل، في تلك المرحلة، أحد أبرز الوجوه السودانية في مشروع اقتصادي ضخم يربط حكومة الخرطوم آنذاك بمؤسسات استثمارية تابعة لأبوظبي، متجاوزاً بذلك موقع رجل الأعمال الذي يتعامل مع شركات إماراتية بصفة عادية.
ومع اندلاع النزاع المسلح والانهيار الكبير في العلاقات بين بورتسودان وأبوظبي، تعطل ذلك المسار.
ولا يوجد حتى الآن ما يثبت أن مشروع أبو عمامة أعيد إلى الطاولة. لكن أي تحسن حقيقي في العلاقات سيعيد بصورة طبيعية السؤال عن مصير المصالح الاقتصادية التي توقفت مع القطيعة.
شبكة مالية تتجاوز الإمارات
علاقات داوود الخارجية لا تنتهي عند أبوظبي.
ففي 2022 استثمرت British International Investment، مؤسسة التمويل التنموي البريطانية، 50 مليون دولار في Invictus Trading FZE، التي تصفها المؤسسة بأنها الذراع التجارية لمجموعة دال وأكبر مستورد للقمح إلى السودان. وأعلنت BII الصفقة على نطاق واسع في فبراير 2023، موضحة أن التمويل يستهدف دعم استيراد القمح والسلع الغذائية إلى السوق السوداني.
وفي الوقت نفسه تحتفظ مجموعة دال بعلاقة ممتدة مع بنك التنمية الأفريقي.
وفي 28 يوليو 2026، قبل يوم واحد من اجتماع كامل إدريس وأسامة داوود، نشر البنك إجراءً جديداً ضمن مشروع قائم للمساعدة الفنية وبناء القدرات في دال، يتعلق بتدريب موظفي المجموعة على متطلبات معيار المحاسبة الدولي IAS 29. ولا يمثل الإجراء تمويلاً جديداً، لكنه يثبت أن علاقة البنك التنفيذية بالمجموعة ما تزال نشطة.
ولا توجد أدلة تربط هذا الإجراء باجتماع اليوم التالي أو تشير إلى أن بنك التنمية الأفريقي طلب اللقاء. لكن العلاقة تكشف جانباً مهماً من وزن داوود: شبكة ممتدة بين الاقتصاد السوداني ومؤسسات تمويل أفريقية وبريطانية ورأس مال إماراتي.
وهي شبكة يصعب تجاهلها في بلد يحتاج إلى إعادة بناء اقتصاده بعد أكثر من ثلاث سنوات من النزاع المسلح.
حين يصبح «التخوين» عبئاً على الدولة
ربما تكمن الأهمية السياسية للقاء 29 يوليو هنا تحديداً.
خلال سنوات النزاع المسلح، أصبحت العلاقة مع الإمارات واحدة من أدوات التصنيف السياسي داخل السودان، وواجه أشخاص ومؤسسات اتهامات بالعمالة لمجرد وجود علاقات سياسية أو اقتصادية مع أبوظبي.
لكن الدولة تعمل بمنطق مختلف عن منطق التعبئة.
عندما تحتاج الحكومة إلى إعادة الإنتاج الزراعي والصناعي، والوصول إلى التمويل الخارجي، واستعادة التجارة وسلاسل الإمداد، تصبح شبكات رجال الأعمال جزءاً من أدوات الدولة، حتى عندما تكون هذه الشبكات نفسها سبباً في استهداف أصحابها سياسياً.
وتظهر المفارقة بوضوح في حالة أسامة داوود.
فالعلاقات التي أثارت غضب منتقديه هي، إلى حد كبير، العلاقات نفسها التي تمنحه وزناً في مرحلة البحث عن الاستثمار وإعادة الإعمار.

ومن هذه الزاوية، لا يتعلق السؤال بما إذا كان كامل إدريس أو سلطة بورتسودان يتفقان سياسياً مع داوود، وإنما بما إذا كانت ضرورات إدارة الدولة بدأت تفرض حدوداً على خطاب التخوين الذي ازدهر خلال سنوات النزاع المسلح.
قنوات سياسية تتحرك
ويأتي ظهور داوود في توقيت بدأت فيه تظهر مؤشرات أخرى على مراجعة بعض الاصطفافات السياسية.
فقد كشفت مصادر سياسية للجزيرة نت في 8 أغسطس عن مشاورات غير معلنة يجريها قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان مع قوى سياسية ومدنية وشخصيات اجتماعية، في إطار التحضير لحوار سياسي داخل السودان، مع مناقشة إجراءات لتهيئة المناخ للعملية السياسية.
وكان البرهان قد أعلن منذ مايو عن اتجاه لعقد حوار سياسي سوداني من داخل البلاد.
