النزاع المسلح والنزوح

بعيداً عن الرصاص.. قريباً من العجز

المسافة عن خطوط المواجهة لا تحمي المستشفى من النزوح والأوبئة وانقطاع التمويل. لماذا يتعثر العلاج بعيداً عن القتال؟

عاملة صحية تفحص طفلاً بين ذراعي والدته في مركز علاج سوء التغذية ببورتسودان.
طفل يتلقى العلاج في مركز سوء التغذية ببورتسودان — صورة منشورة في 14 أبريل 2026.

المسافة عن خطوط المواجهة تعجز عن حماية المستشفى من النزوح والأوبئة وانقطاع التمويل. وهي تكشف في الوقت نفسه نقصاً قديماً سبق النزاع، وسؤالاً معلقاً عن معايير توزيع الموارد.

حين يعجز مريض عن إيجاد الخدمة التي يحتاجها في منطقة بعيدة عن القتال، يبرز سؤال مشروع: لماذا تغيب الرعاية هنا؟ قد تكشف الإجابة قصوراً موروثاً، أو ضغطاً أحدثه النزاع، أو الاثنين معاً. والوصول إليها يتطلب تحديد الخدمة والمكان والفترة قبل إطلاق حكم على ولاية كاملة.

ووصف ولايات بعينها بالآمنة يحتاج إلى حذر. قد تكون مدينة بعيدة عن المعارك البرية، وتتأثر في الوقت نفسه طرق إمدادها، أو تتعرض البنية المحيطة بها لهجمات بالمسيرات، أو تستقبل أعداداً كبيرة من النازحين. لذلك نعتمد في هذا الملف وصف «المناطق الأبعد عن القتال»، ونربط كل معلومة عن موقع بعينه بتاريخها ومصدرها.

خدمات قائمة

الخدمات مستمرة في كثير من هذه المناطق. ففي إعلان مؤرخ 12 مارس 2026 قالت منظمة الصحة العالمية إن مبادرة نفذت بين يونيو وديسمبر 2025 دعمت 60 مركزاً للرعاية الأولية في عشر ولايات، ووصلت إلى أكثر من نصف مليون مستفيد، وضربت مثلاً من دنقلا. هذه حصيلة برنامج محدد، وتعداد المرافق العاملة في البلاد مسألة أخرى. [١]

وفي بورتسودان قالت وكالة الأنباء السعودية في 29 سبتمبر 2026 إن وحدة العناية المكثفة للأطفال في مستشفى بورتسودان التعليمي للأطفال، الممولة من مركز الملك سلمان للإغاثة، هي الوحيدة حالياً في السودان في هذا التخصص. المعلومة صادرة عن الجهة الممولة ولم نتحقق منها من مصدر مستقل، وإن صحت فهي تختصر سؤال هذا الملف: خدمة متقدمة في مدينة واحدة، ومسافة طويلة تفصلها عن أطفال بقية الولايات. [٥]

وجود هذه المراكز يمنع تحويل السؤال إلى نفي شامل للرعاية. ويبقى السؤال قائماً عن توافر تخصص بعينه أو طوارئ تعمل على مدار الساعة، وعن قدرة المركز على الاستمرار بعد انتهاء التمويل. فالرعاية الأولية تلبي جانباً كبيراً من الاحتياجات اليومية، وتحتاج إلى إحالة واضحة حين يتطلب المرض تشخيصاً أو علاجاً يفوق إمكاناتها.

سكان أكثر.. بالمخصصات نفسها

تتغير قدرة منطقة سلمت مبانيها حين يزداد عدد سكانها الفعليين بالنزوح. لذلك تضلل مقارنة عدد المرافق بسكان ما قبل النزاع. والأسئلة المفيدة هنا: هل حصل العاملون الوافدون على وظائف وتجهيزات؟ وهل زادت الموارد مع زيادة الطلب، أم بقيت الخدمة تعمل بمخصصات قديمة؟

ويأتي الضغط من مصادر أخرى. أفادت منظمة الصحة العالمية في أبريل 2026 بانتشار فاشيات مرضية في ولايات متعددة، من بينها القضارف ونهر النيل. [٢] فالمسافة عن الجبهة معيار ناقص لتقدير الاحتياج الصحي؛ المياه والتحصين والتغذية تحدد حجم الطلب على الخدمة أيضاً.

حين ينفد المال

وقد يتوقف العلاج بسبب المال في مرفق لم يمسه هجوم. في 17 يونيو 2026 حذر القطاع الصحي الإنساني من أن اضطراب التمويل المقرر بنهاية الشهر يضع 335 مرفقاً وخدمة في 13 ولاية تحت التأثر أو الخطر المباشر. [٣] كان ذلك تحذيراً من أثر متوقع، ومعرفة ما جرى لتلك المرافق بعده تحتاج إلى متابعة جديدة.

المساواة الحسابية بين الولايات تظلم أحوجها.

هذه الأمثلة تشرح امتداد النزاع إلى مناطق أبعد عن القتال، وتبقى معها مسؤولية التخطيط السابق قائمة. إذا غابت خدمة عن منطقة منذ سنوات، فتفسير الغياب يمر بخطط التوزيع وموازنات التشغيل وقرارات التوظيف. وإذا كانت متاحة ثم تعطلت، فالسؤال عن سبب التعطل وطريق استعادتها.

