رأي

عباس محمد

بقلم: عباس محمد

وثيقة أخرى تُنسب لمكتب رئيس مجلس السيادة، تتحدث عن خطة خمسية لحكم عسكري، واستبعاد لبعض القوى، ورهان على الرياض وأنقرة. نُشرت أول مرة على موقع أيرلندي لا تاريخ له في متابعة الشأن السوداني، وحتى الآن لا تعليق رسمي يؤكدها أو ينفيها.

السؤال المعتاد هو: هل هي حقيقية؟ لكن هذا ليس السؤال الذي يستحق وقتنا فعلاً. السؤال الأهم: لماذا صدّقها الناس بهذه السرعة؟

في دول تعمل مؤسساتها بشكل طبيعي، الوثيقة الرسمية تُقاس بمصدرها وتوقيعها. في السودان اليوم، تُقاس الوثيقة بشيء آخر: هل تشبه ما يظن الناس أنه يحدث فعلاً خلف الأبواب المغلقة؟ وهذه الوثيقة تشبهه، إلى حد كبير.

لا أدلة مستقلة تثبت مصدرها. لا أحد يعرف من سرّبها أو كيف وصلت لمنصة لا علاقة لها بالملف. وفي إطار التحقق من هذه المادة، تواصلنا مع أمجد فريد، مستشار رئيس مجلس السيادة، طالبين تعليقه على الوثيقة ومضمونها — لم يرد. وهذا، في الحقيقة، ليس استثناءً؛ فقد لاحظنا النمط نفسه في ملفات سابقة تحتاج توضيحاً رسمياً: أمجد فريد يُفضّل، في الغالب، الصمت على الرد.

وهذا الصمت نفسه جزء من المشكلة التي يتحدث عنها هذا المقال. فحين تُغلق قنوات التعليق الرسمي أمام الصحفيين، لا يبقى أمام الجمهور غير الوثيقة المسربة نفسها كمصدر وحيد للتفسير — بصرف النظر عن مدى موثوقيتها.

وفق أي معيار صحفي تقليدي، هذا يكفي لوضعها في خانة “غير مؤكد” وترك الأمر عند هذا الحد.

لكن الصحافة السودانية، منذ اندلاع النزاع المسلح متعدد الأبعاد، لم تعد تعمل في بيئة تسمح بهذه الرفاهية. حين تغيب المؤسسات ويتوزع القرار بين جهات لا تتحدث علناً، يصبح التسريب أكثر إقناعاً من البيان الرسمي. أحياناً يكون غياب المعلومة الموثوقة هو بالضبط المناخ الذي تزدهر فيه الشائعة.

المشكلة إذن ليست أن الناس صدّقوا وثيقة قد تكون مزيفة. المشكلة أن مضمونها ينسجم بما يكفي مع سلوك معروف لقائد الجيش السوداني خلال الأشهر الماضية، بحيث لم يبدُ الأمر غريباً لأحد. تحفظ متكرر على المبادرات الخارجية، رفض لعودة القوى المدنية إلى طاولة التسوية، وتراجع تدريجي لدور مفوضية السلام لصالح الأجهزة السيادية والأمنية. هذه وقائع معروفة، ولا تثبت شيئاً عن صحة الوثيقة تحديداً — لكنها تفسّر جيداً لماذا انتشرت بهذه السهولة.

التسريبات، بحكم تجربتي في متابعة ملفات مشابهة، نادراً ما تكون بريئة أو تلقائية. بعضها يكشف قراراً حقيقياً أُريد إخفاؤه. وبعضها يُصمّم عمداً لاختبار رد الفعل الشعبي قبل أن يُتخذ القرار فعلياً. وأحياناً الهدف أبسط من ذلك: إقناع الناس بأن شيئاً أصبح حتمياً، قبل أن يتحول إلى قرار رسمي بوقت طويل.

الوثيقة قد تكون أصلية كاملة، أو مفبركة كاملة، أو الأرجح: خليط من معلومات حقيقية صيغت في قالب رسمي مصطنع. لكن أثرها لم ينتظر التحقق. بمجرد أن ربطت فكرة الحكم العسكري طويل الأمد باسم أعلى سلطة في البلاد، دخلت الفكرة النقاش العام كاحتمال واقعي — وهذا وحده كافٍ لتغيير قواعد اللعبة.

وهنا المشكلة الحقيقية: التصحيح لا ينتشر أبداً بقدر انتشار الادعاء الأول. حتى لو نُفيت الوثيقة غداً نفياً قاطعاً، لن يعود الجمهور إلى نقطة الصفر. الفكرة تبقى عالقة في الذاكرة، حتى بعد أن تسقط الوثيقة التي حملتها.

وهذا ليس عيباً سودانياً بحتاً، وإن كان يتخذ في السودان شكلاً حاداً بسبب حجم انهيار الثقة العامة خلال سنوات النزاع. حين تفقد المؤسسة مصداقيتها، لا يكفيها أن تنفي — يُطلب منها أن تثبت. والنفي وحده، بلا دليل، صار كلاماً لا قيمة له عملياً.

فما الذي يجعل وثيقة مجهولة المصدر أكثر إقناعاً من صمت السلطة نفسها؟ الإجابة تتعلق ببنية الحكم لا بالوثيقة. حين لا توجد آلية واضحة لصنع القرار، ولا برلمان يراجع، ولا صحافة قادرة على الوصول إلى مصادر رسمية حقيقية، تتحول الشائعة إلى بديل غير رسمي عن الشفافية الغائبة. تسريب مشكوك فيه يفسّر المشهد أحياناً أفضل من مؤسسة يُفترض أنها تديره.

وهذا يضع أمامنا، كصحفيين، مأزقاً حقيقياً: تقديم الوثيقة كخطة رسمية مؤكدة خطأ فادح. لكن تجاهلها بالكامل ليس خياراً مهنياً أيضاً، لأن انتشارها صار خبراً بحد ذاته، بصرف النظر عن مصيرها لاحقاً.

الحل الذي أراه عملياً: الفصل بين ثلاثة أشياء لا ينبغي خلطها. وجود الوثيقة وتداولها — أمر موثّق ولا جدال فيه. صحة محتواها — غير مثبتة حتى الآن.

ومعقولية ما جاء فيها — لا تُقاس إلا بمقارنتها مع سلوك السلطة الفعلي على الأرض، لا بحماسة من يصدّق أو من يرفض.

الدرس الأهم هنا لا يتعلق بالوثيقة نفسها. قد تتضح غدًا أنها أصلية، أو مفبركة، أو نتاج صراع داخلي بين أجنحة السلطة. لكن الأخطر من كل ذلك هو أن المجال السياسي السوداني بات مهيّأً لتصديق وثيقة كهذه دون عناء كبير.

وحين تصبح ورقة مجهولة المصدر قادرة على تحريك النقاش الوطني بهذا الشكل، لم يعد السؤال عن هوية من كتبها. صار السؤال عن غياب المؤسسات الذي منحها هذه القوة، وعن بلد صارت سياساته تُصاغ في الظل، ثم تصل لأهله على شكل شائعة.

كل حكاية تستحق أن تُروى

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *