تحليل سياسي | 28 يونيو 2026

حوار وتحليل: عباس محمد إبراهيم

من هم الضيوف

أربعة أعضاء من التنسيقية العليا للشبكة الشبابية السودانية لإنهاء الحرب والتأسيس للتحول المدني الديمقراطي — مبارك، هناء، أحمد، عبد الله — تحدثوا في حوار معمّق عن تجربة بناء حركة شبابية في ظروف اللجوء والاستقطاب السياسي الحاد.

في أكتوبر 2023، حين كانت الحرب في السودان قد أكملت ستة أشهر من الدمار، التقى شباب سودانيون مشتتون في عدد من دول اللجوء والمهجر في مدينة كمبالا الأوغندية. لم يكن اللقاء مصادفةً؛ كان محاولةً واعيةً لتجاوز الفردية التي طبعت عمل الشباب السوداني في الخارج، وإطلاق جسم تنظيمي يجمع أصواتًا متباينة تحت سقف واحد.

اليوم، بعد أقل من ثلاث سنوات، تعقد الشبكة اجتماعاتها في نيروبي، وتبحث عن موقعها في مشهد سياسي يموج بالتحولات. لكن السؤال الأعمق ليس أين تقف الشبكة اليوم، بل ماذا تريد أن تكون غدًا.

كيف وُلدت الشبكة؟

لا تقدّم الشبكة نفسها حركةً جاهزة، بل تجربةً قيد التشكّل. بدأت من سؤال بسيط في ظاهره، معقّد في جوهره: كيف يتحوّل الشباب السوداني في المنفى من ضحايا إلى فاعلين؟

الجواب الذي توصّلت إليه الشبكة هو أن التغيير لا يأتي من التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا من البيانات التي تُطلق وتُنسى. يأتي من بناء هياكل تنظيمية قادرة على الاستمرار، وتطوير خطاب سياسي يحمل أجندة واضحة لا مجرد شعارات.

“نحن لسنا في موقع من يملك الحلول الجاهزة، لكننا في موقع من يرفض الاستسلام للوقائع كما هي.”

إدارة الاختلاف الداخلي

من أبرز ما كشفه الحوار أن الشبكة لا تدّعي التجانس. يتقاطع في صفوفها شباب ذوو خلفيات أيديولوجية متباينة، وتجارب حياتية متفاوتة. هذا التنوع ليس نقطة ضعف في رأي أعضائها، بل يمثّل محكّ اختبار حقيقي لأي مشروع سياسي يتطلع إلى أن يكون تمثيليًا.

لكن التنوع وحده لا يكفي ما لم تكن ثمة آليات واضحة لإدارة الخلاف وصنع القرار. وهنا يبدو جليًا أن الشبكة لا تزال في طور بناء هذه الآليات لا في طور توظيفها.

ملف الإسلاميين: الخط الأحمر الأكثر تعقيدًا

أحد أكثر لحظات الحوار حدةً كان حين أُثير ملف الإسلاميين. يرى عبد الله أن أي مشروع سياسي يستعيد السودان من هذه الحرب لا يمكنه أن يتجاهل السؤال الأصعب: ماذا يُفعل بالإسلاميين السودانيين؟

الإجابة السهلة هي الإقصاء التام، لكن عبد الله يشير إلى أن هذه الإجابة نفسها تنطوي على مخاطر سياسية؛ لأن الإسلاميين ليسوا كتلة متجانسة، ولأن الإقصاء قد يُنتج دوّامة لا تنتهي من ردود الأفعال. الموقف الذي تصدر عنه الشبكة هو الاشتراط على أي مشاركة بالإقرار بمبدأ المحاسبة — وهو موقف يبدو معقولًا في الخطاب، لكن تطبيقه في السياق السوداني لا يزال مسارًا شائكًا.

عبد الله — عضو التنسيقية العليا

“السؤال ليس هل نتعامل مع الإسلاميين، بل من منهم مستعد للإقرار بأن ما جرى كان كارثة وطنية تستوجب المحاسبة.”

عبد الله — عضو التنسيقية العليا

سؤال الشرعية: من يمثّل من؟

يطاردُ كلَّ جسم شبابي في المنفى سؤالٌ لا مفر منه: بأي حق تتحدث عن الداخل وأنت في الخارج؟ لا تتهرّب الشبكة من هذا السؤال، لكنها تُجيب عليه بصدق حين تعترف بأن شرعيتها لا تستمد من الحضور الجغرافي — الذي فرضته الحرب لا الاختيار — بل من المواقف التي تتبناها والأجندة التي تطرحها.

