المقابلة جاءت غداة مشاورات الآلية الخماسية في أديس أبابا؛ لكنها فعلت ذلك عبر منصة محدودة الانتشار وأسئلة لم تضع رئيس «صمود» تحت ضغط الاستجواب
متابعات – سودان ستوري
ليس أبرز ما في المقابلة التي أجرتها منصة «sudan transition» مع رئيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، عبد الله حمدوك، ما قاله عن الحكم المدني أو استمرار الحرب. فهذه مواقف كررها في مناسبات سابقة.
السؤال الأهم هو: لماذا قرر حمدوك أن يتحدث في هذا التوقيت، ولماذا اختار منصة محدودة الانتشار لإطلاق رسائل تتصل بأكثر الملفات حساسية داخل المعسكر المدني ومسارات التسوية؟
نُشرت المقابلة في الأول من أغسطس 2026، غداة الاجتماع التشاوري الذي عقدته الآلية الخماسية في أديس أبابا، واعتذرت قوى إعلان المبادئ السوداني عن المشاركة فيه بسبب اعتراضات على تصميم العملية السياسية، وطريقة تحديد أطرافها، وما وصفته بغياب الملكية السودانية الحقيقية للمسار. لم يتطرق حمدوك في المقابلة مباشرة إلى عدم المشاركة في اجتماعها، لكنه قدّم مبادرة الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، باعتبارها المبادرة «الأنسب والأشمل» والأقدر على التعجيل بوقف الحرب، شريطة توفر إرادة طرفي القتال وتحسين التنسيق بين الدول الراعية. وهذا التراجع الضمني في حضور الخماسية، بالتزامن مع تقديم الرباعية، هو أولى رسائل المقابلة.
التدخل بعد أديس
كان اعتذار قوى إعلان المبادئ عن مشاورات أديس قابلًا لأن يُقرأ بعدة صور: انسحاب من العملية السياسية، خلاف مع المؤسسات الإقليمية والدولية، أو محاولة من القوى المدنية لفرض شروطها على الآلية التي يفترض أن تدير المشاورات.
وحاول بيان قوى إعلان المبادئ، الصادر في 28 يوليو، إغلاق هذا الباب؛ إذ شدد على أن عدم المشاركة لا يعني الانسحاب من جهود الخماسية أو رفض الحوار، وإنما يستهدف مراجعة المسار وتصحيح منهج إدارة العملية السياسية. لكن هذا التوضيح من القوى لم يكن كافيًا وحده لتحديد موقف حمدوك و«صمود» من المشهد الدولي المتعدد المنصات.
جاءت المقابلة لتملأ هذه المساحة من دون أن تدخل في مواجهة مباشرة مع الخماسية. فبدل أن يقول حمدوك إن الخماسية أخفقت، قال إن الرباعية هي الأنسب. وبدل أن يعلن رفض المسار السياسي الجاري، أعاد ترتيب الأولويات بحيث يصبح وقف الحرب أولًا، عبر الدول التي تملك علاقات ونفوذًا مباشرًا على طرفي القتال.
يمكن قراءة ذلك بوصفه محاولة لنقل مركز النقاش من سؤال: «لماذا غابت قوى إعلان المبادئ عن أديس؟»، إلى سؤال آخر: «أي الآليات أقدر فعليًا على وقف الحرب؟».
وبهذه الصياغة، لا يعلن حمدوك قطيعة مع الخماسية، لكنه يخفض من وزنها السياسي لصالح الرباعية، أو يفصل ضمنيًا بين وظيفتين: رباعية تضغط على طرفي الحرب، وخماسية تتولى التشاور حول العملية السياسية.
المقابلة لم تحسم أي التفسيرين يمثل موقف «صمود» الرسمي. لكنها وضعت الرباعية في مقدمة المشهد، في اليوم التالي مباشرة لاجتماع الخماسية.
لماذا منصة محدودة الانتشار؟
لا يبدو أن حمدوك اختار «التحول» بحثًا عن أكبر عدد من القراء. فالموقع، وفق أرشيفه الظاهر، ما يزال محدود المحتوى والانتشار؛ وتضم صفحاته عددًا قليلًا من الأخبار الحديثة، إلى جانب مواد تجريبية أو عبارات عامة يعود معظمها إلى يوم واحد في أبريل 2026. كما أن صفحة محرر المقابلة، هيثم عثمان، لا تعرض سوى مادة حمدوك نفسها ضمن الأرشيف المتاح على الموقع. ولعل هذه القيود إحدى مزاياها، لا نقطة ضعفها.

فالمنصة تعلن بوضوح أن خطها التحريري يدعم التحول المدني الديمقراطي، ووقف الحرب، وإحلال السلام، والتثقيف المدني. وهذا يجعلها بيئة متوافقة مسبقًا مع الخطاب السياسي الذي يقدمه حمدوك و«صمود». فحمدوك لم يذهب، بالتالي، إلى مقابلة مع مؤسسة إعلامية ستضعه أمام خصومه أو تطالبه بتفسير التناقضات في مواقف تحالفه، بل دخل إلى مساحة تسمح له بعرض الرسائل التي يريدها، من دون كلفة مواجهة صحفية مرتفعة.