المركز والولايات

كانت اللامركزية أحد مداخل توزيع مسؤوليات الصحة. وتشير ورقة التغطية الشاملة إلى غموض في توزيع بعض مسؤوليات التمويل، وإلى تأخر وصول الموارد أو وصولها منقوصة في بعض الحالات. [٤] الملاحظة مدخل لفحص العلاقة بين المركز والولايات، مع التسليم بأن قدرات الولايات المالية متفاوتة وأن الهدر يحتاج إلى إثبات في كل حالة.

هنا تصل المساءلة إلى فلسفة توزيع الثروة. العدالة تعني توزيعاً يراعي الاختلاف في السكان والمرض والفقر والمسافات وكلفة التشغيل، والمساواة الحسابية بين الولايات تظلم أحوجها. ومن حق المواطن أن يرى قاعدة توزيع معلنة، وأن يعرف لماذا تحصل منطقة على موارد إضافية وكيف تقاس الخدمة التي توفرها.

التنمية الذكية

وللتنمية الذكية في الصحة شكل عملي. قبل بناء مرفق جديد يحدد المخطط ما يحتاجه السكان، وما إذا كان تشغيل مركز قائم أو تدريب عاملين أو دعم الإحالة يلبي الطلب. وقد يفيد مستشفى مرجعي يخدم مناطق متجاورة أكثر من تكرار منشآت غير مكتملة، إذا توافر نقل وتمويل يتيحان الوصول إليه.

والمناطق قليلة السكان المتباعدة تحتاج إلى ترتيبات تختلف عن المدن المكتظة: تدخل كلفة الوصول في القرار، ويحسب استمرار الخدمة إلى جانب كلفة افتتاحها. فالمرفق الذي يحتاج كل عام إلى تشغيل وصيانة ودواء يجب أن يملك تمويلاً لهذه الالتزامات قبل تقديمه إنجازاً.

النفوذ أم الحاجة؟

فرضية أن الموارد توزع بالمحاصصة أو النفوذ المسلح تختبر في الوثائق. نقارن المخصصات بالتحويلات المنفذة وبالنتائج، ونتتبع معايير الاختيار والتعاقد. وقد يثبت الفحص أثراً للنفوذ في حالات، ويكشف أسباباً أخرى للفروق في حالات غيرها. ووجود مشروع في منطقة زعيم سياسي يظل قرينة تحتاج إلى دليل.

ومن حق الناس رفض نظام تحل فيه قوة المطالبة محل حجم الاحتياج. قد تنص الاتفاقات السياسية على إنصاف مناطق عانت التهميش، ويقاس تنفيذها بوصول الخدمات إلى سكانها. وتوزيع المناصب على قادة يظل خطوة ناقصة حتى تصل المدرسة والمستشفى إلى المواطنين الذين تستند إليهم المطالب.

رحلة الإحالة

تكشف رحلة الإحالة ما يخفيه عدد المنشآت: الخدمة المطلوبة، وما كان متاحاً منها قبل النزاع، ووقت الانتظار وكلفة النقل والعلاج اليوم. ومن حق المريض أن يعرف سبب انتقاله والجهة التي تتحمل كلفته. بهذا يصير الوصول إلى الخدمة معياراً لمحاسبة القرار العام، وتصير الأرقام مفهومة في حياة الناس.

السؤال الذي يصلح لمحاسبة السلطة القائمة في بورتسودان ومن سبقها هو ما إذا كانت الموارد تتبع الحاجة فعلاً. حماية ما يعمل الآن ضرورة، وتحديد النقص القديم ضرورة موازية. والمريض ينتظر نتيجة ملموسة: خدمة قريبة يقدر على كلفتها، ومسؤولاً يجيب عما قدمته الموازنة لحياته.

هذه المادة جزء من ملف سودان ستوري «الصحة والدولة»

١. ثلاثون عاماً في الحكم.. وسرير العلاج خارج الحدود

٢. الصحة قبل الحرب.. ثلاثة أرباع الإنفاق من جيوب الأسر

٣. بعيداً عن الرصاص.. قريباً من العجز

٤. درس كوبر: زنزانة أفضل أم دولة أفضل؟

المصادر

  1. WHO strengthens primary health care services for vulnerable communities in Sudan، منظمة الصحة العالمية، 12 مارس 2026. المصدر الأصلي
  2. After three years of conflict, Sudan faces a deeper health crisis، منظمة الصحة العالمية، 14 أبريل 2026. المصدر الأصلي
  3. Sudan: Urgent funding needed to keep life-saving health services running beyond June، القطاع الصحي الإنساني في السودان، 17 يونيو 2026. المصدر الأصلي
  4. Moving toward UHC: Sudan، البنك الدولي وشركاؤه، بيانات ومراجع حتى 2017. المصدر الأصلي
  5. فريق مركز الملك سلمان للإغاثة يتفقد وحدتي العناية المكثفة وحديثي الولادة بمستشفى بورتسودان التعليمي للأطفال، وكالة الأنباء السعودية (واس)، 29 سبتمبر 2026، نقلاً عن إعادة نشر أردو بوينت. المصدر الأصلي