تقرير ميداني

جوبا – سودان ستوري

لم تكن الجدارية البيضاء في فعالية شبابية بالعاصمة جوبا مجرد مساحة لتدوين الأمنيات. على امتدادها كتب شباب وشابات سودانيون رؤاهم للسلام ومستقبل بلادهم، بينما كان السؤال الذي يحيط بالمكان أكبر من المناسبة نفسها: هل يظل الشباب في موقع من يتعامل مع نتائج النزاع المسلح، أم ينتقل إلى موقع من يشارك في تحديد شكل ما بعده؟

هذا السؤال كان محور فعالية نظمتها الشبكة الشبابية السودانية لإنهاء الحرب والتأسيس للتحول المدني الديمقراطي – مكتب جوبا، الخميس 20 أغسطس، تحت عنوان «من الاستجابة للأزمة إلى قيادة السلام» وشعار «لسنا فقط من استجاب للأزمة.. بل نحن من يقود المستقبل».

وأقيمت الفعالية ضمن أنشطة إحياء اليوم العالمي للشباب، الذي يصادف 12 أغسطس من كل عام. ويحمل احتفال الأمم المتحدة هذا العام شعار «سياقات مختلفة، تطلعات مشتركة»، في إشارة إلى تشابه تطلعات الشباب إلى المشاركة والكرامة والفرص رغم اختلاف البيئات التي يعيشون فيها.

أكثر من الاحتفال

جمع النشاط شباباً وشابات وناشطين ومهتمين في جوبا، واشتمل على منتدى حواري ناقش تجربة الشباب السوداني خلال سنوات النزاع المسلح، وأدوارهم في مواجهة تداعياته، وما إذا كانت الخبرات التي اكتسبوها خلال الأزمة يمكن أن تتحول إلى دور أكثر تنظيماً في بناء السلام والتحول المدني.

وعلى هامش النقاش، شارك الحضور في الكتابة على جدارية جماعية حملت رسائل حول السلام ومستقبل السودان، إلى جانب فقرات فنية وثقافية وعرض مسرحي.

وتكشف صور الفعالية حضوراً واضحاً للثقافة إلى جانب النقاش السياسي والمجتمعي؛ فالعروض التراثية لم تظهر باعتبارها فاصلاً احتفالياً فحسب، وإنما جزءاً من محاولة إعادة تقديم التنوع السوداني في سياق يركز على التعايش بعد سنوات من النزاع المسلح والاستقطاب.

شبكة وُلدت في النزاع المسلح

تكتسب فعالية جوبا دلالة أوسع إذا وضعت ضمن مسار الشبكة نفسها.

بدأت الشبكة الشبابية السودانية نشاطها في أوغندا في أكتوبر 2023، بعد نحو ستة أشهر من اندلاع النزاع المسلح، قبل أن تعقد مؤتمرها التأسيسي في مدينة عنتيبي في مارس 2024 بمشاركة أكثر من 160 شاباً وشابة قدموا من السودان وست دول في الإقليم.

ومنذ ذلك الوقت، توسع نشاطها عبر مكاتب ومجموعات في عدد من دول الجوار، بالتوازي مع محاولات للحفاظ على صلات بشباب داخل السودان.

وكان لجوبا حضور مبكر في هذا المسار؛ إذ أجرى مكتب الشبكة في جنوب السودان لقاءات مع ممثلين للاتحاد الأفريقي وإيقاد خلال 2024، فيما شهد العام التالي أنشطة ركزت على السلام والتعايش بين السودانيين والمجتمعات المضيفة، من بينها نشاط في تجمع غوروم للاجئين قرب جوبا.

بهذا المعنى، لا تبدو فعالية أغسطس منفصلة عن مسار بدأ من تنظيم الشباب المتأثرين بالنزاع المسلح في دول اللجوء، ثم أخذ يبحث تدريجياً عن مساحة في النقاش السياسي حول كيفية إنهائه.

من «صوت الشباب» إلى المشاركة

لكن المسألة الأكثر تعقيداً ليست قدرة الشباب على عقد المنتديات.

ففي المشاورات الشبابية التي نظمتها الشبكة في نيروبي بين 26 و29 يونيو الماضي، برز مطلب أكثر تحديداً: الانتقال من التمثيل الرمزي للشباب إلى المشاركة الفعلية في مختلف مراحل العملية السياسية.

وهنا يكتسب شعار فعالية جوبا — «من الاستجابة للأزمة إلى قيادة السلام» — معناه السياسي الأوسع.

فالنزاع المسلح دفع جيلاً واسعاً من السودانيين إلى العمل في الإغاثة، والمبادرات المجتمعية، ودعم النازحين واللاجئين، والتوثيق والمناصرة. لكن تحويل هذه الخبرة إلى تأثير في مسار السلام يتطلب أكثر من الاعتراف بالشباب بوصفهم «فئة مهمة».

السؤال يصبح: أين يجلسون عندما تصاغ المبادرات؟ ومن يحدد ممثليهم؟ وكيف تتحول خبراتهم المحلية إلى مواقف قابلة للتفاوض والتأثير؟

وهو سؤال تواجهه مختلف الأجسام الشبابية السودانية، خصوصاً تلك التي نشأت أو توسعت خارج البلاد بسبب النزاع المسلح: كيف تجمع بين الخبرة التي راكمها الشباب في المنافي واللجوء وبين شرعية الأصوات الموجودة داخل السودان وفي مناطق النزاع نفسها؟

ما بعد الجدارية

تقدم فعالية جوبا جزءاً من الإجابة، لكنها تترك جزءاً آخر مفتوحاً.

فالمنتديات والجدران المفتوحة والعروض الثقافية تستطيع خلق مساحات للحوار، وإعادة وصل مجموعات فرّقها النزاع المسلح، وإتاحة فرصة للشباب للتعبير عن رؤيتهم. لكن الانتقال من هذه المساحات إلى «قيادة السلام» يتوقف على ما يحدث بعدها.

لم يحدد الإعلان الصادر عن الفعالية، مثلاً، توصيات بعينها ستُرفع إلى جهات سياسية أو إقليمية، كما لم يوضح ما إذا كانت النقاشات ستدخل ضمن أجندة سياسية موحدة للشبكة أو آلية متابعة لاحقة.

وهنا يقع الاختبار الحقيقي للشعار.

فبين الاستجابة للأزمة وقيادة المستقبل توجد مرحلة كاملة من التنظيم، والتمثيل، وبناء البرامج والقدرة على التأثير في القرار.

وقد تكون الرسالة الأوضح التي خرجت من جوبا هي أن قطاعاً من الشباب السوداني لم يعد يريد أن يُنظر إليه باعتباره أحد ضحايا النزاع المسلح أو المستجيبين لتداعياته فحسب.

إنه يريد أن يكون حاضراً عندما يبدأ النقاش حول السودان الذي سيأتي بعده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *