ما وراء الخبر
قال مندوب السودان إن المدنيين استقالوا طوعاً فاضطر الجيش إلى ملء الفراغ. لكن بين الجملتين واقعة غابت عن روايته: اعتقال عبدالله حمدوك وحل حكومته قبل استقالته بأكثر من شهرين.
تقرير: سودان ستوري
في قاعة مجلس الأمن، صباح الاثنين 24 أغسطس 2026، لم يكن السفير الحارث إدريس بحاجة إلى البحث عن وثائق بعيدة حتى يختبر روايته عن 25 أكتوبر 2021. الوثائق كانت، عملياً، في المكان نفسه الذي يتحدث منه.
قال مندوب السودان لدى الأمم المتحدة إن القوات المسلحة «لم تأتِ للسلطة عبر انقلاب»، وإن الحكومة المدنية «قدمت استقالتها طواعية»، ولذلك أصبح «لزاماً» ملء الفراغ، مضيفاً بالإنجليزية أن الجيش لم يكن بمقدوره to cut and run، أي أن ينسحب ويترك البلاد.
تكمن المشكلة الحقيقية في الواقعة التي اختفت بين جملتين: متى استقالت الحكومة؟ ومتى استولى الجيش على السلطة؟ وهي مشكلة تتجاوز صياغة العبارة الإنجليزية أو حق الحارث في الدفاع عن الجيش.
هنا لا توجد مساحة كبيرة للتأويل.
في 25 أكتوبر 2021 لم يكن عبدالله حمدوك رئيس وزراء مستقيلاً. كان رئيساً للحكومة الانتقالية عندما اعتقلته القوات العسكرية، واعتُقل معه وزراء ومسؤولون مدنيون، وحُل مجلس الوزراء ومجلس السيادة وأُعلنت حالة الطوارئ وعُلقت أجزاء من الوثيقة الدستورية.
في اليوم نفسه، لم تستخدم الأمم المتحدة تعبيراً ملتبساً. الأمين العام أنطونيو غوتيريش أدان ما سماه «الانقلاب العسكري الجاري»، وطالب بالإفراج عن حمدوك وإعادة الترتيبات الدستورية. وبعد ثلاثة أيام، قال مجلس الأمن إن ما وقع في السودان كان «استيلاءً عسكرياً على السلطة»، وطالب السلطات العسكرية بإعادة الحكومة الانتقالية المدنية.
وفي 26 أكتوبر، ذهب الاتحاد الأفريقي أبعد من ذلك: أدان «استيلاء الجيش السوداني على السلطة» و«حل الحكومة الانتقالية»، ووصف الأمر بأنه تغيير غير دستوري للحكم، وعلّق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد إلى حين استعادة السلطة الانتقالية بقيادة مدنية.
الفراغ، وفق هذا التسلسل، لم يسبق تدخل الجيش. الفراغ جاء بعد أن حُلّت المؤسسات.
استقالة جاءت بعد الانقلاب
حتى لو افترضنا أن الحارث كان يشير إلى استقالات المدنيين التي حدثت لاحقاً، فإن الزمن يفسد الرواية مرة أخرى.
في 21 نوفمبر 2021، أي بعد نحو أربعة أسابيع من 25 أكتوبر، أعاد الجيش حمدوك إلى منصبه بموجب اتفاق سياسي مع عبدالفتاح البرهان. وفي اليوم التالي قدم 12 وزيراً مدنياً استقالاتهم احتجاجاً على ذلك الاتفاق مع العسكريين.
أما حمدوك نفسه فلم يستقل إلا في 2 يناير 2022.
أي بعد 69 يوماً من حل حكومته واعتقاله في 25 أكتوبر.
وبالتالي، إذا كان الحارث يقصد استقالة حمدوك، فقد جعل حدثاً وقع في يناير 2022 سبباً لحدث وقع في أكتوبر 2021. وإذا كان يقصد الوزراء الذين استقالوا، فإن استقالاتهم أيضاً جاءت بعد الاستيلاء العسكري على السلطة، لا قبله.
هذه ليست مشكلة في وجهات النظر السياسية. إنها مشكلة في ترتيب التقويم.
حكومة «محاصصة».. لكن الجيش كان شريكاً فيها
أضاف الحارث أن الحكومة المدنية قامت على «محاصصة سياسية» لا عبر انتخابات.
الجزء الأول صحيح: حكومة الانتقال لم تأت عبر انتخابات عامة. لم يزعم أحد أنها حكومة منتخبة؛ كانت حكومة انتقالية يفترض أن تقود البلاد إلى الانتخابات.
لكن الجزء الذي تغفله العبارة أن ترتيبات تلك المرحلة لم تفرضها القوى المدنية على الجيش.
الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية لعام 2019 كانا اتفاقاً بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير. ونص الاتفاق على مجلس سيادة يضم خمسة عسكريين يختارهم المجلس العسكري وخمسة مدنيين تختارهم قوى الحرية والتغيير وعضواً مدنياً متوافقاً عليه. كما مُنح المكون العسكري حق اختيار مرشحي وزارتي الدفاع والداخلية.
فإذا كانت تلك الصيغة «محاصصة»، فإن الجيش لم يكن مراقباً خارجها.
كان أحد أطراف المحاصصة نفسها.
وعدم انتخاب حكومة انتقالية لا يمنح أحد شركائها تلقائياً سلطة حلها واعتقال رئيسها. الوثيقة الدستورية هي التي كانت تحدد ترتيبات السلطة، ولذلك قالت الأمم المتحدة في 25 أكتوبر إن احتجاز حمدوك والمسؤولين خالف تلك الوثيقة.
والحارث نفسه جاء من مؤسسات ذلك الانتقال
هناك مفارقة أخرى يصعب تجاوزها في سيرة الرجل الذي يقدم هذه الرواية.
بحسب السيرة الرسمية التي نشرتها الأمم المتحدة عند تقديم أوراق اعتماده، عُيّن الحارث إدريس سفيراً في فبراير 2020، عقب الثورة السودانية، ثم أصبح مديراً لإدارة التخطيط بوزارة الخارجية، قبل أن يقدم أوراق اعتماده مندوباً دائماً للسودان لدى الأمم المتحدة في مايو 2022.
هذا بالطبع يبقي له كامل حقه في نقد تجربة الانتقال والقوى التي أدارتها.
لكنه يعني أن المسار الدبلوماسي الذي أوصله في النهاية إلى مقعد السودان في الأمم المتحدة مر هو نفسه عبر مؤسسات المرحلة الانتقالية التي يعيد الآن وصفها، بعد سنوات، باعتبارها مجرد حكومة غير منتخبة تركت فراغاً اضطرت القوات المسلحة إلى ملئه.
السودان يعرف هذه اللغة
ولمحاولة تغيير أسماء الأشياء تاريخ طويل في السودان.
في 30 يونيو 1989 حمل استيلاء عمر البشير والجبهة الإسلامية على السلطة اسم «ثورة الإنقاذ الوطني» في الخطاب الرسمي الذي حكم البلاد لاحقاً، بدلاً من وصفه انقلاباً عسكرياً.
ولم يكن تغيير الاسم تفصيلاً لغوياً.
واحدة من أشهر وقائع ذلك الانقلاب كانت خطة إخفاء صلة الجبهة الإسلامية به. حسن الترابي، مهندس العملية السياسية، دخل السجن مع بقية السياسيين، بينما ذهب البشير إلى القصر. وبعد سنوات ارتبط بالترابي اعترافه الشهير بالخدعة: «اذهب للقصر رئيساً، وسأذهب للسجن حبيساً». شهادات لاحقة من داخل الحركة الإسلامية نفسها وصفت العملية بأنها تضليل متعمد لإخفاء هوية النظام الجديد في بداياته.
استمرت تسمية «الثورة» ثلاثة عقود.
لكنها لم تغير طبيعة 30 يونيو في السجل التاريخي.
وفي أبريل 2019 انتهى حكم البشير نفسه بثورة شعبية، وبقي الانقلاب انقلاباً مهما طال عمر الاسم الذي منحته له السلطة.
من «تصحيح المسار» إلى «ملء الفراغ»
وفي أكتوبر 2021 تكررت الآلية نفسها تقريباً.
بعد يوم واحد من اعتقال حمدوك وحل الحكومة، نفى البرهان أن ما فعله يمثل انقلاباً، وقال إنه أراد فقط «تصحيح مسار الانتقال».
لكن تغيير المفردة لم يغير الواقعة.
تقارير الاتحاد الأفريقي اللاحقة ظلت تسمي 25 أكتوبر انقلاباً عسكرياً، وظل قرار تعليق السودان مرتبطاً بالاستيلاء العسكري على السلطة.
بعد خمس سنوات، تتقدم الرواية خطوة أخرى.
لم يعد الحديث فقط عن «تصحيح المسار».
في نسخة الحارث أمام مجلس الأمن، أصبحت الحكومة المدنية هي التي غادرت أولاً، والجيش مجرد مؤسسة وجدت فراغاً واضطرت إلى البقاء حتى تملأه.
وهنا تنتقل المسألة من تسمية الانقلاب إلى إعادة ترتيب أحداثه.
الأرشيف أطول عمراً من الخطابات
يعرف التاريخ نماذج كثيرة لمسؤولين ودبلوماسيين ومتحدثين رسميين امتلكوا، في لحظة ما، المنابر والميكروفونات والقدرة على إنتاج الرواية الرسمية.
لكن السلطة تملك الخطاب في زمنه، ولا تملك الأرشيف إلى الأبد.

في الحالة السودانية تحديداً، تكررت المحاولة أكثر من مرة: انقلاب يسمى ثورة، واستيلاء على السلطة يسمى تصحيحاً للمسار، ثم بعد سنوات يصبح الاستيلاء نفسه مجرد استجابة لفراغ صنعه المدنيون.
وربما لهذا السبب كانت عبارة الحارث لافتة أكثر من كونها مجرد دفاع سياسي عن السلطة القائمة في بورتسودان.
وتظل قضايا تقييم حكومة حمدوك، ونجاحها أو فشلها، وأخطاء الحرية والتغيير، موضوعات مفتوحة للنقاش والنقد بمعزل عن هذا الخلاف؛ فالخلاف الذي يطرحه الحارث يتعلق حصراً بتسلسل الأحداث الزمني.
لقد قدم تسلسلاً للأحداث يمكن اختباره بالساعة والتاريخ.
والنتيجة بسيطة:
في صباح 25 أكتوبر 2021 كانت هناك حكومة قائمة، ورئيس وزراء لم يقدم استقالته. اعتُقل رئيس الوزراء وحُلّت الحكومة. عاد حمدوك لاحقاً إلى منصبه، ثم استقال بعد ذلك بأكثر من شهرين.
يمكن للسفير أن ينتقد تلك الحكومة كما يشاء، وأن يسميها حكومة محاصصة، وأن يدافع عن الجيش. لكن نقل استقالة يناير إلى ما قبل أكتوبر، واستخدامها لتفسير ما حدث في أكتوبر، أمر لا يمكن قبوله.
في النهاية، هذه ليست رواية مضادة لرواية.
إنها واقعة في مواجهة تاريخ.
والتاريخ هنا يحمل تاريخاً مكتوباً أعلى الصفحة.

