بيان مشترك يرفض صيغة حوار البرهان، ويطالب بعملية مستقلة تضم الشباب والنساء والنازحين واللاجئين والضحايا
سودان ستوري: متابعات
وسّعت مجموعة من الأجسام الشبابية والمدنية ومنظمات المجتمع المدني والمبادرات والشخصيات المستقلة، الثلاثاء 25 أغسطس، دائرة التأييد لمخرجات الاجتماع التشاوري للقوى المناهضة للحرب الذي انعقد في أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس، معلنة دعمها لوثيقة «الموقف المشترك – عملية السلام التي نريد»، ورفضها دعوة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان للحوار السوداني-السوداني بصيغتها الحالية.

وجاء الموقف في بيان تنسيقي مشترك وقّعت عليه 36 جهة وشخصية، بينها منظمات وشبكات شبابية ونسوية ومنصات سياسية ومدنية، إلى جانب مستقلين وحقوقيين وصحفيين وفاعلين سياسيين.
ويمثل البيان أول تحرك معلن بهذا الاتساع لدعم مخرجات اجتماع أديس خارج دائرة القوى التي شاركت فيه مباشرة، في مؤشر على محاولة نقل التوافق الذي خرج به الاجتماع من مستوى القوى السياسية والمدنية المجتمعة إلى شبكة أوسع من الفاعلين الشبابيين والمدنيين.
وقال الموقعون إنهم يدعمون «أي مسار جاد يهدف إلى إيقاف الحرب عبر الأدوات السلمية والتفاوضية»، لكنهم اشترطوا أن تقوم عملية السلام على الاستقلال وعدم هيمنة أحد أطراف النزاع المسلح على تصميمها أو إدارتها.
رفض صيغة حوار البرهان
وفي أكثر بنود البيان وضوحًا من الناحية السياسية، رفض الموقعون دعوة البرهان إلى حوار سوداني-سوداني بصيغتها الحالية، معتبرين أنها لا توفر، بحسب البيان، شروط عملية سلام «حقيقية وشاملة».

وقال البيان إن أي حوار يهدف إلى إنهاء النزاع المسلح ينبغي ألا يخضع لهيمنة أحد طرفيه، أو يتحول إلى وسيلة لإضفاء شرعية سياسية على واقع فرضته السيطرة العسكرية.
وفي المقابل، لم يرفض الموقعون مبدأ الحوار السوداني-السوداني نفسه. دعوا بدلًا من ذلك إلى عملية أوسع تضم القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، إضافة إلى النساء والشباب والنازحين واللاجئين والضحايا والمجتمعات المتضررة.
كما فرّق البيان بين المشاركة المدنية والسياسية في العملية وبين مشاركة أطراف النزاع المسلح، مقترحًا أن يكون حضور الأطراف المسلحة داخل المسارات المتصلة بوقف إطلاق النار والقضايا الإنسانية.
من وثيقة سياسية إلى دائرة تأييد
وكان الاجتماع التشاوري للقوى المناهضة للحرب في أديس أبابا قد انتهى إلى «وثيقة موقف مشترك» وضعت تصورًا لعملية سياسية تربط بين وقف النزاع المسلح، ومعالجة الكارثة الإنسانية، واستعادة المسار المدني.
ويعيد بيان الثلاثاء تبني الخطوط الرئيسية لتلك الوثيقة، لكنه يضيف إليها بعدًا تنظيميًا، عبر الحديث عن «إطار تنسيقي مشترك» يجمع الأجسام الشبابية والمدنية والمستقلين ومنظمات المجتمع المدني.
ووصف الموقعون هذا الإطار بأنه مساحة لتبادل الرؤى وتنسيق المواقف والجهود في القضايا المتفق عليها، دون الإعلان عن تحوله إلى تحالف سياسي أو جسم قيادي جديد.
غير أن ظهوره بعد يومين فقط من انتهاء اجتماع أديس يفتح سؤالًا حول ما إذا كانت مخرجات الاجتماع تتجه إلى إنتاج دوائر تنسيق أوسع بين القوى السياسية من جهة، والمبادرات والشبكات المدنية والشبابية من جهة أخرى.
الشباب والنساء خارج «المشاركة الرمزية»
ومن بين القضايا التي منحها البيان مساحة واسعة، تمثيل الشباب والنساء في أي عملية سياسية مقبلة.
وأكد الموقعون أن مشاركتهم يجب أن تشمل الحضور في صناعة القرار وتحديد أولويات العملية السياسية وبناء السلام، لا أن تقتصر على التمثيل الرمزي.
كما دعا البيان إلى استمرار التشبيك بين الأجسام الشبابية والنسوية والمبادرات والمستقلين، بما يسمح بزيادة قدرتهم على التأثير في مسارات إنهاء النزاع المسلح والتحول الديمقراطي.
ويمثل هذا الطرح امتدادًا لنقاش متصاعد داخل الأوساط الشبابية السودانية حول موقع الشباب في العمليات السياسية، بعد سنوات من المشاركة التي غالبًا ما انحصرت في التمثيل الشكلي أو اللجان المساندة.
