الأمين العام لـ«صمود» يشدد على استمرار التواصل مع الآلية الخماسية، لكنه يشترط معايير واضحة لاختيار المشاركين في الاجتماعات ورفض إقحام جهات لا وجود لها على الأرض.
نيروبي – عباس محمد إبراهيم | سودان ستوري
كشف الأمين العام للتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، المهندس صديق الصادق المهدي، أن معايير اختيار الجهات المشاركة في الاجتماعات السياسية تمثل إحدى نقاط التحفظ الرئيسية على ترتيبات العملية السياسية التي تسهّلها الآلية الخماسية.
وقال صديق، في مقابلة خاصة مع «سودان ستوري» في العاصمة الكينية نيروبي، إن القوى المدنية ترحب بالتواصل مع الآلية الخماسية وبالدور الذي يمكن أن تضطلع به المنظمات الإقليمية والدولية في مساعدة السودانيين، لكنها تتمسك بأن تكون العملية السياسية «بملكية وقيادة سودانية».

وأوضح أن هذه الملكية يجب ألا تبقى شعاراً عاماً، وإنما ينبغي أن تنعكس في طريقة إعداد الاجتماعات، وتحديد أجندتها، واختيار الأطراف المدعوة إليها، مؤكداً أن ذلك يمثل المعيار الذي تستند إليه القوى المدنية عند اتخاذ قرار المشاركة أو التحفظ أو المقاطعة.
وصديق الصادق المهدي هو الأمين العام للتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، إلى جانب موقعه مساعداً لرئيس حزب الأمة القومي. وقد شارك ضمن قيادات التحالف في اجتماعات قوى «إعلان المبادئ السوداني» التي انعقدت في نيروبي خلال الفترة من 19 إلى 21 يوليو الجاري.
من يجلس إلى الطاولة؟
حدد صديق إحدى نقاط الخلاف في غياب معايير واضحة ومتوافق عليها لتحديد الجهات التي تتم دعوتها إلى الاجتماعات السياسية.
وقال إن التشاور حول المشاركين يجب ألا يقتصر على تحالف «صمود» أو مجموعة سياسية بعينها، وإنما يشمل المكونات السودانية المختلفة، وصولاً إلى حد أدنى من الاتفاق حول الأطراف الرئيسية التي تمتلك وجوداً سياسياً أو اجتماعياً حقيقياً.
وأضاف:
«يجب أن تكون هناك مرجعيات واضحة لمن تتم دعوتهم إلى الاجتماعات.»
وتابع أن العملية ينبغي أن تتجنب إقحام «الجهات المصنوعة التي ليس لها وجود على الأرض»، من دون أن يحدد أسماء الجهات التي يقصدها، مكتفياً بالقول إن تحديد الأطراف الرئيسية يمكن أن يكون موضع اتفاق أو اختلاف، لكنه يحتاج إلى معايير معلنة وتشاور مسبق.
وتضع هذه الإفادة مسألة التمثيل في قلب الخلاف حول العملية السياسية. فالنقاش، وفقاً لحديث صديق، لا يدور فقط حول أجندة التسوية أو مواقف الأطراف من الحرب، وإنما يمتد إلى السؤال عمن يحق له الجلوس إلى طاولة الحوار، ومن يملك تحديد وزن القوى المشاركة وصفاتها.
لا قطيعة مع الخماسية
حرص الأمين العام لـ«صمود» على الفصل بين الاعتراض على بعض ترتيبات العملية السياسية ورفض الدور الدولي نفسه.
وقال إن التواصل مع الآلية الخماسية يجب أن يستمر، وإن قناة الاتصال معها ينبغي أن تظل مفتوحة، مشيراً إلى أن الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد وغيرهما من المؤسسات الإقليمية والدولية ظلت جزءاً من جهود معالجة الأزمة السودانية.
لكنه شدد على أن دور هذه الجهات يجب أن يظل في نطاق التيسير والمساعدة، لا أن يتحول إلى سلطة منفردة تحدد أجندة الاجتماعات والمشاركين فيها من دون تشاور كافٍ مع القوى السودانية.
وأضاف أن الاجتماعات المدعو إليها يجب أن تخاطب أولويات السودانيين، وفي مقدمتها وقف الحرب، وحماية المدنيين، وتحديد مسار سياسي يعبر عن تطلعات السودانيين أنفسهم.
