سودان ستوري | ما وراء الخبر

تحقيق — شمال كردفان

في الأبيض، لا تبدأ الحكاية من الخنادق المحيطة بالمدينة، ولا من خرائط السيطرة العسكرية، بل من تنكر ماء.

سيارة كبيرة تتحرك بين الأحياء، تحمل ما يفترض أن يكون خارج منطق الحرب: ماء للشرب. لكن في مدينة يختلط فيها الحصار بالاستهداف، صارت المياه جزءًا من ساحة القتال. جركانة الماء لها سعر يومي، وبرميل الشرب بات مؤشرًا على ضغط المدينة، والوقود الذي يحرك التناكر والشاحنات صار هو الآخر خطًا فاصلًا بين البقاء والحركة والعجز.

منح المطر أهل الأبيض هدنة قصيرة. خفّ العطش قليلًا، وتراجعت أصوات المسيّرات لأيام، لكن بنية الأزمة لم تتغير: مدينة يقطنها أكثر من نصف مليون شخص، بينهم ما لا يقل عن مئة ألف نازح، كثير منهم فرّوا أصلًا من الفاشر ومدن أخرى مزقتها الحرب. تقع المدينة الآن في مساحة رمادية: ليست ساقطة، وليست آمنة؛ ليست مغلقة تمامًا، لكنها ليست مفتوحة بما يكفي.

وهنا تتجاوز الأبيض كونها مدينة تحت ضغط عسكري. إنها اختبار مبكر لقدرة العالم على منع فظائع معلنة قبل وقوعها، لا الاكتفاء بتوثيقها بعد اكتمالها.

شرايين تحت النار: جغرافيا الحصار واقتصاد العطش

في حديث خاص ، يصف المصباح أحمد، رئيس قطاع الإعلام بحزب الأمة القومي، الحياة اليومية في الأبيض باعتبارها اقتصادًا كاملًا للحصار. المياه الجوفية في المدينة، وفق شهادته، مالحة في معظمها وغير صالحة للشرب، ما يجعل السكان رهينة لمياه التحلية والتناكر المتنقلة.

بلغ سعر جركانة المياه، وفق تقديراته، ثلاثة آلاف وخمسمئة جنيه، ووصل في بعض الأحياء إلى خمسة آلاف. أما برميل مياه الشرب فتجاوز أربعة وعشرين ألف جنيه قبل أن يتراجع نسبيًا بفعل الأمطار. وتتقاطع هذه الأرقام مع شهادات صحفية دولية تحدثت عن أسر باتت تنفق عشرات الآلاف يوميًا على الماء والخبز وحدهما. أما الوقود، فيقول المصباح إن جالون الجازولين بلغ خمسة وسبعين ألف جنيه، فيما تجاوز البنزين مئة وخمسين ألفًا.

لكن قيمة الشهادة لا تكمن في الأسعار وحدها. الأهم هو ما تقوله عن طبيعة الاستهداف. يقول المصباح إن تناكر المياه نفسها تعرضت للضرب، رافضًا تبرير استهدافها باعتبارها تناكر وقود. في منطقه، لا يطوف تنكر الوقود على البيوت ليصب الماء للسكان.

شهادة مباشرة
المصباح أحمد، رئيس قطاع الإعلام بحزب الأمة القومي، في حديث خاص .

هذه الشهادة تكتسب وزنها لأنها لا تقف وحدها. فالمفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك قال أمام مجلس حقوق الإنسان إن الأبيض تواجه هجمات مسيّرة متواصلة، وإن مكتبه وثّق خلال ثلاثة أسابيع فقط من يونيو 15 ضربة مسيّرة على المدينة ومحيطها، قتلت ما لا يقل عن 45 مدنيًا. وذكر أن الضربات طاولت أسواقًا ومدارس ومحطات وقود وبنى مائية ومركبات مدنية، في مدينة تعيش أصلًا أوضاعًا شبيهة بالحصار منذ أشهر طويلة.

وتشير معلومات توثيقية اطلعت عليها «سودان ستوري» إلى أضرار واسعة في مرافق مدنية حيوية بين أواخر مايو وأواخر يونيو 2026، شملت محطة الكهرباء التحويلية الرئيسية، ومرافق تخزين وقود، وعددًا من محطات الوقود، إضافة إلى السوق الكبير، وأحياء سكنية، وصهاريج مياه. بذلك، لا يبدو الاستهداف سلسلة حوادث منفصلة، بل ضغطًا متراكمًا على شروط الحياة نفسها: الكهرباء، الماء، الوقود، الحركة، والإمداد.

