في اليوم الذي وصلت فيه طائرة شحن مصرية من بانغي إلى القاهرة، أطلقت منصة «سودانيز إيكو» رواية عن زيارة قيادات من «صمود» إلى إسرائيل. وبعد تسعة أيام، اكتسبت الرواية غطاءً دولياً عبر «أفريكا إنتليجنس»، بينما بقي مسار الطائرة والذخائر بعيداً عن النقاش السوداني.
تحقيق — فريق سودان ستوري
في 18 يوليو 2026، كان خطّان يتحركان في وقت واحد، بعيداً عن انتباه الرأي العام السوداني.
في الخط الأول، غادرت طائرة شحن مصرية من طراز إيرباص A321، تحمل التسجيل SU-SKG، مطار بانغي–مبوكو في جمهورية أفريقيا الوسطى متجهة إلى القاهرة، بعد بقائها على الأرض نحو ثلاثة أيام.
وبعد تسعة أيام، قالت منصة «أفريكا إنتليجنس» إن الطائرة كانت تحمل شحنة ذخائر متجهة إلى تشاد، وإنها لم تُكمل رحلتها مباشرة إلى نجامينا، بل غادرت بانغي إلى القاهرة، قبل أن تظهر لاحقاً على خط العاصمة التشادية.
وفي الخط الثاني، نشرت منصة تحمل اسم Sudanese Echo — سودانيز إيكو، في اليوم نفسه، مادة وصفتها بأنها «حصرية»، زعمت فيها أن الإمارات رتبت زيارة سرية لقيادات من تحالف «صمود» إلى إسرائيل.
لا يتيح التوقيت الظاهر للمنشور تحديد ما إذا كانت الرواية قد نُشرت قبل وصول الطائرة إلى القاهرة أو بعده، كما لا يوجد حتى الآن دليل مباشر يربط بين إطلاق الرواية وحركة الطائرة.
لكن التقاطع في اليوم نفسه، ثم المسار الذي سلكه الخبر لاحقاً، يفتحان سؤالاً لا يمكن تجاهله:
هل كان الأمر مجرد تزامن بين خبر سياسي وحركة جوية، أم أن الرواية الصادمة أدت عملياً إلى صرف الانتباه عن عملية لوجستية أكثر اتصالاً بالنزاع المسلح متعدد الأبعاد في السودان؟
رواية مكتملة قبل ظهور الدليل
قدّمت «سودانيز إيكو» خبر الزيارة داخل بناء سياسي مكتمل منذ اللحظة الأولى، متجاوزةً مرحلة تقديمه كمعلومة أولية تحتاج إلى تحقق.
حمل المنشور عنواناً يربط بين تسليح قوات الدعم السريع، وصناعة حلفاء سياسيين، وترتيب زيارة قيادات من «صمود» إلى إسرائيل. وجمعت الصورة المصاحبة بين رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، والعلم الإسرائيلي، وشخصيات سياسية سودانية، مع استخدام كلمتي Exclusive وNews.
لكن المادة المتاحة للجمهور لم تعرض سجلات سفر، أو صوراً للوفد، أو تاريخاً محدداً للزيارة، أو أسماء لمسؤولين إسرائيليين قيل إنهم التقوا القيادات السودانية. ونُسبت المعلومات إلى «مصادر» لم تكشف عنها المنصة.
يترك غياب الأدلة العلنية احتمال اطلاع الجهة الناشرة على معلومات أخرى قائماً، غير أنه يضع القارئ أمام مادة غير قابلة للفحص المستقل.
ومنذ اللحظة الأولى، بدا هدف التصميم والصياغة موجهاً إلى وضع الزيارة داخل سردية أوسع: الإمارات تدعم الحرب عسكرياً، وتتحرك في الوقت نفسه لصناعة غطاء سياسي لها عبر «صمود» — سردية تتجاوز حدود الإخبار بزيارة محتملة.
من يقف خلف «سودانيز إيكو»؟
تقدم المنصة نفسها بوصفها صوتاً يعكس «الأصوات الحقيقية للسودان»، ويركز على الحقيقة والوحدة ومستقبل البلاد.
لكن صفحة الشفافية في «ميتا»، التي راجعتها «سودان ستوري»، لا تكشف أسماء القائمين عليها. وتظهر أن إدارتها موزعة بين خمسة حسابات موجودة في أربع دول:
- حسابان في المملكة العربية السعودية
- حساب واحد في مصر
- حساب واحد في السودان
- حساب واحد في المملكة المتحدة
أُنشئت صفحة فيسبوك في فبراير 2025، بينما يعود حسابها على منصة «إكس» إلى سبتمبر 2024. ويملك الحساب أكثر من 13 ألف متابع، مقابل متابعته عدداً محدوداً من الحسابات.