وكان البيان الختامي لاجتماعات «إعلان المبادئ» قد طالب بإجراء مراجعات جوهرية للعملية السياسية، وإطلاق حوار بملكية سودانية، ضمن مقاربة تجمع بين الهدنة الإنسانية وحماية المدنيين والمسار السياسي المدني. كما أقر المجتمعون برنامج عمل للأشهر الثلاثة المقبلة يشمل المسارات السياسية والدبلوماسية والإنسانية والإعلامية والحقوقية.
المؤتمر الوطني خارج النقاش
ونفى صديق أن تكون الآلية الخماسية قد طرحت على القوى المدنية دعوة حزب المؤتمر الوطني المحلول إلى الاجتماعات المقبلة.
وقال إن هناك موقفاً متفقاً عليه بشأن المؤتمر الوطني، لكنه أوضح أن مسألة دعوته لم تُطرح عليهم أصلاً من الخماسية، بما يعني أن التحفظات الحالية تتركز على قضايا أخرى تتعلق بمعايير المشاركة وتصميم العملية السياسية.
وكانت قوى «إعلان المبادئ» قد جددت، في بيانها الختامي، رفضها مشاركة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما في أي تسوية سياسية مقبلة، وربطت ذلك بمسؤولية النظام السابق عن تفكيك مؤسسات الدولة وتكوين الجيوش الموازية وإضعاف الانتقال المدني.
بين احتكار المرجعية والوصاية الدولية
تكشف إفادات صديق عن موقف يحاول السير بين خطين: رفض احتكار السلطة القائمة في بورتسودان لمرجعية الحل السياسي، وفي الوقت نفسه رفض انتقال سلطة تصميم العملية إلى الوسطاء الدوليين.
وكان القيادي في حزب البعث وعضو قوى «إعلان المبادئ»، وجدي صالح، قد قال في إفادة سابقة لـ«سودان ستوري» إن السلام لا يمكن أن يقوم على «احتكار المرجعية»، رافضاً حصر أي تفاوض في خارطة الطريق التي تطرحها السلطة القائمة.
وطرح وجدي مساراً يبدأ بهدنة إنسانية، تعقبها ترتيبات لوقف مؤقت ثم دائم لإطلاق النار، وصولاً إلى معالجة القضايا الأمنية والسياسية.
وبجمع الموقفين، يتضح أن القوى المشاركة في «إعلان المبادئ» لا تعترض على وجود وساطة أو تيسير دولي، لكنها تريد أن تستند العملية إلى رؤية سودانية، وأن يجري الاتفاق على المشاركين وأوزانهم وأجندة الاجتماعات قبل انعقادها.
وتواجه هذه الرؤية اختباراً عملياً يتعلق بكيفية تعريف «القوى الحقيقية» والتمييز بينها وبين الجهات التي يصفها صديق بأنها مصنوعة. فالقوى السياسية السودانية منقسمة حول شرعية التحالفات القائمة، كما أن الحرب أعادت تشكيل مراكز النفوذ والتمثيل داخل البلاد وخارجها.
ولذلك فإن اعتماد معيار الوجود على الأرض وحده قد يفتح بدوره خلافات جديدة حول وزن القوى المدنية التي تعمل في المنفى، والكيانات التي نشأت خلال الحرب، والمجموعات الموجودة في مناطق سيطرة طرفي القتال.
خلاف حول التصميم لا حول ضرورة الحوار
تكشف إفادات صديق عن تفاوض جارٍ حول قواعد العملية السياسية قبل انطلاقها، لا عن قطيعة وشيكة بين «صمود» والآلية الخماسية.
فقد انتقل الخلاف من مسألة ضرورة الحوار أو توقيته إلى الجهة التي تصمم مساره، وتحدد أطرافه، وتقرر من يمثل السودانيين داخله.
وتتمسك القوى المدنية، وفقاً لصديق، باستمرار التواصل مع المجتمع الدولي والاستفادة من ثقله في الضغط لوقف الحرب، لكنها تريد في المقابل أن تكون للفاعلين السودانيين الكلمة الأساسية في وضع الترتيبات السياسية.
وبذلك تنتقل معركة العملية السياسية من سؤال: متى تبدأ؟ إلى سؤال أكثر تعقيداً: من يملك حق بنائها، ومن يقرر أسماء الجالسين إلى طاولتها؟