هذه هي النقطة التي تجعل الأبيض قريبة من الفاشر لا في الرمز، بل في النمط. فالحصار لا يكتمل دائمًا بإغلاق الطريق الأخير. أحيانًا يبدأ بتعطيل ما يجعل البقاء ممكنًا.

الحياة اليومية في الأبيض تحت الحصار
مشهد من الحياة اليومية في الأبيض وسط تصاعد الضغط على المدنيين

الممرات الآمنة أم تمهيد مسرح العمليات؟

في 29 يونيو، أصدرت «حكومة السلام» التابعة لتحالف «تأسيس» — الذراع السياسية المرتبطة بقوات الدعم السريع — بيانًا على لسان المتحدث باسمها خالد دناع، دعت فيه إلى فتح ممرات آمنة تمكّن المدنيين الراغبين في مغادرة الأبيض من الوصول إلى مناطق آمنة، وإلى هدنة إنسانية فورية. واتهم البيان الجيش بمنع المدنيين من الخروج واستخدامهم دروعًا بشرية، وهي اتهامات لم يتسنَّ لـ«سودان ستوري» التحقق منها بشكل مستقل.

لكن وثيقة قانونية موازية دفع بها التحالف إلى مجلس حقوق الإنسان ذهبت في اتجاه مختلف. فالمذكرة، وفق ما اطلعت عليه «سودان ستوري»، تؤكد أن القانون الدولي الإنساني لا يحظر مهاجمة المدن التي تضم أهدافًا عسكرية، وتضع الأبيض ضمن هذا التصنيف باعتبارها تحتوي على قواعد عسكرية وغرف عمليات ومستودعات وقود وذخيرة.

“خطاب يدعو إلى خروج المدنيين، وخطاب آخر يؤسس قانونيًا لاحتمال مهاجمة المدينة”

هنا تظهر مفارقة مركزية في المشهد. الأول يقدّم نفسه بوصفه حماية إنسانية، والثاني يفتح باب تحويل المدينة إلى مسرح عمليات. بين الخطابين، يقف المدنيون أمام سؤال عملي لا تجيب عنه البيانات: إلى أين يذهبون؟ وبأي مال؟ وعلى أي طريق؟ ومن يضمن ألا تصبح رحلة الخروج نفسها هدفًا؟

المصباح أحمد يرفض نقل مركز النقاش إلى خروج السكان. بالنسبة إليه، السؤال الأول يجب أن يكون: لماذا تُهاجم مدينة مكتظة أصلًا؟ وهو لا يعفي الجيش من المسؤولية. يقول إن موقف الدعم السريع غير مقنع، لكن موقف الجيش أيضًا غير مقنع إذا كان موجودًا داخل المدينة ولا يستطيع توفير حماية كافية للمدنيين أو الوصول إلى تسوية تحيدهم عن القتال.

المقترح الذي يطرحه ليس دعوة عامة للتهدئة، بل صيغة محددة: تحييد الأبيض عن العمليات العسكرية. أي نقل القتال، إن استمر، بعيدًا عن أجساد المدنيين ومرافقهم وطرق إمدادهم. في هذا المعنى، تصبح الحماية ليست مجرد ممر للخروج، بل قرارًا بعدم تحويل المدينة نفسها إلى هدف.

الفاشر كدليل سابق لا كاستعارة

لم تعد المقارنة بين الأبيض والفاشر مجازًا سياسيًا. أصبحت جزءًا من أدبيات التحذير الأممي.

في الثامن من يوليو 2026، قالت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان إن قوات الدعم السريع وحلفاءها ارتكبوا في الفاشر أفعالًا ترقى إلى الإبادة الجماعية، بينها القتل الجماعي، والاغتصاب، والخطف، والتجويع المتعمد، ضمن سياسة ممنهجة أثناء الحصار والسيطرة على المدينة. وخلصت البعثة إلى أن تجويع السكان كان جريمة حرب، عبر الحصار المطول وعرقلة الإغاثة واستهداف منظومات إنتاج الغذاء.

المصدر
محمد شندي عثمان، رئيس بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، 8 يوليو 2026.

الأهم بالنسبة إلى الأبيض أن البعثة لم تتعامل مع الفاشر كملف مغلق. فقد حذّر رئيسها من أن الأنماط الموثقة هناك — التطويق، واستهداف البنية التحتية المدنية، وتقييد وصول المساعدات، والانتهاكات الواسعة بحق المدنيين — تشكل إنذارًا صارخًا لما قد يحدث في الأبيض إذا لم يتحرك المجتمع الدولي.