هذه المعلومات، وإن لم تُثبت صلة المنصة بأي حكومة أو جهاز أمني ولم تكشف جنسيات مديريها أو جهات عملهم، تحول دون التعامل معها بوصفها صفحة سودانية محلية عفوية، وتضع سؤال الملكية والاستقلال التحريري في قلب التحقيق.
أحمد شموخ.. من الادعاء الأول إلى «التأكيد»
من بين الحسابات التي تبنت الرواية منذ يومها الأول، يبرز اسم أحمد شموخ، الذي يقدم نفسه في المجال العام بوصفه باحثاً مهتماً بالشأن السوداني.
تظهر المواد التي راجعتها «سودان ستوري» أن شموخ نشر رواية الزيارة يوم 18 يوليو، وظل يشير إليها في أكثر من منشور خلال الأيام التالية.
وعندما نشرت «أفريكا إنتليجنس» تقريرها في 27 يوليو، عاد شموخ إلى الرواية، وقدّم التقرير الفرنسي باعتباره تأكيداً لما سبق أن نشرته «سودانيز إيكو».
أهمية هذه الحركة لا تتعلق بعدد المتابعين فقط، فانتقال الرواية من منصة لا تعلن أسماء محرريها إلى حساب شخص يقدم نفسه باحثاً ومعلقاً سياسياً يمنحها طبقة إضافية من الشرعية.
انتقل الجمهور من متابعة صفحة تنسب الخبر إلى «مصادر» غير معلنة، إلى متابعة باحث يتعامل مع المعلومة بوصفها جديرة بالبناء عليها، ثم يعلن تأكدها عقب نشر الموقع الفرنسي.
هذه المشاركات وحدها لا تثبت أن شموخ شارك في صناعة الرواية أو تلقى توجيهاً لنشرها، غير أنها تضعه داخل مسارها منذ لحظة الإطلاق وحتى مرحلة إعادة التصديق.
شبكة حملت الرواية إلى جمهور أوسع
لم تعتمد الرواية على حساب واحد. تكشف المشاركات العلنية التي راجعتها «سودان ستوري» وجود حسابات أدت وظائف مختلفة في نقلها.
شارك حساب باسم محمد أحمد الأنصاري المنشور الأول يوم 18 يوليو، ثم عاد إلى مشاركة النسخة اللاحقة التي حملت عبارة Confirmed، وقدمت تقرير «أفريكا إنتليجنس» باعتباره تأكيداً للحصرية السابقة.
أما حساب باسم عبد اللطيف وديدي، فدفع المادة إلى عدد من المجموعات والصفحات، من بينها «إسحق أحمد فضل الله — عمود آخر الليل»، و«الانتباهة — إسحق أحمد فضل الله»، و«الوطن للجميع»، و«أخبار السودان»، و«حائط الصد»، إلى جانب مجموعة خدمية تحمل اسم «مفقودات ومسروقات الخرطوم».
الانتقال من الصفحات السياسية إلى مجموعة خدمية عامة يشير إلى توسيع دائرة الوصول خارج الجمهور المنخرط أصلاً في الصراع السياسي.
هذه المشاركات تكشف أن الرواية وجدت سلسلة توزيع حملتها من المنصة الأصلية إلى مجموعات مختلفة، وقدمتها إلى جمهور أوسع بوصفها حقيقة سياسية لا ادعاءً قيد التحقق، مع بقاء احتمال أن يكون ذلك ناتجاً عن نشاط أفراد يتبنون الموقف نفسه، من دون وجود غرفة مركزية أصدرت تعليمات موحدة.
حين عادت الرواية من باريس
في 27 يوليو، نشرت «أفريكا إنتليجنس» تقريراً يتحدث عن مسؤولين في «صمود»، قالت إنهم مرتبطون برئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، سافروا إلى إسرائيل.
اختارت المنصة صورة حمدوك للمادة، رغم أن الملخص العلني لا يقول إنه كان ضمن الأشخاص الذين نفذوا الزيارة المزعومة. وربطت مقدمة التقرير بين استجواب بابكر فيصل في مطار القاهرة وبين ما وصفته بـ«تكهنات» حول علاقات حمدوك الإقليمية.
وفي الإصدار نفسه، نشرت المنصة خبر الطائرة التي قالت إنها كانت تحمل ذخائر متجهة إلى تشاد، قبل انتقالها من بانغي إلى القاهرة ثم مواصلة مسارها نحو نجامينا.
فور صدور تقرير «أفريكا إنتليجنس»، أعادت «سودانيز إيكو» إنتاج مادتها بتصميم جديد يحمل كلمة Confirmed، وقالت إن الموقع الفرنسي أكد المعلومات التي كانت أول من نشرته.
