بين السخرية التي تولد من معرفة، والسخرية التي تولد من خفة عابرة: قراءة في الفارق بين الكتابة التي تلمس المعنى، والكتابة التي تلاحق التفاعل.
للكتابة أصولها وشروطها. ليست مجرد كلمات تُرضّ، ولا حروف تُربط ببعضها بحثًا عن الإعجابات والتفاعل. وما تشجعه خوارزميات فيسبوك أحيانًا من كتابة عابرة، أو ما يمكن تسميته بـ”الكتابة الساي”، لا يعني أن عقول القراء تعمل بالطريقة نفسها. فالناس ليسوا خوارزميات؛ لديهم ذاكرة، وذائقة، وقدرة على التفكير النقدي والمراجعة والتمييز.
قرأت منشورين لمعتصم أقرع عن كأس العالم. بدا فيهما أنه يحاول أن يكون ساخرًا، أو أن يضفي على كرة القدم مسحة ضاحكة. لكن السخرية، مثل الكتابة نفسها، تحتاج إلى معرفة قبل الخفة، وإلى حسّ قبل العبارة، وإلى قدرة على التقاط المفارقة من داخل معناها، لا من القفز فوقها.
في المنشور الأول، يربط بين الحرس الثوري الإيراني والفيفا، مستندًا إلى تصريح معتاد من مسؤولي الاتحاد الدولي عن المنتخبات ونتائجها. ربط كهذا قد يُقدَّم بوصفه نكتة، لكنه لا يصنع مفارقة بقدر ما يكشف ثقل الفكرة نفسها. فليست كل مصادفة تصلح لأن تكون سخرية، وليست كل قفزة بين موضوعين تصنع ذكاءً أو خفة.
ثم يأتي منشور آخر عن منتخب المغرب، يقول فيه إن الفريق قد يحتاج إلى “سحرة” للصعود. والسؤال هنا ليس عن حق الكاتب في السخرية من منتخب أو مباراة، بل عن معرفة السياق قبل إطلاق النكتة. أين كان هذا الكلام من نسخة 2022، حين صنع المغرب واحدة من أعظم حكايات كرة القدم العربية والإفريقية؟ وأين هو من نسخة 2026، وقد عاد المغرب ليؤكد أن ما حدث قبل أربع سنوات لم يكن ومضة عابرة، وهو يقصي كندا مجددًا، هذه المرة من دور الستة عشر، ويمضي إلى ربع النهائي؟
الكتابة عن كرة القدم ليست شأنًا خفيفًا كما يظن البعض. كرة القدم، في لحظاتها الكبرى، تكشف السياسة، والهوية، والهامش، والخيبة، والحلم، والذاكرة الجماعية. ولهذا كتب عنها كبار الأدباء لا بوصفها لعبة فقط، بل بوصفها مساحة إنسانية مكتملة.
يكفي أن نتذكر محمود درويش. في عام 1982، كانت بيروت تحت الحصار، والطائرات الإسرائيلية تقصف المدينة. وسط ذلك الجحيم، كان درويش يبحث عن طريقة لمشاهدة كأس العالم. جهاز تلفزيون، وبطارية سيارة، وملجأ تحت الأرض. في “ذاكرة للنسيان”، تحولت كرة القدم إلى نافذة صغيرة للهواء وسط الموت. كتب عن باولو روسي، لا كما يكتب مشجع عابر، بل كما يكتب شاعر يرى في الملعب امتدادًا لرغبة الإنسان في النجاة.
“بين أن تكتب عن كأس العالم لأنك ترى فيه العالم، وأن تكتب عنه فقط لأن التايم لاين يتحدث عنه.”
بعدها بسنوات، كتب درويش عن مارادونا، وعن ذلك الفراغ الذي يتركه البطل حين يغادر المسرح. وكتب عن سقراط وبلاتيني وغيرهما، لا لأن كرة القدم كانت موضوعًا جانبيًا، بل لأنها، حين تُرى بعمق، تصبح مرآة لشيء أكبر من النتيجة والهدف والبطولة.
ولم يكن درويش وحده من رأى في كرة القدم أكثر من لعبة. في أمريكا اللاتينية، كتب إدواردو غاليانو عن الكرة كما تُكتب سيرة الشعوب: عن اللاعب الفقير، والملعب الشعبي، والمهارة التي تقاوم السوق، والجمال الذي ينجو من ابتذال المال والسياسة. عند غاليانو، كما عند درويش، لا تكون كرة القدم مجرد تسلية؛ بل طريقة أخرى لفهم الإنسان حين يركض خلف معنى، لا خلف كرة فقط.
هذا هو الفارق بين الكتابة التي تلمس المعنى، والكتابة التي تلاحق التفاعل. بين السخرية التي تولد من معرفة، والسخرية التي تولد من خفة عابرة. بين أن تكتب عن كأس العالم لأنك ترى فيه العالم، وأن تكتب عنه فقط لأن التايم لاين يتحدث عنه.
لا نطلب من كل كاتب أن يكون محمود درويش، ولا من كل منشور عن كرة القدم أن يكون نصًا أدبيًا خالدًا. لكننا نطلب، على الأقل، أن تحترم الكتابة موضوعها وقارئها. فحتى النكتة تحتاج إلى معرفة، وحتى السخرية تحتاج إلى ذوق، وحتى كرة القدم، في كأس العالم، تستحق أكثر.