هذه اللغة تنقل الملف من مستوى التخوف إلى مستوى الاستدلال. الفاشر لم تعد ذاكرة دامية فقط؛ صارت نموذجًا موثقًا يمكن القياس عليه: حصار طويل، تجفيف موارد، ضرب مرافق، منع إغاثة، ثم اقتحام وما يرافقه من جرائم.

وتقول الأمم المتحدة إن الأبيض تضم أكثر من نصف مليون مقيم، إضافة إلى ما لا يقل عن مئة ألف نازح داخليًا، وإن المعلومات الأخيرة تشير إلى سيطرة قوات الدعم السريع على معظم الطرق المحيطة بالمدينة باستثناء الاتجاه الشرقي. كما تحدث سكان للمنظمة عن خوف واسع وتحركات عسكرية متزايدة حول المدينة وهجمات مسيّرة على طرق الخروج.

هنا لا يصبح السؤال: هل الأبيض مثل الفاشر تمامًا؟ بل: هل تتكرر المقدمات نفسها بينما يكتفي العالم بتسجيل التشابه؟

نازحون فارون من مناطق النزاع في شمال كردفان
نازحون من الفاشر ومدن أخرى يشكلون جزءًا من سكان الأبيض اليوم

من التحذير إلى سؤال الحماية الدولية

في الثالث من يوليو، أطلق فولكر تورك ما وصفه بـ«الإنذار الأحمر» بشأن الأبيض. شدد على أن الجرائم في السودان كانت متوقعة مع تحذيرات سابقة، لكنها لم تُمنع، ودعا مجلس الأمن إلى تحمل مسؤولياته في منع جرائم الفظائع. كما اعتبر أن الأبيض تقدم مثالًا على سبب الحاجة إلى تقييد استخدام الفيتو في حالات الفظائع الجماعية.

هذا التصعيد في اللغة الأممية يفتح سؤالًا أكبر: ماذا بعد التحذير؟

في الأيام الأخيرة، تصاعدت دعوات نشر قوة دولية ذات تفويض واضح لحماية المدنيين في السودان. ووفق تقرير «إندبندنت عربية»، دعت منظمة العفو الدولية إلى قوة فاعلة لحماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات، ورصد الهجمات على المدنيين والبنية التحتية، وتعزيز المساءلة. ويشير التقرير إلى أن أكثر من 30 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، وأن عدد النازحين واللاجئين تجاوز 15 مليونًا.

أهمية هذا الطرح أنه يحاول سد الفجوة التي كشفتها الفاشر. فقد حذّر العالم، ثم وثّق، ثم أدان. لكن المدنيين تُركوا عمليًا حتى اكتملت الجريمة. في الأبيض، تبدو الدعوة إلى قوة حماية محاولة لتحويل عبارة «يجب ألا تتكرر الفاشر» من موقف أخلاقي إلى آلية ميدانية.

لكن الطريق إلى هذه الآلية ليس مفتوحًا. فترجمة مطلب الحماية إلى قوة على الأرض تصطدم بانقسام مجلس الأمن، وحساسية السيادة، وغياب بعثة سياسية أممية بعد إنهاء ولاية «يونيتامس» في ديسمبر 2023، وصعوبة الانتشار في بلد واسع تتبدل فيه خطوط السيطرة وتنتشر فيه المسيّرات والقصف بعيد المدى. كما أن النقاش بشأن توسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان لا يزال يصطدم بحسابات سياسية وإقليمية معقدة.

لهذا تبدو الأبيض عالقة بين مستويين: مستوى التحذير، وقد صار واضحًا وصريحًا؛ ومستوى الفعل، ولا يزال مكبلًا بالفيتو والسيادة وكلفة الانتشار. وبين المستويين يعيش المدنيون واقعهم اليومي: ماء قليل، وقود نادر، طرق غير آمنة، ومرافق مدنية تحت النار.

الطريق الشرقي: النافذة التي لم تُغلق بعد

ما يجعل الأبيض مختلفة عن الفاشر حتى الآن أن الحصار لم يكتمل بالكامل. تحيط قوات الدعم السريع بالمدينة من الغرب والشمال والجنوب، انطلاقًا من مواقع في أم صميمة وبارا وكازقيل، فيما أقام الجيش شبكة دفاعية من السواتر والخنادق تمتد عشرات الكيلومترات حول المدينة. لكن الطريق الجنوبي الشرقي نحو تندلتي وكوستي لا يزال، حتى الآن، خطًا حاسمًا في المعادلة.