هناء، التي جاءت من تجربة ميدانية قبل المنفى، ترى أن الفاصل ليس بين الداخل والخارج، بل بين من يعمل ومن لا يعمل. والعمل — في تعريفها — يعني التواصل المستمر مع الواقع السوداني، لا التعليق عليه من بعيد.

هناء — عضو التنسيقية العليا

الأجندة السياسية: ماذا تريد الشبكة؟

تحدّد الشبكة أولوياتها حول ثلاثة محاور: وقف الحرب، الحل السياسي الشامل، والتحول المدني الديمقراطي. هذه المحاور ليست جديدة في المشهد السوداني، لكن الشبكة تعتقد أن جديتها تكمن في التفاصيل لا في الشعارات.

يؤكد مبارك أن المشكلة في السياسة السودانية حتى الآن هي الاكتفاء بإعلان المواقف دون بناء القدرة على التفاوض والضغط. الشبكة تسعى — وفق ما أعلنه — إلى أن تكون صوتًا منظّمًا قادرًا على التأثير في صياغة الحلول، لا مجرد مراقب يُصفّق أو يعترض.

مبارك — عضو التنسيقية العليا

“وقف إطلاق النار ليس نهاية المطاف، هو فقط الشرط الذي يتيح لنا البدء فعلًا.”

مبارك — عضو التنسيقية العليا

أكاديمية أم حركة؟ قراءة في بنية الشبكة

ثمة ما يدفع إلى قراءة الشبكة الشبابية بعيون مختلفة عن التصنيفات المعتادة للأجسام السياسية. فهي لا تشبه الحزب الذي يحتجز أعضاءه، ولا التنسيقية التي تنهار حين يتصدع الإجماع. حين اندلعت الحرب وانقسمت القوى السياسية والمدنية والحركات المسلحة على معسكراتها، اختار عدد من أعضاء الشبكة الانسحاب والانضمام إلى أطراف النزاع. لم يكن الانسحاب إعلان خصومة؛ بل أكد هؤلاء قبل مغادرتهم أنهم يتبنون مبادئ الشبكة وأهدافها، غير أن خيار القتال مع أحد المعسكرات — تحت وطأة ضغوط مجتمعية وتنادٍ قبلي وتعقيدات لا تُختصر — لم يكن في مقدورهم التراجع عنه.

هذه اللحظة كاشفة أكثر مما تبدو عليه. فالخيار العسكري لدى بعض التيارات لا يصدر عن فراغ أيديولوجي، بل يستند — في تقدير أصحابه — إلى ما يبرره من موازين قوى ومصالح وجودية. وهذا بالضبط هو التعقيد الأكبر في المشهد السوداني: أن من يختار السلاح ومن يختار السياسة قد ينطلقان من الرفض ذاته للحرب، لكنهما يصلان إلى استنتاجات متعارضة حول كيفية إنهائها.

في ضوء ذلك، تبدو الشبكة أقرب إلى بنية تكوينية منها إلى جسم بديل يزاحم الأحزاب والحركات. مختبر سياسي — إن صح التعبير — يضع الشباب في تجارب حقيقية، ويمنحهم مفاهيم وأدوات، دون أن يشترط عليهم البقاء تحت سقفه. من غادر إلى معسكره ومن بقى يواصل المسار السياسي، كلاهما — وفق هذه الرؤية — يحمل معه شيئًا مما بُني داخل الشبكة. ما إذا كان هذا تصميمًا واعيًا أم تبريرًا لهشاشة بنيوية، سؤال لا تجيب عنه الشبكة بنفسها — وهذا وحده يكفي لجعله سؤالًا جديرًا بالمتابعة.

قراءة ختامية

ما تمثّله الشبكة الشبابية السودانية ليس مشروعًا مكتملًا، بل محاولةً لتحويل الرفض الأخلاقي للحرب إلى بنية سياسية قابلة للاختبار. هذا التمييز جوهري: الرفض الأخلاقي وحده لا يصنع سياسة، والبنية السياسية وحدها بلا أساس أخلاقي تفقد مسوّغها أمام من عانوا.

ما إذا كانت الشبكة ستنجح في هذه المعادلة الصعبة مرهون بعوامل كثيرة: قدرتها على التوسع داخل السودان، وحيازتها اعترافًا من الفاعلين السياسيين الأكبر، ونجاحها في بناء الثقة لدى شريحة الشباب التي تدّعي تمثيلها. كل هذه أسئلة لا يجيب عليها حوار واحد، لكن الحوار يكشف أن أصحابها على وعي بتعقيد المهمة التي أخذوها على عاتقهم.

سودان ستوري — كل حكاية تستحق أن تُروى

sudanstory.net | @SudanStoryNet

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *