
بقلم: عباس محمد إبراهيم
في كل حرب أهلية تطول، تأتي لحظة يبدأ فيها من رفضوا الحديث عن “الواقعية” في استدعائها وحدها. هذا ما يحدث الآن في السودان. فمنشور خالد عمر يوسف الأخير، وإن بدا تعليقاً عابراً على نقاش متكرر، يلامس في الحقيقة سؤالاً أعمق من مجرد: هل نتحاور مع المؤتمر الوطني؟ السؤال الأهم هو: هل يمكن إخراج بلد من حرب من دون أن يُدفع للذين أوقدوها ثمن استمرارها؟
فخ التفاوض والتجربة المقارنة
التجربة المقارنة تقول إن هذا السؤال ليس سودانياً بالكامل. من جنوب أفريقيا إلى كولومبيا، واجهت عمليات الانتقال السياسي هذا الفخ نفسه: التفاوض ضروري لإنهاء القتال، لكن من يُدعى إلى طاولته غالباً هم، بدرجات مختلفة، من امتلكوا القدرة على إشعاله أو إطالته. الفارق بين انتقال ناجح وآخر فاشل لم يكن في وجود الحوار أو غيابه، بل في شروطه: من يحضر، وبأي صفة، وماذا يُطلب منه في المقابل.
تعقيدات المشهد الإسلامي في السودان
السودان يواجه نسخته الخاصة من هذا الفخ، وهي نسخة أكثر تعقيداً. فـ”الإسلاميون” في الخطاب السياسي السوداني ليسوا كتلة واحدة، رغم أن كثيرين يتعمدون التعامل معهم كذلك. هناك المؤتمر الوطني، التنظيم الذي حكم ثلاثين عاماً، وسقط بثورة شعبية، ثم حُلّ قانونياً. وهناك الحركة الإسلامية، الشبكة الأعمق التي امتدت جذورها داخل الجيش والأمن والاقتصاد والإعلام، ولم يُفكك معظمها رغم سقوط التنظيم السياسي الذي كان واجهتها. وهناك، أخيراً، تيار محافظ أو إسلامي أوسع داخل المجتمع السوداني، لا صلة مباشرة له بالانقلاب ولا بإدارة الحرب.
الخلط بين هذه الطبقات الثلاث ليس سهواً عفوياً، بل أداة سياسية. فمن يريد حماية المؤتمر الوطني من المحاسبة يستدعي “التيار الإسلامي” و”حق المواطنين في المعتقد” كلما وُجّه نقد سياسي مباشر إلى تجربة الحكم والتمكين. ومن يريد، في المقابل، إغراق النقاش في التعميم، يتجاهل الفروق الدقيقة بين تنظيم سقط، وشبكة لم تُفكك، وتيار اجتماعي لا ينبغي تحميله مسؤولية ما لم يصنعه.
المفارقة في خطاب الحرب
والمفارقة التي يضع خالد عمر يوسف يده عليها دقيقة: لأشهر طويلة، أنكر خطاب رسمي وشبه رسمي أي دور مركزي للمؤتمر الوطني في الحرب، وصوّرها حصراً كمعركة ضد عدوان خارجي أو مؤامرة دولية. والآن، يعود بعض من رفع هذا الخطاب نفسه ليقول إن وقف الحرب يستحيل دون مقعد للمؤتمر الوطني على طاولة الحل. فإن لم يكن طرفاً في الحرب، فكيف صار مفتاحاً لإنهائها؟ وإن كان مفتاحاً لإنهائها، فعلى أي أساس أُنكر دوره في إشعالها أو تغذيتها؟
هذا التناقض لا يكشف عن سذاجة فكرية بقدر ما يكشف عن وظيفة سياسية: استخدام “الواقعية” غطاءً لإعادة تأهيل من يصعب إعادة تأهيلهم بالحجة المباشرة.
شروط السلام المستدام
لكن الإقرار بهذا لا يعني رفض التفاوض كمبدأ. فالسياسة لا تُدار بالنقاء وحده، ولا حرب تنتهي عادة دون التحدث إلى من يملكون القدرة على إطالتها أو إيقافها. السؤال الحقيقي ليس: حوار أم لا؟ بل: حوار بأي شروط؟ هناك فارق جوهري بين تفافض يهدف إلى تفكيك شبكات الحرب وإخضاعها لمساءلة فعلية، وتسوية تمنحها مقعداً سياسياً مكافأة على بقائها قادرة على التعطيل.
وقف الحرب فعلياً يستدعي ترتيبات معقدة: إطلاق نار يصمد، حماية للمدنيين، ممرات إنسانية آمنة، معالجة جادة لتعدد الجيوش، ومؤسسات دولة تُعاد بناؤها لا يُعاد توزيعها على من دمّروها. أما إذا تحول وقف القتال إلى ممر خلفي يستعيد عبره المؤتمر الوطني نفوذه، أو يعود عبره جناح من الحركة الإسلامية إلى قلب جهاز الدولة، فإن ما سينتج لن يكون سلاماً مستقراً، بل هدنة هشة تعيد توزيع السلطة دون أن تغيّر شيئاً في بنيتها.
الخلاصة: ما يحتاجه السودان
ولا يكفي، في المقابل، أن يُرفع شعار “لا مكافأة لمن صنع الحرب” دون إجابة عن أسئلة عملية أكثر صعوبة: كيف تُستعاد الخدمة المدنية والأمن والمال العام من قبضة شبكات تمكين امتدت لعقود؟ كيف يُفتح المجال السياسي لتيار محافظ لم يتورط في الحرب، دون أن يتحول ذلك الانفتاح إلى جسر يعبر عليه من تورط فيها؟ ومن يطالب بالمحاسبة عليه أن يحمل أيضاً عبء الإجابة عن آلياتها، لا أن يكتفي بإعلان المبدأ.
السودان ل يحتاج إلى شيطنة جماعية لمواطنين بسبب قناعاتهم الدينية، ولا إلى معاملة كل محافظ كمتهم بالشراكة في الانقلاب أو الحرب. لكنه يحتاج، بالقدر نفسه، إلى خط سياسي واضح يفرّق بين حق المشاركة وحق الإفلات من المساءلة؛ خط يحمي الانتقال من إعادة إنتاج أسبابه تحت غطاء “الواقعية” أو “ضرورات السلام”.
فوقف إطلاق الرصاص ليس نهاية المعركة، بل بدايتها الحقيقية في شكل آخر. والسلام الذي لا يفكك شبكات من صنعوا الحرب، ولا يمنع عودة التمكين بثوب جديد، قد يُسكت البنادق مؤقتاً، لكنه سيترك الجمر تحت الرماد.

