الزيارة المنسوبة إلى قيادات مدنية سودانية ما تزال محاطة بالنفي والجدل، ولم تظهر حتى الآن أدلة منشورة تحسم وقوعها. ومع ذلك، كشفت الحملة المصاحبة لها مفارقة أعمق: العلاقات مع إسرائيل تُقاس في السودان أحياناً باسم من يديرها، أكثر مما تُقاس بالموقف منها.
لفهم الطريقة التي تُدار بها السياسة في الشرق الأوسط وأفريقيا، لا تكفي متابعة البيانات الرسمية والخطب المعلنة. كثير من الوقائع المهمة تبدأ خلف الأبواب المغلقة، ثم تظهر لاحقاً في صورة مواقف عامة قد تختلف تماماً عما جرى في الكواليس.
منذ أيام، تتسع حملة سياسية وإعلامية حول زيارة منسوبة إلى قيادات في تحالف «صمود» إلى إسرائيل. تداولت منصات مختلفة أسماء وتفاصيل متباينة، بينما نفت «صمود» وقوع الزيارة. وفي 27 يوليو 2026، أعاد موقع «أفريكا إنتليجنس» طرح الرواية في تقرير مقتضب مدفوع، من دون إتاحة أدلة يستطيع الجمهور فحصها.
الموقف المهني هنا بسيط: القضية لم تُحسم. أمامنا رواية صحفية يقابلها نفي سياسي، فيما تغيب الوثائق المنشورة والصور والإفادات المباشرة التي يمكن أن تنقل الأمر من دائرة الادعاء إلى دائرة الحقيقة المثبتة.
غير أن غياب الدليل لم يمنع صدور الأحكام. خلال ساعات، ظهرت لغة الخيانة والتآمر وبيع القضية الفلسطينية والارتهان للخارج. والمفارقة أن بعض الجهات التي تتصدر هذا الهجوم كانت قبل سنوات قليلة تدافع عن الخطوة التي فتحت طريق العلاقات الرسمية بين الخرطوم وتل أبيب.
من فتح الباب؟
في 3 فبراير 2020، التقى الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي آنذاك، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مدينة عنتبي الأوغندية.
كان اللقاء معلناً ومعروفاً. قال مكتب نتنياهو إن الرجلين اتفقا على بدء تعاون يقود إلى تطبيع العلاقات، وقدم البرهان اللقاء لاحقاً باعتباره خطوة مرتبطة بمصالح السودان ومحاولة إخراجه من العزلة الدولية.
تحولت تلك البداية خلال الأشهر التالية إلى مسار سياسي شاركت فيه مؤسسات الحكم الانتقالي. وفي أكتوبر 2020، صدر الإعلان الأميركي–السوداني–الإسرائيلي بشأن التوجه نحو تطبيع العلاقات، ثم وقّع السودان إعلان اتفاقات أبراهام في يناير 2021.
يمكن نقد ذلك المسار من جوانب كثيرة: طريقة اتخاذ القرار، ضعف التفويض الشعبي، غياب النقاش المؤسسي الكافي، والربط بين التطبيع ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. لكن الذاكرة السياسية لا ينبغي أن تبدأ من منتصف الطريق. العلاقة مع إسرائيل لم تبدأ مع «صمود» أو بابكر فيصل أو خالد عمر يوسف. بدأت من رئاسة مجلس السيادة، ثم أصبحت جزءاً من سياسة الدولة الانتقالية بمكونيها العسكري والمدني.
ازدواجية في النظر إلى الفعل نفسه
هناك سودانيون يرفضون التطبيع من حيث المبدأ، وموقفهم مفهوم وله جذوره السياسية والأخلاقية والتاريخية. كما يرتبط لدى كثيرين بتضامن راسخ مع الشعب الفلسطيني.
المشكلة تظهر حين يتغير الحكم على العلاقة بتغير الشخص الذي يديرها. لقاء عنتبي قُدّم لدى بعض الدوائر باعتباره ضرورة استراتيجية، بينما تحولت زيارة غير مثبتة لقيادات مدنية إلى دليل جاهز على الخيانة. التعاون العسكري والأمني وُصف بأنه دفاع عن مصالح البلاد، فيما صار التواصل السياسي المدني قرينة على العمالة.
المشكلة هنا ليست في التطبيع وحده، وإنما في محاولة تحديد من يملك حق الاقتراب من هذا الملف.
يبدو أن بعض أنصار المسار الأول يريدون لتل أبيب أن تبقى باباً يفتح بمفتاح واحد. وبهذا تتحول العلاقات الخارجية إلى امتياز سياسي تحتكره الجهة التي بدأت المسار، بدلاً من أن تكون مجالاً عاماً يخضع للنقاش والمحاسبة.
لم يغير نفي «صمود» الكثير في اتجاه الحملة. كان الاتهام قد وجد وظيفته السياسية بالفعل، ولم يعد التحقق هو الهدف الأساسي. وهنا تبرز الأسئلة التي جرى تجاوزها: من بدأ التواصل؟ من استقبل المسؤولين الإسرائيليين؟ ومن أدخل التعاون الأمني والدبلوماسي مع إسرائيل إلى سياسة الدولة؟
ولماذا لا يزورون؟
إذا ثبتت الزيارة في وقت لاحق، فستكون هناك أسئلة مشروعة ومباشرة: بأي صفة ذهب المشاركون؟ من موّل الرحلة؟ ما الملفات التي نوقشت؟ وما المصلحة السودانية التي سعوا إليها؟ وهل سيقدمون للرأي العام رواية واضحة عما فعلوه؟
العلاقات الدولية أداة سياسية، وتكتسب مشروعيتها من وضوح أهدافها وحدود التفويض الممنوح لأصحابها، ومن النتائج التي تحققها، وقدرتها على الصمود أمام المساءلة العامة.
زيارة إسرائيل ليست وساماً سياسياً، ولا ينبغي أيضاً أن تتحول تلقائياً إلى حكم بالخيانة. يملك السودانيون الحق في رفضها أو تأييدها أو ربطها بموقف واضح من حقوق الفلسطينيين. أما تجريم مجرد الاتصال، فهو موقف يصعب التوفيق بينه وبين تاريخ الدولة السودانية نفسها وسلوك من يقودون الحملة الحالية.
أي سياسي يريد التأثير في مستقبل السودان سيجد نفسه مضطراً إلى التواصل مع دول وقوى لا تحظى دائماً بقبول جمهوره. الاختبار الحقيقي يبدأ عند الشفافية: ماذا قال؟ ماذا طلب؟ ماذا قدم؟ وما الذي عاد به إلى بلاده؟
المشكلة الأخلاقية تبدأ حين يجري الاتصال سراً، ثم يُباع للجمهور خطاب معاكس. وتصبح أكثر خطورة حين تُعامل العلاقات الخارجية كملكية خاصة أو مصدر امتياز لا يخضع للمحاسبة.
قرار مثير للجدل وحسابات دولة
كان دخول الحكومة الانتقالية في مسار العلاقات مع إسرائيل واحداً من أكثر قراراتها إثارة للجدل. شابت القرار مشكلات في الشرعية والإجراءات، لكنه جاء أيضاً في سياق دولي معقد، وكانت القيادة الانتقالية تحاول إخراج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وفتح الطريق أمام تسوية مع الولايات المتحدة.
رأى كثيرون في الربط بين التطبيع ورفع العقوبات نوعاً من الابتزاز السياسي، وأن واشنطن دفعت السودان إلى صفقة غير متوازنة. في المقابل، اعتبر آخرون أن القيادة الانتقالية اختارت الخيار الأقل كلفة لبلد يعاني الديون والعزلة والانهيار الاقتصادي.
مهما كان تقييم تلك المرحلة، يصعب محوها من الذاكرة واستخدام الملف لاحقاً كسلاح ضد أشخاص وردت أسماؤهم في تقرير لم يقدم دليلاً علنياً. كان المسار قراراً شاركت فيه مؤسسات الدولة، وتتحمل قيادة مجلس السيادة نصيباً أساسياً من المسؤولية عنه.
فلسطين حاضرة في النقاش
الدفاع عن حق السياسيين السودانيين في التواصل مع إسرائيل لا يمنح الحكومة الإسرائيلية براءة من سياساتها، ولا يلغي التضامن التاريخي للسودانيين مع الفلسطينيين.
يمكن لدولة أن تقيم علاقة دبلوماسية مع دولة أخرى، وأن تعارض في الوقت نفسه سياسات حكومتها وتضغط من أجل حقوق الفلسطينيين في الحرية والدولة والحياة الآمنة. ويمكن أيضاً اتخاذ موقف رافض للتطبيع كله من منطلق سياسي وأخلاقي.
الاتساق هو ما يمنح الموقف قيمته. من يرفض التطبيع ينبغي أن يرفض لقاء البرهان (المثبت) كما يرفض زيارة المدنيين (المُختَلَقة)، وأن ينظر إلى التعاون الأمني بالحساسية نفسها التي ينظر بها إلى الحوار السياسي. الوطنية لا ينبغي أن تتغير بحسب موقع الشخص من الحرب أو الانقلاب أو التحالفات القائمة.
الشفافية بدلاً من التخوين
يحتاج نفي «صمود» إلى قدر أكبر من التفصيل، خاصة أن الروايات المتداولة تضمنت أسماء ومسارات محددة. من واجب الجهات الناشرة إبراز أدلتها، ومن حق الرأي العام أيضاً أن يسمع توضيحاً مباشراً من الشخصيات التي وردت أسماؤها.
في الجهة الأخرى، ينبغي للمنصات والكتّاب الذين يكررون الاتهام أن يميزوا بين الخبر والرغبة السياسية. تكرار الرواية في أكثر من عاصمة، أو نسبتها إلى مصادر أمنية، لا يجعلها صحيحة تلقائياً. قوة الخبر تُقاس بالأدلة التي يحملها، لا بعدد المرات التي يُعاد فيها نشره.
إذا ظهرت الأدلة وثبتت الزيارة، ينبغي نشر تفاصيلها ومناقشتها على أساس المصالح السودانية: الصفة، والتمويل، والأهداف، وما تحقق منها. أما الأحكام الجاهزة فلن تنتج فهماً، ولن تساعد على مساءلة أحد.
يحق لبابكر فيصل أو خالد عمر يوسف أو غيرهما التحرك سياسياً والتواصل مع عواصم الإقليم والعالم. وفي الوقت نفسه، يحق للسودانيين مساءلتهم عن الصفة والتمويل والأهداف والنتائج. هذه هي المساءلة الطبيعية في المجال العام.
أما حصر السياسة الخارجية في يد القوة المسلحة، فهو يحول السيادة من مفهوم وطني إلى امتياز تملكه البندقية.
العاصفة الحالية لم تقدم بعد جواباً نهائياً عن سؤال الزيارة. الأدلة المتاحة في المجال العام لا تكفي للحسم.
غير أن سؤالاً آخر أصبح أكثر وضوحاً: لماذا يُعامل الفعل نفسه باعتباره مصلحة وطنية حين يقوم به عرّاب التطبيع، ثم يتحول إلى خيانة حين يُنسب إلى خصومه؟
ولماذا تُترك تل أبيب حكراً على عرّاب التطبيع وموظفيه؟