ويظهر ذلك في طبيعة الأسئلة والإجابات. فقد قال إن «صمود» أسهمت، بدعم الأصدقاء والأمم المتحدة، في توفير الغذاء والدواء والكساء وإنقاذ حياة الملايين، لكن المقابلة لم تسأله عن أسماء المشروعات، أو حجم المساعدات، أو المؤسسات المنفذة، أو الطريقة التي يمكن بها التحقق من هذا الادعاء. «صمود» ورسائلها إلى طرفي الحرب لم تنقطع، لكن لم يُسأل عما إذا كانت هناك قناة اتصال متبادلة، أو ما إذا تلقى التحالف ردًا من قيادة الجيش أو قيادة الدعم السريع، أو متى جرى آخر اتصال مباشر مع أي منهما.
وتحدث عن الاتفاق مع «تأسيس» في «العديد من المبادئ» والاختلاف معها في الوسائل، من دون أن تطلب منه المقابلة تحديد تلك المبادئ، أو شرح موقع الدعم السريع والحكومة الموازية من هذا الخلاف. بمعنى آخر، لم تكن مكانًا لاختبار أفكار حمدوك، بل وعاءً آمنًا لترتيبها ونشرها.
أسئلة تشبه قائمة الاتهامات
مع ذلك، لم تكن موضوعات المقابلة عشوائية. فقد تحركت بين القضايا التي يتعرض بسببها حمدوك و«صمود» لضغوط سياسية وإعلامية متزايدة:
وجود قيادة التحالف خارج السودان، وحدود علاقته بطرفي الحرب، وفاعليته في الملف الإنساني، وموقفه من «تأسيس»، ومستقبل الحكم المدني، واحتمال عودة الجيش والدعم السريع إلى تحالف جديد.
وهي، في مجموعها، أقرب إلى قائمة اعتراضات يواجهها التحالف منها إلى أجندة حوار صحفي تقليدي.
في الرد على انتقاد العمل من الخارج، قال حمدوك إن مكونات «صمود» موجودة داخل البلاد وتعمل في ظروف معقدة وخطيرة، وإن القيادة ستعود متى توفر المناخ المناسب.
وفي الرد على اتهام التحالف بالابتعاد عن المواطنين، تحدث عن نشاطه في الملف الإنساني.
وفي الرد على التساؤلات بشأن علاقته بطرفي القتال، تحدث عن استمرار الرسائل والمناشدات.
وفي الرد على الالتباس بين «صمود» و«تأسيس»، رسم خطًا يفصل بين الاتفاق في بعض المبادئ والاختلاف في الوسائل. وهذه الإجابات المتكررة جعلتها أقرب إلى مرافعة سياسية هادئة أُعدت للإجابة عن مناطق الضعف المحيطة بـ«صمود»، لا إلى ظهور إعلامي هدفه تقديم معلومات جديدة.
المسافة الدقيقة من «تأسيس»
ربما كانت أكثر عبارات حمدوك حساسية قوله إن «صمود» تتفق مع مكونات «تأسيس» في العديد من المبادئ، لكنها تختلف معها في الوسائل.
هذه الصياغة لا تساوي بين الطرفين، لكنها ترفض أيضًا إقامة جدار سياسي كامل بينهما. وهي تذكّر بأن عددًا من مكونات «تأسيس» كان جزءًا من تنسيقية «تقدم» قبل أن يؤدي الخلاف حول تشكيل حكومة في مناطق سيطرة الدعم السريع إلى انقسامها وظهور «صمود». والأرجح أن الهدف هو تثبيت موقع في المنتصف: ليس جزءًا من مشروع الحكومة الموازية، لكنه لا يتعامل مع القوى المدنية والسياسية الموجودة داخل «تأسيس» باعتبارها خصمًا نهائيًا.
هذه المسافة ضرورية لأي عملية سياسية مقبلة. فالقطيعة الكاملة مع «تأسيس» تعني التخلي عن قوى كانت حتى وقت قريب ضمن التحالف المدني نفسه، بينما الاقتراب الزائد منها يعيد إنتاج اتهام «صمود» بالانحياز إلى الدعم السريع.
اختار حمدوك عبارة تسمح بإبقاء الباب مفتوحًا من دون تحمل كلفة المصالحة أو التحالف: اتفاق في المبادئ، واختلاف في الوسائل.
لكن المقابلة لم تحدد أين ينتهي الاتفاق وأين يبدأ الخلاف. هل تشمل المبادئ المشتركة إعادة تأسيس الدولة، والعلمانية، واللامركزية، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية؟ وهل يقتصر الخلاف على تشكيل حكومة موازية، أم يمتد إلى طبيعة العلاقة مع الدعم السريع ومسؤوليته عن الانتهاكات؟
غياب هذه الأسئلة منح العبارة فائدتها السياسية، وأعفاها من اختبار مضمونها.
منصة إطلاق لا منصة وصول
قد لا يحتاج حمدوك إلى أن يكون جمهور «التحول» واسعًا، لأن القيمة الأساسية للمقابلة تكمن في إنتاج تصريحات قابلة للاقتطاع وإعادة النشر.
وهذا ما حدث سريعًا مع حديثه عن الرباعية؛ إذ أعادت منصات أكبر تداول العبارة منفصلة، وقدمتها باعتبارها الموقف الأبرز لرئيس «صمود». وفي هذا النمط من الاتصال السياسي، تؤدي المنصة الصغيرة وظيفة نقطة الإطلاق. تمنح السياسي مساحة آمنة لإنتاج النص الأصلي، ثم تتولى وسائل الإعلام الكبرى وحسابات التواصل توزيع الجمل الأكثر إثارة للاهتمام.
ويحقق ذلك فائدتين لحمدوك: إيصال الرسالة إلى جمهور أوسع، مع إبقائها في صيغة مقابلة صحفية وليست بيانًا رسميًا ملزمًا.
فلو أصدرت «صمود» بيانًا يقول إن الرباعية هي المبادرة الأنسب بعد يوم من مشاورات الخماسية، لكان الموقف قابلًا لأن يُفهم كتحدٍّ مباشر للآلية الدولية والإقليمية. أما عندما تأتي العبارة ضمن إجابة صحفية، فيمكن تقديمها باعتبارها تقييمًا سياسيًا، لا إعلان قطيعة.
وينطبق الأمر نفسه على العلاقة مع «تأسيس». فالحديث عن الاتفاق في المبادئ كان سيحتاج، لو ورد في بيان تنظيمي، إلى نقاش واعتماد داخل مؤسسات التحالف. أما المقابلة فتسمح بطرح الفكرة واختبار ردود الفعل عليها قبل تحويلها، إن أُريد، إلى موقف أكثر وضوحًا.
ماذا أراد حمدوك؟
لا توجد أدلة معلنة تثبت وجود ترتيب سياسي وراء المقابلة أو اختيار المنصة، ولذلك يبقى تحديد دوافع حمدوك في نطاق القراءة والاستنتاج.
لكن التوقيت، وترتيب الموضوعات، وطبيعة المنصة، وغياب الأسئلة المضادة، تقود إلى فرضية أكثر تماسكًا من اعتبار اللقاء مجرد مقابلة صحفية عادية.
أراد حمدوك، على الأرجح، إعادة وضع «صمود» داخل المشهد بعد غياب قوى إعلان المبادئ عن مشاورات أديس، من دون الدخول في خصومة معلنة مع الخماسية.
وأراد تقديم الرباعية باعتبارها مركز الثقل الحقيقي لوقف الحرب، مع إبقاء «صمود» طرفًا سياسيًا يمكنه التحدث إلى المجتمع الدولي وإلى طرفي القتال.
كما أراد ضبط علاقته بـ«تأسيس»: الاحتفاظ بمساحة مشتركة مع مكوناتها، من دون قبول مشروعها السياسي أو الظهور جزءًا من سلطة مرتبطة بالدعم السريع.
وفي الوقت نفسه، احتاج إلى الرد على الأسئلة المتعلقة بعمل التحالف من الخارج وضعف أثره الإنساني، لكن من دون مواجهة مقابلة كبيرة قد تطالبه بأرقام ووثائق وتفاصيل اتصالاته.
لهذا لم يكن اختيار «التحول» تنازلًا عن الانتشار بقدر ما كان اختيارًا لبيئة إعلامية منخفضة المخاطر. منصة صغيرة تنتج النص، ومنصات أكبر تتولى حمل الرسائل.
ما لم يُجب عنه الظهور
نجحت المقابلة في توضيح ما يريد حمدوك أن يقوله، لكنها لم تكشف كثيرًا عما يفعله بالفعل.
لم نعرف متى جرى آخر اتصال مع قيادة الجيش، أو ما إذا استجابت قيادة الدعم السريع لمناشدات «صمود». ولم نعرف طبيعة المساعدات التي قال التحالف إنه أسهم في توفيرها، ولا حدود المبادئ المشتركة مع «تأسيس»، ولا موقع الخماسية من حساباته بعد اجتماع أديس.
وهنا تظهر المفارقة: خرج حمدوك ليثبت أن «صمود» موجودة وتتحرك وتتواصل، لكنه اختار صيغة تحمي هذه الادعاءات من الأسئلة التي كان يمكن أن تقيس حجم ذلك الحضور وفاعليته.
لذلك، فإن خبر المقابلة ليس أن حمدوك جدد الدعوة إلى الحكم المدني أو طالب بوقف الحرب. الخبر هو أنه قرر التدخل في لحظة سياسية دقيقة، واختار نافذة محدودة الانتشار ليعيد عبرها ترتيب موقع «صمود» بين الرباعية والخماسية و«تأسيس»؛ بأكبر قدر من التحكم في الرسالة، وأقل قدر من الكلفة الصحفية.