هكذا اكتملت دائرة معلوماتية لافتة: بدأت الرواية من منصة مجهولة الإدارة، ثم ظهرت في مؤسسة دولية متخصصة، قبل أن تعود إلى المنصة الأولى بوصفها خبراً حصل على تأكيد مستقل.
قد تكون المنصتان وصلتا إلى مصادر مستقلة، أو تلقتا المعلومات من المصدر نفسه، أو أجرت المنصة الفرنسية تحققاً لا يظهر في الجزء المتاح للعامة، من دون أن يثبت ذلك أخذ «أفريكا إنتليجنس» معلوماتها من «سودانيز إيكو».
ومن حيث النتيجة، انتقلت الرواية من ادعاء منسوب إلى مصادر غير معلنة إلى خبر يوصف بأنه «مؤكد»، من دون أن تظهر للجمهور وثيقة جديدة قابلة للفحص.
وهذا أحد مسارات غسل المعلومات: تكتسب الرواية شرعيتها من انتقالها بين منصات مختلفة، لا من ظهور دليل مادي جديد.
واقعة صحيحة تغيّر اتجاهها
كان توقيف بابكر فيصل في مطار القاهرة الواقعة الحقيقية التي منحت الرواية مظهراً واقعياً.
ربط تقرير «أفريكا إنتليجنس» بين استجواب فيصل وبين الزيارة المزعومة، وقدمت تغطيات لاحقة الواقعة باعتبارها حدثت عقب عودته من الخارج.
لكن فيصل قدم رواية مختلفة. قال إنه كان يقيم في القاهرة منذ عودته من نيروبي في 25 مايو، ولم يغادرها بعد ذلك. وأضاف أن توقيفه حدث في 8 يوليو، أثناء محاولته السفر من القاهرة إلى الولايات المتحدة، وليس عند عودته من أي رحلة خارجية.
وبحسب إفادته، منعته السلطات المصرية من المغادرة بسبب نشرة صادرة بحقه عن السلطات السودانية، قبل أن يعود إلى مقر إقامته.
يحمل هذا الفارق دلالة جوهرية: إحدى الروايتين تتحدث عن استجواب شخص عقب العودة من رحلة سرية، بينما تتحدث الأخرى عن منعه عند محاولة مغادرة القاهرة.
إذا صحت إفادة فيصل، فإن واقعة التوقيف لم تكن دليلاً على الزيارة، وإنما جرى تغيير اتجاهها وإعادة استخدامها لبناء قصة أكثر قابلية للتصديق: حدث صحيح، يضاف إليه تفسير غير مثبت، ثم يُقدَّم الحدث والتفسير باعتبارهما واقعة واحدة.
الاسم الثقيل الذي دخل على الخط
بعد تقرير «أفريكا إنتليجنس»، دخل الكاتب الصحفي مصطفى عبد العزيز البطل على خط الرواية، ونشر مقالاً بعنوان «التطبيع سراً والإنكار جهراً».
البطل ليس حساباً مجهولاً في وسائل التواصل، فله تجربة طويلة داخل مؤسسات الدولة والإعلام والدبلوماسية، ويعرف وزن المصادر والفارق بين الخبر والادعاء.
كتب البطل أنه لم يهتم كثيراً بالخبر إلا بعد أن اطلع، في منبر خاص، على منشور للصحفي عثمان ميرغني قال إنه أكد صحة زيارة وفد من «صمود» إلى إسرائيل.
لكن بابكر فيصل نشر لاحقاً إفادة قال فيها إنه تواصل مع ميرغني، وإن الأخير نفى صحة التأكيد المنسوب إليه، وطلب حذف اسمه من المنشور. وأضاف فيصل أن البطل سحب المنشور بعد ذلك.
لا تملك «سودان ستوري» حتى الآن إفادة مباشرة من ميرغني أو البطل بشأن هذه الواقعة.
لكن دخول اسم بخبرة البطل أدى، من حيث الأثر، إلى إضافة طبقة نخبوية للرواية، فتحولت من ادعاء صادر عن صفحة إلكترونية إلى خبر نشرته منصة دولية، وسانده كاتب معروف، ونُسب تأكيده إلى صحفي آخر ذي حضور عام.
وفي الخلفية.. الطائرة
بينما كانت الرواية تمر بهذه المراحل، كانت طائرة الشحن SU-SKG تواصل حركتها داخل مسارات تتقاطع مباشرة مع النزاع المسلح متعدد الأبعاد في السودان.
تظهر مراجعة سجل الرحلات أن الطائرة وصلت من مومباسا إلى بانغي في 15 يوليو، ثم غادرت بانغي إلى القاهرة في 18 يوليو.
وبحسب «أفريكا إنتليجنس»، كانت تحمل ذخائر متجهة إلى تشاد، لكنها لم تواصل الرحلة مباشرة إلى نجامينا.
