معلومات موثوقة عن إعادة تحريك ملفات جُمّدت بعد 25 أكتوبر تفتح أسئلة تتجاوز الإجراءات القانونية: هل تستخدم السلطة القائمة في بورتسودان إرث لجنة إزالة التمكين للضغط على الإسلاميين، أم بدأت بالفعل إعادة رسم التحالفات التي صنعها النزاع المسلح؟

خاص : سودان ستوري 

بدأت السلطة القائمة في بورتسودان تحريك بلاغات ظلت مجمدة لسنوات، ودُوّنت خلال فترة عمل لجنة إزالة التمكين في مواجهة شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي، وفق معلومات حصلت عليها «سودان ستوري» من مصدر رفيع مطلع على الملف.

ولم يتضح حتى الآن نطاق البلاغات التي أعيد تحريكها، ولا أسماء جميع المشمولين بها، كما لم تتوفر معلومات كافية تحدد ما إذا كانت الإجراءات وصلت إلى مرحلة الاستدعاءات وأوامر القبض أو اقتصرت على إعادة الملفات إلى مسار التحري.

لكن أهمية الخطوة لا تتوقف عند مضمون البلاغات نفسها. فالسلطة التي بدأت الآن في تحريك بعض هذه الملفات هي ذاتها التي جُمّدت في عهدها لجنة إزالة التمكين عقب إجراءات 25 أكتوبر 2021، وهو ما يحول التطور إلى مؤشر سياسي يستحق القراءة إلى جانب التحولات الجارية في العلاقة بين قيادة الجيش والإسلاميين، ومحاولات فتح مسارات جديدة للحوار مع القوى المدنية.

من التجميد إلى إعادة استخدام الملفات

شكّلت لجنة إزالة التمكين في ديسمبر 2019، ومنحها قانونها صلاحيات واسعة لتفكيك شبكات النظام السابق واسترداد الأموال والأصول، كما عملت معها نيابات مختصة وتكوّنت خلال فترة نشاطها ملفات وبلاغات متعددة. وفي 25 أكتوبر 2021 أعلن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تجميد عمل اللجنة إلى حين مراجعة قانونها، قبل أن تبدأ سلسلة من الإجراءات القضائية والإدارية التي ألغت أو راجعت عدداً من قراراتها.

محمد الفكي سليمان، نائب رئيس لجنة إزالة التمكبن

وظل التجميد قائماً على المستوى الرسمي، رغم إعلان قيادات اللجنة في مارس 2026 استئناف نشاطها ومواصلة ملاحقة الشبكات المالية والتنظيمية المرتبطة بنظام عمر البشير والحركة الإسلامية. ولم يكن إعلان اللجنة، في حد ذاته، كافياً لاستعادة قدرتها التنفيذية القديمة، نظراً إلى أن أدوات التنفيذ — النيابة وأجهزة الدولة والمؤسسات الحكومية — بقيت خارج سيطرتها.

ولهذا تحمل المعلومة الجديدة معنى مختلفاً: فالجهة التي بدأت، وفق المعلومات المتاحة، تحريك ملفات تعود إلى حقبة عمل اللجنة هي أجهزة واقعة تحت السلطة القائمة في بورتسودان، لا اللجنة نفسها التي تعلن ملاحقتها.

وهذه مسافة سياسية كبيرة.

لماذا الآن؟

يأتي التطور في لحظة تشهد فيها بورتسودان تحركات سياسية متزامنة في أكثر من اتجاه.

ففي 8 أغسطس كشفت تقارير عن مشاورات غير معلنة أجراها البرهان مع قوى سياسية ومدنية وشخصيات اجتماعية، وناقشت إجراءات لتهيئة المناخ لحوار سياسي، بينها إسقاط أو شطب بلاغات في مواجهة قيادات معارضة، بعضها يتضمن اتهامات تصل عقوبتها إلى الإعدام.

وبعدها أعلن محمد سيد أحمد الجاكومي أن البرهان وافق على طلب يتعلق بشطب بلاغات في مواجهة قيادات في تحالف «صمود»، مع بقاء مسائل الحق الخاص خاضعة لإجراءاتها القانونية.

إذا وضعت هذه التحركات إلى جانب إعادة فتح ملفات ضد إسلاميين، تظهر صورة لافتة: تخفيف محتمل للضغط القانوني على جزء من القوى المدنية المعارضة، مقابل إعادة تفعيل ملفات قانونية ظلت مجمدة في مواجهة شخصيات من التيار الإسلامي.