الضحايا والنازحون «أصحاب مصلحة»
ويذهب البيان أبعد من الصيغ التقليدية المتعلقة بحماية المدنيين، إذ يطالب بتمثيل مباشر للضحايا والنازحين واللاجئين في عملية السلام.
ويقول الموقعون إن هذه الفئات أطراف تشارك بنفسها في تحديد الأولويات المتعلقة بالعودة الآمنة والطوعية، واستعادة الممتلكات، وجبر الضرر، والعدالة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، لا مجرد موضوع للتفاوض بين القوى السياسية.
كما شدد البيان على إشراك المجتمعات التي تعرضت بصورة مباشرة لتداعيات النزاع المسلح في صياغة مستقبل البلاد.
رفض تحويل السيطرة العسكرية إلى تقسيم
وفي ملف وحدة السودان، رفض الموقعون أي اتجاه لتحويل خرائط السيطرة العسكرية الحالية إلى ترتيبات سياسية دائمة.
وأكد البيان التمسك بوحدة السودان «شعبًا وأرضًا ودولة»، محذرًا من تكريس مناطق النفوذ أو السلطات القائمة بفعل النزاع المسلح باعتبارها كيانات سياسية مستقلة.
ويأتي هذا الموقف في ظل واقع عسكري وإداري متشظٍ أفرزه النزاع المسلح، مع وجود مناطق تخضع لسلطات وقوى عسكرية مختلفة، وهو ما جعل مسألة وحدة الدولة واحدة من أبرز القضايا المطروحة في النقاشات السياسية المتعلقة بالتسوية.
حوار شامل.. مع استثناء الإسلاميين
لكن أكثر بنود البيان قابلية للجدل يتمثل في تأكيده دعم حوار سوداني-سوداني شامل، مع الدعوة في الوقت نفسه إلى استثناء حزب المؤتمر الوطني المحلول والحركة الإسلامية وواجهاتهما السياسية والعسكرية.
وبرر الموقعون هذا الموقف بأن تلك القوى، بحسب البيان، شاركت في إجهاض الانتقال المدني وأسهمت في إشعال النزاع المسلح واستمراره.
ويعكس هذا البند أحد أقدم الخلافات داخل المعسكر المدني السوداني: أين تنتهي فكرة الحوار الشامل، وأين يبدأ التعامل مع القوى المرتبطة بالنظام السابق؟
ويرى الموقعون أن استبعاد هذه القوى منعٌ، وفق تعبيرهم، لـ«مكافأة» القوى التي أسهمت في تقويض الانتقال وإعادة إنتاج نفوذها من خلال عملية السلام، لا إقصاءً سياسيًا.
لكن هذه الصيغة مرشحة لأن تصبح واحدة من نقاط الاختلاف الرئيسية في أي عملية سياسية مقبلة، خصوصًا مع استمرار الجدل حول تعريف القوى التي يمكن أن تشارك في التسوية وحدود ارتباطها بالنظام السابق والنزاع المسلح الحالي.
حتى إعداد هذا التقرير، لم يصدر عن مجلس السيادة أو رئاسة الجيش أي رد على رفض الموقعين لصيغة الحوار التي دعا إليها البرهان.
اختبار مخرجات أديس
ويتجاوز البيان، في دلالته السياسية، مجرد التأييد لوثيقة صدرت عن اجتماع سياسي.
فالاختبار الذي يواجه اجتماع أديس الآن يتعلق بقدرته على تحويل تلك التفاهمات إلى شبكة تنسيق أوسع، قادرة على التأثير في تصميم العملية السياسية المقبلة دون أن تتحول بدورها إلى مركز مغلق جديد لاحتكار التمثيل المدني، أكثر من تعلقه بعدد القوى التي توافق على مخرجاته وحده.
وفي هذا السياق، تبدو قائمة الموقعين لافتة بسبب تنوعها بين منظمات شبابية ونسوية ومدنية ومستقلين وحقوقيين، أكثر من كونها مجرد امتداد مباشر لتحالف سياسي قائم.
ومن بين الجهات الموقعة حراك للتغيير وتمكين الشباب، ومنظمة نوارة للتنمية، ومنتدى التحول المدني والدستوري في السودان، ومنصة شباب القوى السياسية، ولجنة الشباب في «صمود»، وحركة «زهجنا خلاص»، وتجمع قوى الريف السوداني، وشبكة شباب غرب كردفان، ومركز «صوتهن» النسوي الأكاديمي، ومنتدى الركيزة الديمقراطي في نيروبي، إلى جانب عدد من المبادرات والمنظمات والشخصيات المستقلة.
ويبقى السؤال خلال الفترة المقبلة هو ما إذا كان هذا التأييد سيظل في حدود البيانات السياسية، أم يتحول إلى مسار تنسيق مدني منظم قادر على فرض قضايا الشباب والنساء والضحايا والنازحين واللاجئين داخل أي عملية تفاوضية مقبلة.
فالمعركة حول «عملية السلام التي نريد» تدور حول من يملك حق تصميم السلام نفسه، ومن يجلس إلى الطاولة عندما يبدأ النقاش بشأن السودان الذي سيخرج من النزاع المسلح، لا حول من يفاوض أطراف النزاع المسلح وحده.