هذا الطريق ليس تفصيلًا لوجستيًا. إنه الفارق بين مدينة تحت ضغط ومدينة مخنوقة بالكامل. عبره يمكن أن تتحرك إمدادات، ويخرج بعض المدنيين، وتبقى نافذة اتصال بين الأبيض وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش.

لكن هذه النافذة نفسها بدأت تتعرض للضغط. ففي الأول من يوليو، تعرضت شاحنة متعاقدة مع مفوضية اللاجئين لضربة مسيّرة قرب تندلتي، وكانت تحمل خمسين طنًا من مواد الإغاثة المخصصة لأسر محتاجة في جنوب كردفان. نجا السائق، لكن الحمولة دُمرت بالكامل، ما ترك آلاف الأشخاص من دون مساعدات عاجلة.

ليست أهمية هذه الواقعة في خسارة شاحنة واحدة فقط، بل في ما تكشفه عن هشاشة خط الإمداد. إذا أصبح الطريق الذي يحمل الإغاثة هدفًا، فإن بقاءه مفتوحًا على الخريطة لا يعني بالضرورة أنه آمن عمليًا. ومع كل ضربة على شاحنة وقود أو إغاثة، تضيق المسافة بين الحصار الجزئي والخنق الكامل.

طرق الإمداد والإغاثة إلى الأبيض
خطوط الإمداد نحو الأبيض تتعرض بدورها للاستهداف المتكرر

بين نفي الحصار وواقع الاختناق

تنفي السلطات المحلية وجود حصار مكتمل حول الأبيض. ويقول والي شمال كردفان عبد الخالق عبد اللطيف إن الجيش يتعامل مع حشود الدعم السريع بقوة واحترافية، بينما تصف مصادر عسكرية الحديث عن إعادة الحصار بأنه حرب نفسية.

لكن شهادات السكان، وأرقام الأمم المتحدة، وتوثيق الهجمات، وتركيز الاستهداف على المرافق المدنية، كلها تصنع صورة مختلفة. ليست صورة مدينة ساقطة، بل مدينة تُدفع تدريجيًا إلى حافة السقوط الإنساني قبل العسكري.

في الحروب، لا تكون الرواية هامشًا. الرواية نفسها تصبح جزءًا من المعركة. نفي الحصار يخفف الضغط السياسي والدولي، والتحذير من تكرار الفاشر يحاول استباق الجريمة. وبين الروايتين، يعيش السكان حياة لا تنتظر حسم المصطلحات.

الماء لا يحتاج إلى تعريف قانوني للحصار حتى ينقطع. والطريق لا يحتاج إلى إعلان رسمي حتى يصبح المرور فيه مخاطرة. والمدينة لا تحتاج إلى سقوط كامل حتى تصبح غير قابلة للحياة.

بهذا المعنى، الأبيض ليست فاشر أخرى بعد. لكنها تسير على طريق سبق أن انتهى هناك.

قبل أن تصبح الأدلة أرشيفًا للجريمة

تختصر عبارة المصباح أحمد — «الأبيض يجب ألا تكون فاشر أخرى» — جوهر اللحظة. لكنها لم تعد مجرد نداء محلي. بعد تحذيرات الأمم المتحدة، وتقرير بعثة تقصي الحقائق، ودعوات الحماية الدولية، أصبحت الأبيض اختبارًا لمعادلة أكبر: هل يمكن منع الجريمة حين تكون مقدماتها موثقة؟

حتى الآن، لا تزال هناك نافذة. الطريق الشرقي لم يُقطع بالكامل. الحصار لم يكتمل نهائيًا. المدينة لم تسقط. والتحذيرات لم تتحول بعد إلى رثاء.

لكن هذه النافذة ضيقة. وإذا لم تُترجم إلى تحييد فعلي للمدينة، وممرات إنسانية آمنة، وضغط دولي مباشر على أطراف الحرب، وآلية حماية قابلة للتنفيذ، فإن الأبيض قد تدخل قريبًا في المسار نفسه الذي انتهى في الفاشر: إنذارات كثيرة، ثم صمت، ثم تحقيقات بعد فوات الأوان.

“تطلب، ببساطة، أن تُعامل كمدينة يسكنها الناس، لا كخريطة عمليات”

المدينة الآن لا تطلب الكثير. تطلب ألا يصبح تنكر المياه هدفًا عسكريًا، وألا يتحول طريق الإغاثة إلى خط نار، وألا يُطلب من المدنيين أن يختاروا بين البقاء تحت القصف أو الرحيل إلى مجهول لا يملك مقومات النجاة.

سودان ستوري… كل حكاية تستحق أن تُروى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *