تقرير: محمد عبدالرحمن
عودة سبقت الخدمات
لم يكن التحسن الأمني النسبي في بعض أحياء الخرطوم كافياً وحده لاستعادة الحياة اليومية، لكنه كان كافياً لدفع آلاف الأسر إلى الرجوع. تقول الصحفية زينب محمد أحمد، العاملة في الخرطوم، إن كثيراً ممن عرفتهم اتخذوا قرار العودة قبل أن تعود الخدمات إلى مناطقهم أصلاً:
“ناس كتيرة رجعوا قبل رجوع الخدمات لمناطقهم، لأنهم حسوا إنه في قدر من الأمان.”
هذا الإحساس بالأمان النسبي لم يكن يعني أن المدينة استعادت قدرتها على استيعاب سكانها؛ فالعائدون وجدوا أنفسهم أمام منازل متضررة، وممتلكات مفقودة أو منهوبة، ومصادر دخل انقطعت منذ سنوات. بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، لا يزال السودان يواجه أكبر أزمة نزوح قسري في العالم بحسب توصيف الأمم المتحدة، وفي الوقت نفسه يشهد حركة عودة دؤوبة. هذا التقرير يسعى إلى كشف الواقع الذي عاد إليه النازحون، أبعد من مجرد إحصاء أعدادهم.
ماذا تقول الأرقام؟
وفق أحدث تحديث لمصفوفة تتبع النزوح (DTM) التابعة للمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، الصادر في مايو 2026، لا يزال 8,805,506 شخص مسجلين بوصفهم نازحين داخلياً في السودان، في حين عاد 4,441,570 شخصاً إلى مناطقهم الأصلية. رقم النازحين هنا يخص من لا يزالون داخل حدود السودان تحديداً، ولا يشمل اللاجئين السودانيين المسجلين خارج البلاد، الذين تتبعهم مفوضية اللاجئين بمنهجية مستقلة. من بين العائدين، عاد 83% من مواقع نزوح داخل السودان (55% منهم أطفال)، مقابل 17% عادوا من خارج البلاد (50% منهم أطفال) — ما يعني أن حركة العودة الحالية داخلية في معظمها، بينما تبقى عودة اللاجئين من دول الجوار محدودة نسبياً.


وقراءة هذه الأرقام بمعزل عن الواقع قد تقود إلى استنتاج مضلل؛ فالانخفاض في عدد النازحين قد يعكس ببساطة انتقال جزء من السكان من فئة “النازحين” إلى فئة “العائدين”، أكثر مما يعكس انتهاء الأزمة فعلياً.
الخرطوم والجزيرة: أين تتركز العودة؟
تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن موجة العودة تركزت بصورة رئيسية في ولايتي الخرطوم والجزيرة، بعد تراجع حدة القتال فيهما خلال عامي 2025 و2026. غير أن هذا التحول الأمني لم يترافق بالوتيرة نفسها مع استعادة الخدمات؛ فالأحياء التي عاد إليها السكان ما تزال تعاني أضراراً جسيمة، ولم تسترد المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء طاقتها التشغيلية بعد. في المقابل، لا تزال أجزاء من دارفور وكردفان والنيل الأزرق تشهد موجات نزوح جديدة نتيجة استمرار العمليات العسكرية، ما يعني أن السودان يعيش في الوقت نفسه مسارين متوازيين: عودة في بعض الولايات، ونزوح متواصل في ولايات أخرى.
الناس سبقوا الخدمات
غالباً ما تُقدَّم أعداد العائدين دليلاً على تحسن الأوضاع، لكن المنظمات الدولية نفسها تحذر من هذا التفسير؛ فالمنظمة الدولية للهجرة تؤكد أن استدامة العودة تتطلب إعادة تأهيل البنية التحتية واستعادة الخدمات وتوفير فرص كسب العيش، وبدون ذلك قد تتحول العودة إلى مرحلة مؤقتة تسبق نزوحاً جديداً. تتبنى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التقييم نفسه: تحسن الوضع الأمني وحده لا يكفي لضمان استقرار العائدين.
المياه والكهرباء… خدمات عادت بصورة غير مستقرة
تصف الصحفية أسماء ميكائيل واقع الكهرباء في جنوب الخرطوم بقولها:
“الكهربا دي والله بس اسم جابوها، لكن غير موجودة.”
الانقطاعات الطويلة أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، وتمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الإضاءة: تشغيل محطات المياه، وحفظ الأدوية، واستمرار عمل المرافق الصحية. المياه، في المقابل، أكثر انتظاماً نسبياً في بعض الأحياء وفق أسماء ميكائيل، وإن كانت لا تخلو من انقطاعات متفرقة؛ فمحطات الضخ تعتمد على الكهرباء والوقود والصيانة الدورية، وجميعها ما يزال يواجه تحديات بعد سنوات من الحرب. تحسّن جزئي إذن، لا اكتمال.
الصحة: نظام يعمل بأقل من طاقته
بحسب بيان منظمة الصحة العالمية الصادر في 14 أبريل 2026 بعنوان “After three years of conflict, Sudan faces a deeper health crisis”، لا تزال 37% من المرافق الصحية في السودان خارج الخدمة، وقد وثّقت المنظمة 217 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية منذ اندلاع الحرب، أسفرت عن 2,052 وفاة و810 إصابات، فيما يحتاج نحو 21 مليون شخص إلى خدمات صحية عاجلة.

ميدانياً، تقول أسماء ميكائيل إن عدداً من المراكز الصحية والصيدليات عاد إلى العمل، وإن الأدوية متوفرة بدرجات متفاوتة — صورة غير متجانسة: النظام لم ينهار كلياً، لكنه لم يستعد قدرته السابقة أيضاً.
الاقتصاد وفرص العمل: هل يستطيع العائدون البقاء؟
إذا كان التحسن الأمني النسبي قد دفع كثيراً من الأسر إلى العودة، فإن قدرتها على البقاء ستعتمد بدرجة أكبر على استعادة مصادر الدخل. تختصر أسماء ميكائيل هذا الواقع بعبارة قصيرة:
“فرص عمل ما في، نهائياً.”
وتوضح زينب محمد أحمد أن كثيراً من العائدين بدأوا حياتهم من الصفر بعد فقدان منازلهم أو ممتلكاتهم أو أعمالهم خلال الحرب؛ فالعودة، كما تصفها، لم تعد تعني استعادة حياة سابقة، بل بداية محاولة جديدة لإعادة بنائها. وتؤكد أسماء ميكائيل أن جزءاً من قرار العودة لم يكن نتيجة تحسّن في الخرطوم بقدر ما كان نتيجة تدهور الأوضاع في أماكن النزوح نفسها:
“الظروف المعيشية صعبة هناك، فاضطروا يجوا هنا.”
العودة الاضطرارية والنزوح المتقاطع
يوسّع فضيل عمر، العامل في الاستجابة المجتمعية، هذه الصورة، مؤكداً أن العامل الأساسي الذي دفع كثيرين للعودة لم يكن تحسن الأوضاع، بل انعدام الخيارات في مناطق النزوح:
“إن العامل الأساسي الذي دفع الكثيرين للعودة ليس تحسن الأوضاع، بل انعدام الخيارات والبدائل في مناطق النزوح.”
ويوضح فضيل عمر أن هذا الانعدام في الخيارات ترافق، بحسب وصفه، مع مضايقات مباشرة ووصم اجتماعي وقرارات إخلاء قسري لمراكز الإيواء دون بدائل، إضافة إلى ارتفاع تكاليف المعيشة والإيجارات في الولايات الآمنة. كما يفيد بأن جهات فاعلة عمدت — على حد وصفه — إلى تجفيف المساعدات الإنسانية والتضييق على المنظمات لدفع الناس إلى الرجوع؛ وهي إفادة مصدر ميداني تحتاج إلى إسناد مستقل قبل تعميمها كواقعة مؤكدة. ويقدّر فضيل عمر تكلفة تنقل الطالب اليومي بعد العودة بنحو 50 ألف جنيه، في وقت تقتصر فيه الخدمات العلاجية المتاحة على أدوية شحيحة كأدوية الملاريا.
هذه الوقائع مجتمعة تصف ما يشبه عودة اضطرارية تحت ضغط انعدام البدائل، أكثر مما تصف تعافياً أو حتى نزوحاً “قسرياً” بالمعنى القانوني الدقيق للمصطلح.
من جهته، يقدم عبدالوهاب الطيب، عضو غرفة طوارئ العزبة ببحري، شهادة تكشف فجوة إضافية بين الخطاب الإعلامي والواقع الميداني:
“تفاجأ العائدون عقب رجوعهم برداءة الخدمات الميدانية وعدم مطابقتها لما يُروج له إعلامياً.”
يوضح الطيب أن غرف الطوارئ اضطرت، بالتعاون مع المتطوعين، إلى تركيب منظومات طاقة شمسية لتشغيل آبار المياه سداً لجزء من الفجوة، في وقت تبقى فيه أغلب المستشفيات العاملة قطاعاً خاصاً بأسعار باهظة تعتمد معه الأسر على تحويلات المغتربين أو معونات محدودة. ويصف “التكايا وغرف الطوارئ” بأنها السند الوحيد والأخير للاستمرار في الأحياء الطرفية، خصوصاً مع ما يسميه “النزوح المتقاطع”: وصول أسر نازحة حديثاً من مناطق القتال المشتعلة في كردفان وسنار إلى الأحياء نفسها التي يعود إليها سكانها الأصليون، لتندمج أزمة الوافدين الجدد بأزمة العائدين في البيئة الخدمية ذاتها.
ما الذي يجعل العودة مستدامة؟
لا يسير النزوح في السودان وفق مسار خطي بين المغادرة والرجوع؛ فحروب البلاد المتعاقبة أفرزت تاريخياً دوامات من النزوح المتكرر، حيث تضطر الأسرة نفسها للتنقل أكثر من مرة كلما تدهورت الأوضاع في محطتها الجديدة. واليوم يتكرر هذا النمط: أسرة تنزح من مدينة إلى أخرى، ثم تُجبر على نزوح ثالث، أو يتوزع أفرادها بين أقاليم مختلفة هرباً من الحرب أو تحت ضغط المعيشة.
استدامة العودة لا تُقاس بعدد من وصلوا إلى بيوتهم، بل بالظروف التي تحكم بقاءهم فيها: صلابة الاقتصاد المحلي وسبل كسب العيش، وإصلاح شرايين الخدمات الأساسية، واستقرار أمني يمنع اندلاع ذروة نزوح جديدة. من دون هذه الركائز مجتمعة، تبقى العودة الحالية محطة مؤقتة أكثر منها بداية تعافٍ، ويظل السؤال مفتوحاً: هل عاد الناس إلى الحياة، أم عادوا فقط إلى المكان، في انتظار أن تعود الحياة إليه؟