ولا توجد أدلة حتى الآن تسمح بربط هذه التحركات السياسية بمساعي التهدئة المحتملة مع أبوظبي أو باعتبارها أجزاء من خطة واحدة.
لكن تزامنها يشير على الأقل إلى أن مرحلة الجمود الكامل التي طبعت سنوات النزاع المسلح قد تكون بدأت تواجه اختبارات جديدة.
عقدة الإسلاميين
ويبقى ملف الحركة الإسلامية واحداً من أكثر العقبات حساسية في أي تقارب محتمل مع الإمارات.
ففي مارس 2026 رحبت وزارة الخارجية الإماراتية رسمياً بالقرار الأميركي تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية، وقالت إن الخطوة تعكس موقفاً مشتركاً في مواجهة التطرف والتنظيمات المرتبطة بالإخوان.
وفي المقابل، لعبت قوى وشبكات مرتبطة بالحركة الإسلامية دوراً بارزاً في معسكر مساندة الجيش خلال النزاع المسلح، بينما أظهرت تحقيقات سابقة حجم عودة الإسلاميين إلى النشاط السياسي والعسكري مستفيدين من النزاع ومساندتهم للجيش.
وهذا يعني أن إعادة ترتيب علاقة بورتسودان بأبوظبي لن تكون بالضرورة مجرد خلاف دبلوماسي يمكن تسويته باتصال بين مسؤولين.
فهي تمس أيضاً سؤالاً أعمق يتعلق بموقع الإسلاميين داخل السلطة وترتيبات ما بعد النزاع المسلح.
لماذا أسامة؟
إذا صح أن داوود يتحرك بالفعل للمساعدة في خفض التوتر، كما يقول مصدر «سودان ستوري»، فإن اختياره لهذا النوع من الأدوار لن يكون مستغرباً.
فهو يعمل خارج الأطر الرسمية، بلا صفة حكومية تحمّله عبء التفاوض الرسمي وبلا موقع سياسي يفرض على أبوظبي إعلان التعامل معه، بينما يمتلك في المقابل علاقات اقتصادية قديمة مع مؤسسات إماراتية كبرى، وتجربة مباشرة في التفاوض على استثمارات استراتيجية في السودان، إلى جانب شبكة علاقات بالمؤسسات التمويلية الدولية.
وهذا النوع من الشخصيات يمكن أن يوفر قناة أقل كلفة سياسياً لاختبار المواقف قبل الانتقال إلى المستوى الرسمي.
لكن ذلك يظل، حتى الآن، احتمالاً يحتاج إلى مزيد من الإثبات.
هل تعود أبوظبي؟
لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية للقول إن العلاقات السودانية الإماراتية تتجه حتماً إلى التطبيع.
فالخلاف بين الطرفين عميق، ويتصل مباشرة بالنزاع المسلح، وسط اتهامات سودانية متكررة للإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.
كما أن المصالح الاقتصادية نفسها تعرضت لضربة كبيرة. فقد استقبلت الإمارات نحو 90% من صادرات السودان الرسمية من الذهب خلال النصف الأول من 2025، بقيمة قاربت 840 مليون دولار، قبل أن تؤدي القيود على حركة الطيران والشحن إلى اضطراب أحد أهم منافذ السودان التجارية.
لذلك فإن خفض التوتر، إذا بدأ بالفعل، يحمل أبعاداً تتجاوز المصالحة السياسية، إذ تقف خلفه مصالح تجارية وتمويلية ضخمة لدى الجانبين.
ولهذا أيضاً يصبح ظهور أسامة داوود مهماً.
فالرجل يقف عند تقاطع عدد كبير من هذه المصالح، من مجموعة دال داخل السودان إلى شركة Invictus في شبكة التجارة الخارجية، مروراً بشراكاته في أبوظبي وعلاقته ببنك التنمية الأفريقي وتمويل بريطاني سابق حصلت عليه إحدى أذرعه التجارية.
وتظل هذه الشبكة مؤشراً على الثقل المحتمل لداوود أكثر من كونها دليلاً على أنه أصبح وسيطاً رسمياً، خصوصاً مع بدء السلطة القائمة في بورتسودان التفكير في مرحلة ما بعد النزاع المسلح.
وربما يكون السؤال الحقيقي الذي طرحه لقاء 29 يوليو أوسع من أسامة داوود نفسه:
هل بدأت احتياجات الدولة تفكك تدريجياً بعض الخطوط السياسية التي رسمها النزاع المسلح؟ وإذا تحولت مساعي خفض التوتر مع أبوظبي إلى اتصالات رسمية خلال الفترة المقبلة، فقد تتحول صورة كامل إدريس وأسامة داوود في الخرطوم، بأثر رجعي، إلى واحدة من الإشارات المبكرة على مرحلة سياسية واقتصادية مختلفة تتجاوز إطار اجتماع استثماري عادي.