وفي اليوم التالي، ظهرت الطائرة في رحلات بين القاهرة والعاصمة التشادية. وفي 20 يوليو، نفذت رحلة من إسطنبول إلى بورتسودان.
لا تكشف بيانات تتبع الطيران طبيعة الحمولات، ولا تثبت أن الذخائر التي احتُجزت في بانغي ظلت داخل الطائرة بعد وصولها إلى القاهرة، كما لا تثبت أن رحلتها إلى بورتسودان حملت معدات عسكرية.
لكن تقرير «أفريكا إنتليجنس» يضع أمام التحقيق ثلاث وقائع أساسية: طائرة شحن مصرية، وذخائر متجهة إلى تشاد، وعودة إلى القاهرة قبل الوصول إلى نجامينا.
القاهرة تعقّد الفرضية السهلة
من السهل، عند سماع عبارة «ذخائر متجهة إلى تشاد»، القفز إلى فرضية أن الشحنة كانت مخصصة لقوات الدعم السريع عبر نجامينا.
لكن مرور الطائرة بالقاهرة يجعل هذا الاستنتاج أقل بساطة.
فإذا كانت الذخائر موجهة إلى الدعم السريع، وبقيت الحمولة نفسها على متن الطائرة، فإن ذلك يعني أن القاهرة سمحت بإعادة إرسال شحنة إلى مسار ينتهي إلى قوة تحارب الجيش السوداني، الذي ترتبط به مصر بعلاقات سياسية وعسكرية وثيقة.
هذه ليست فرضية مستحيلة، لكنها تحتاج إلى أدلة استثنائية لا يوفرها سجل الطيران وحده.
وتبقى أمام التحقيق احتمالات أخرى:
- أن تكون الذخائر مخصصة للجيش أو الأجهزة الأمنية التشادية، وأن اعتراض بانغي تعلق بمسار العبور أو التصاريح.
- أو أن تكون الشحنة جزءاً من ترتيبات مصرية–تشادية تخدم قوات سودانية متحالفة مع الجيش، وربما القوة المشتركة، عبر الحدود الشرقية لتشاد.
- أو أن تكون شحنة بانغي قد أُفرغت أو تغيرت في القاهرة، وأن الرحلات اللاحقة إلى نجامينا حملت مواد مختلفة.
لا يمكن حسم أي من هذه السيناريوهات من دون بوليصة الشحن، وبيان الحمولة، واسم المستأجر، وتصاريح نقل المواد الخطرة، وسجلات المناولة في المطارات الثلاثة.
هل كان خبر «صمود» للتعمية؟
لا يملك «سودان ستوري» دليلاً مباشراً يثبت أن رواية زيارة إسرائيل صُممت خصيصاً لحجب حركة الطائرة أو شحنة الذخائر.

لا توجد حتى الآن رسالة مسربة، أو إفادة من شخص شارك في إعداد الرواية، أو وثيقة تربط الجهة التي دفعت بخبر «صمود» بالجهة التي تعاملت مع الطائرة.
وأثبت التحقيق حتى هذه المرحلة أن الرواية ظهرت في «سودانيز إيكو» يوم مغادرة طائرة الذخائر بانغي إلى القاهرة؛ وأن حسابات بعينها حملتها منذ يومها الأول، وأبقتها حاضرة خلال الأيام التالية، ثم أعادت تقديمها بعد تقرير «أفريكا إنتليجنس» باعتبارها خبراً مؤكداً؛ وأن شبكة من الحسابات دفعتها إلى مجموعات سياسية وإخبارية وخدمية؛ وأن اسماً صحفياً وازناً دخل لاحقاً ليمنحها طبقة إضافية من التصديق.
وفي المقابل، بقي خبر الطائرة — رغم تعلقه بذخائر تحركت عبر بانغي والقاهرة ونجامينا — بعيداً إلى حد كبير عن النقاش السوداني.
هذه الوقائع تكشف الأثر، بصرف النظر عن إمكانية إثبات النية:
نجحت رواية زيارة «صمود» في شغل المجال السياسي، بينما بقيت حركة الذخائر في الظل، سواء صُممت الرواية لهذا الغرض أم لم تُصمم.
القصة لم تعد تتعلق فقط بصحة زيارة مزعومة إلى إسرائيل.
إنها تتعلق بمن صنع الرواية، ومن منحها صفة «الحصرية»، ومن نقلها إلى منصة دولية، ومن تولى توزيعها وشرعنتها داخل السودان، وما الذي كان يتحرك بين بانغي والقاهرة ونجامينا وبورتسودان في التوقيت نفسه.
هذا هو الجزء الأول من تحقيق «سودان ستوري».
الحلقة المقبلة
من مومباسا إلى بانغي ثم القاهرة.. رحلة الذخيرة التي لم تصل مباشرة إلى وجهتها.