هذه الصورة وحدها لا تكفي للقول إن البرهان اتخذ قراراً بفك ارتباطه بالإسلاميين. مع ذلك، فإنها تشير إلى أنه يمتلك الآن أوراقاً يستخدمها في اتجاه مختلف عن السنوات الأولى التي أعقبت 25 أكتوبر.

مواجهة أم إعادة ضبط؟

من المبكر وصف ما يجري بأنه مواجهة بين البرهان والحركة الإسلامية.

فالنزاع المسلح الذي اندلع في أبريل 2023 خلق علاقة شديدة التعقيد بين قيادة الجيش والتيار الإسلامي. استفاد الجيش من مقاتلين وشبكات سياسية وتنظيمية مرتبطة بالإسلاميين، بينما استفاد الإسلاميون من النزاع المسلح في العودة إلى المجال العام واستعادة جانب من نفوذهم داخل مؤسسات الدولة.

وكشف تحقيق لوكالة رويترز في يوليو 2025 عن مساعٍ داخل الحركة الإسلامية للعودة إلى الحياة السياسية مستفيدة من مساندتها للجيش، بينما ظل البرهان يؤكد أنه لن يسمح بعودة حزب المؤتمر الوطني المحلول إلى السلطة. ووصف التحقيق علاقة تقوم على حاجة متبادلة، لكنها تحمل في داخلها صراعاً حول شكل السلطة بعد النزاع المسلح ومن يمتلك قرارها.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن يكون تحريك البلاغات أداة لإعادة ضبط ميزان القوة أكثر منه إعلان حرب سياسية.

الرسالة المحتملة للإسلاميين هنا واضحة: مساهمتكم في النزاع المسلح لا تعني انتقال قرار الدولة إليكم، ولا تمنح حصانة دائمة للملفات التي جُمّدت بعد سقوط الحكومة الانتقالية.

لكن هناك احتمالاً آخر يجب ألا يُستبعد: أن تكون الإجراءات انتقائية، وأن تستهدف أشخاصاً أو دوائر بعينها في إطار صراعات داخل معسكر بورتسودان أو تصفية حسابات سياسية، من دون أن تمس البنية الأساسية لنفوذ الحركة الإسلامية.

الفارق بين الاحتمالين ستحدده أسماء الذين ستُفتح ملفاتهم وطبيعة الإجراءات التي ستُتخذ بحقهم، أكثر مما تحدده الخطب السياسية.

العامل الخارجي

يصعب أيضاً فصل التحرك عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة ببورتسودان.

في سبتمبر 2025 طرحت الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر خارطة طريق بشأن السودان نصت صراحة على رفض أي دور لجماعة الإخوان المسلمين والجماعات المرتبطة بها في مستقبل الحكم، بالتزامن مع عقوبات أميركية استهدفت شخصيات وتشكيلات مرتبطة بالتيار الإسلامي.

وفي 9 مارس 2026 أدرجت الولايات المتحدة الحركة الإسلامية السودانية، تحت مسميات من بينها «الإخوان المسلمون في السودان»، على قائمة العقوبات المرتبطة بالإرهاب.

ولي العهد السعودي و البرهان

لا توجد حتى الآن أدلة تسمح بالقول إن إعادة تحريك البلاغات جاءت استجابة مباشرة لضغط خارجي. مع ذلك، قد تمنح الخطوة، إذا توسعت، قيادة بورتسودان ورقة مهمة في اتصالاتها الخارجية: القدرة على القول إنها لا تمنح الحركة الإسلامية غطاءً سياسياً مفتوحاً، وإن مؤسسات الدولة قادرة على مساءلة شبكات النظام السابق.

ومن هنا قد يكون التحرك موجهاً إلى جمهورين في وقت واحد: الإسلاميون في الداخل، والشركاء الإقليميون والدوليون في الخارج.

هل تعود لجنة إزالة التمكين؟

هذا هو السؤال الأكثر حساسية.

تحريك البلاغات لا يعني قانونياً رفع تجميد لجنة إزالة التمكين.

حتى الآن لا يوجد قرار معلن يعيد اللجنة إلى وضعها المؤسسي الذي كانت عليه قبل 25 أكتوبر 2021، ولا قرار رسمي معروف يعيد إليها سلطاتها السابقة. ومع ذلك، يمكن أن يمثل التطور شيئاً آخر ربما يكون أكثر أهمية: إعادة تشغيل بعض أدوات إزالة التمكين من دون إعادة اللجنة نفسها.

