ما وراء الخبر
الرقم وحده نادراً ما يُحدث تغييراً. هذه هي المعضلة التي تواجهها الآن مجموعة “نداء سلام السودان”، بعدما أنجزت واحدة من أكثر محاولات قياس الرأي العام السوداني اتساعاً منذ اندلاع الحرب، ثم وجدت نفسها أمام سؤال أصعب من تصميم الاستبيان نفسه: كيف تُنقل نتيجة ميدانية، جُمعت وسط انقطاع الكهرباء ومخاطر أمنية حقيقية، إلى غرفة تفاوض يتحكم فيها من يملكون قرار استمرار القتال؟
بحسب ما أفاد به عصام عباس، عضو المكتب التنسيقي للمجموعة، لـ”سودان ستوري”، فإن فريقاً يقوده البروفيسور فرانسيس دينق يستعد الآن لعرض نتائج الدراسة على طرفي الحرب مباشرة. هذه الخطوة، إن تمت، تنقل المشروع من مرحلة القياس إلى مرحلة الاختبار الفعلي: هل يمكن لصوت المواطن، حين يُجمع بمنهجية علمية، أن ينافس صوت النخبة في التأثير على قرار الحرب والسلام؟
فجوة قديمة، محاولة جديدة
المشكلة التي انطلقت منها الدراسة ليست جديدة على المتابعين للشأن السوداني. النقاش حول مستقبل البلاد ظل، منذ سنوات، حكراً على دوائر ضيقة نسبياً: التحالفات السياسية، مراكز البحوث، والوسطاء الدوليون. أما تصورات من يعيشون الحرب يومياً — راعي الإبل في دارفور، العامل في ميناء بورتسودان، والمزارع في النيل الأزرق — فبقيت خارج الأوراق التي تُكتب باسمهم.
ما يميز هذه المحاولة، وفق ما ورد في إفادة عباس، هو حرصها على تجاوز “الإحصاء الرغائبي”، عبر اعتماد عينة طبقية عشوائية وإخضاعها لاختبارات إحصائية معيارية. هذا التمييز مهم تحريرياً: فالفارق بين استطلاع يعكس رغبة مسبقة واستطلاع يقيس واقعاً فعلياً هو بالضبط ما يحدد مصداقية أي محاولة لاحقة لاستخدام هذه الأرقام في الضغط السياسي.
الرقم الذي لا يكفي وحده
الأرقام التي أعلنتها الدراسة تستحق التوقف عندها، لا لأنها مفاجئة، بل لأن ما تكشفه في التفاصيل أهم من العناوين الكبرى. فبينما تجاوزت نسبة من يؤيدون إنهاء الحرب عبر التفاوض التسعين بالمئة، فإن الثقة في أي اتفاق سلام مقبل ضعيفة جداً وفق ما نقله عباس. بعبارة أخرى: السودانيون، بحسب هذه القراءة، لا يرفضون فكرة السلام، بل يرفضون تكرار نموذج الاتفاقات التي لم تعالج جذور الأزمة من قبل.
هذا الفارق بين “الرغبة في السلام” و”الثقة في آليات صنعه” هو، في تقديرنا، أهم ما تحمله الدراسة من قيمة تحليلية — أهم حتى من نسبة التأييد نفسها. فهو يوجّه أي جهة وسيطة إلى أن المطلوب ليس مجرد إعلان وقف إطلاق نار، بل بناء ترتيبات أمنية وآليات محاسبة تمنح الاتفاق المقبل مصداقية لم تحظَ بها اتفاقيات سابقة.
هذا التحفظ المنهجي يكتسب وزناً إضافياً من تصريح سابق لعضو المكتب التنفيذي لـ”نداء سلام السودان” الدكتورة أسماء النعيم، المدير التنفيذي لـ”مجموعة المناصرة من أجل السلام في السودان”، أوضحت فيه أن الأرقام المعلنة حتى الآن لا تمثل سوى جزء محدود من التحليل الكامل للدراسة، وأن التصميم البحثي بُني أصلاً ليكون قابلاً للتوسع والتحديث مع تطورات الميدان. هذا يعني أن ما استندت إليه هذه القراءة، وما استند إليه الإعلان الأولي للنتائج، ليس الصورة الكاملة، بل طبقة أولى من تحليل أعمق لم يُنشر بعده بعد.
الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد
هنا يكمن جوهر القصة كما نراها في سودان ستوري: النتائج أُعلنت، لكن التواصل مع طرفي الحرب، بحسب تصريح عباس نفسه، لم يبدأ بعد. أي أن المرحلة الأصعب — تحويل بيانات ميدانية إلى ورقة تفاوضية تُقرأ فعلاً داخل غرف صنع القرار — لا تزال أمام الفريق، لا خلفه.
التجربة السودانية، وتجارب مشابهة في نزاعات أخرى، تقول إن الفجوة بين إنتاج المعرفة والتأثير في القرار السياسي واسعة عادة. جهات كثيرة أنتجت أوراق سياسات ودراسات ميدانية دقيقة عن نزاعات مسلحة حول العالم، دون أن يعني ذلك بالضرورة وصولها إلى طاولة تفاوض حقيقية، أو تبني الأطراف المتحاربة لأي من توصياتها. فامتلاك بيانات موثوقة شرط ضروري للتأثير، لكنه ليس شرطاً كافياً.
توجهت “سودان ستوري” إلى الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بأسئلة محددة حول علمهما بهذه المبادرة واستعدادهما للتفاعل مع نتائجها، ولم يردّ أي من الطرفين حتى لحظة نشر هذه المادة. هذا الصمت، وإن لم يكن استثنائياً في سياق التعامل السوداني الرسمي مع مبادرات المجتمع المدني، يبقى مؤشراً يستحق التسجيل بذاته: فغياب أي إشارة إلى موقف الطرفين يجعل الحديث عن “عرض النتائج عليهما” وعداً لم يُختبر بعد أكثر منه خطوة منجزة.
سؤال مفتوح
يبقى السؤال الذي لا تستطيع أي دراسة رأي، مهما بلغت دقتها المنهجية، أن تجيب عنه بمفردها: هل يملك من يقاتلون الآن في السودان مصلحة حقيقية في الإصغاء إلى من لا يقاتلون؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تأتي من مركز بحثي أو عينة إحصائية، بل من موازين القوى الفعلية على الأرض وفي غرف الوساطة الدولية. وحتى تتضح تلك الموازين، تظل دراسة فرانسيس دينق وفريقه — التي لا تزال، بشهادة القائمين عليها أنفسهم، في بداية طريقها التحليلي — شاهداً موثقاً على ما يريده السودانيون، أكثر منها ضمانة لما سيحصلون عليه.