وجدي صالح مقرر لجنة ازالة التمكين

يمكن للسلطات، نظرياً، أن تترك اللجنة مجمدة سياسياً، وفي الوقت نفسه تسمح للنيابة والجهات العدلية بإعادة فتح ملفات جنائية ومالية نشأت خلال فترة عملها.

هذا النموذج يمنح البرهان هامشاً أكبر للحركة. فهو يستطيع استخدام ملفات النظام السابق لمواجهة الفساد أو الضغط على شبكات إسلامية، من دون إعادة مؤسسة ارتبطت سياسياً بقوى الثورة والحكومة الانتقالية، ومن دون إعادة كامل الصلاحيات الاستثنائية التي أثارت جدلاً واسعاً حول اللجنة.

بمعنى آخر، يتحول السؤال المقبل من: هل سيعيد البرهان لجنة إزالة التمكين؟
إلى: هل سيعيد استخدام ملفاتها وأدواتها بعدما أبقى مؤسستها مجمدة لخمس سنوات؟

ثلاثة سيناريوهات

المؤشرات المتاحة حتى الآن تضع ثلاثة احتمالات أمام ما يجري.

الأول، وهو الأقرب في المرحلة الحالية: استخدام البلاغات كورقة ضغط لإعادة ضبط العلاقة مع الإسلاميين، بالتزامن مع محاولة توسيع المساحة السياسية أمام قوى مدنية أخرى. وفي هذا السيناريو قد تتحرك بعض الملفات ثم تتوقف وفقاً للتفاهمات وموازين القوى.

الثاني: أن تكون الخطوة بداية تحول أعمق يقوده البرهان لتقليص نفوذ الإسلاميين داخل معسكره، خصوصاً إذا أصبحت علاقتهم بالجيش عبئاً على أي تسوية دولية أو انتقال سياسي محتمل. وسيحتاج هذا السيناريو إلى إجراءات تتجاوز البلاغات لتصل إلى المواقع الحكومية والاقتصادية والأمنية وشبكات المال.

الثالث: أن تكون العملية محدودة وانتقائية، مرتبطة بصراعات بين مراكز النفوذ أو بتصفية حسابات مع أشخاص محددين، من دون وجود قرار استراتيجي بمواجهة الحركة الإسلامية ككتلة.

وحتى الآن لا توجد معطيات كافية لحسم أي من السيناريوهات الثلاثة بصورة نهائية.

الاختبار الحقيقي

الاختبار الحقيقي يكمن فيما يحدث بعد إعلان إعادة فتح بلاغ أو اثنين، أكثر من كونه في الإعلان نفسه.

إذا ظهرت استدعاءات وأوامر قبض فعلية، وإذا شملت الإجراءات شخصيات ذات وزن سياسي أو اقتصادي، وانتقلت من القضايا الفردية إلى ملفات الشركات والأموال والأصول والشبكات التنظيمية، فسيكون من الصعب تفسير الأمر باعتباره مجرد مناورة محدودة.

طه عثمان، مقرر لجنة إزالة التمكبن

أما إذا بقي التحرك في نطاق عدد صغير من الملفات، أو استهدف خصوماً داخل التيار الإسلامي بينما ظلت شبكات أخرى محمية، فستتعزز فرضية تصفية الحسابات وإدارة التوازنات.

كذلك سيكون تحديد الجهة التي أصدرت الأمر بإعادة تحريك البلاغات عاملاً حاسماً. فالفرق كبير بين إجراء اتخذته نيابة مختصة ضمن سلطاتها القانونية، وبين توجيه سياسي صادر من المستويات العليا للسلطة بإعادة فتح مجموعة من الملفات المجمدة.

بعد خمس سنوات من تجميد لجنة إزالة التمكين، لا تكمن أهمية التطور الجديد في مصير اللجنة وحدها.

القضية الأوسع هي أن السلطة التي أوقفت إحدى أبرز أدوات تفكيك نظام البشير قد تكون بدأت الآن في استعادة بعض ملفاتها، في اللحظة نفسها التي تبحث فيها عن صيغة جديدة لعلاقتها بالقوى المدنية وبالإسلاميين معاً.

وإذا تحول هذا التحرك من حالات منفردة إلى مسار مؤسسي، فقد يصبح واحداً من أول المؤشرات العملية على أن التحالفات التي تشكلت تحت ضغط النزاع المسلح بدأت تدخل مرحلة إعادة الحسابات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *