إعداد: سودان ستوري

أتمّت جماعة الحوثي، مساء الجمعة، سيطرتها على مضيق باب المندب بالكامل بعد وصول مقاتليها إلى جزيرة ميون (بريم) الواقعة في قلب المضيق، عقب سيطرتها على ميناء المخا والتقدم جنوباً إلى ذبّاب، وانسحاب القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً من الجزيرة، وفق مصادر عسكرية ومحلية يمنية نقلتها رويترز وفرانس برس والجزيرة. وأعلن مسؤول حوثي أن “الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب آمنة ومنظّمة”، قبل أن يوضح الناطق العسكري للجماعة أن الاستثناء الوحيد هو السفن السعودية، المحظورة أصلاً بقرار سابق.

هذا التمايز مهم: فاكتمال السيطرة العسكرية على المضيق لا يعني إغلاقه أمام الملاحة العامة، لكنه يعني أن الحوثيين يملكون الآن القدرة الكاملة على تصعيد الحصار متى قرروا ذلك، بمن في ذلك عبر توسيع الحظر ليشمل فئات أخرى من السفن.

لكن ثمة فارقاً أساسياً بين السيطرة العسكرية على مواقع المضيق وإغلاقه أمام السفن. حتى أحدث بيانات الملاحة المتاحة، لم تتوقف حركة السفن في باب المندب. فقد عبرت 28 سفينة تجارية المضيق يوم الأربعاء، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 27 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة. وهذا يعني أن الخطر ارتفع، لكن الحديث عن إغلاق الممر أو توقف التجارة عبره سيكون سابقاً للوقائع.

بالنسبة إلى السودان، تبدأ القصة من هنا.

ميناء واحد واقتصاد يعتمد على الخارج

يصف بنك السودان المركزي بورتسودان بأنه المنفذ الرئيسي الذي تمر عبره معظم تجارة البلاد الخارجية. وخلال النصف الأول من 2026 بلغت الواردات السودانية نحو 4.517 مليارات دولار، مقابل صادرات بلغت 1.816 مليار دولار.

لكن ليست كل هذه الواردات معرضة لباب المندب بالدرجة نفسها. فالسلع القادمة من أوروبا وروسيا وموانئ البحر المتوسط تستطيع الوصول إلى بورتسودان من الشمال عبر قناة السويس. أما الشحنات القادمة بحراً من الهند وعُمان وشرق آسيا وأجزاء من الخليج، فإن طريقها المباشر إلى البحر الأحمر يمر من باب المندب.

وهنا تظهر نقطة الضعف الأولى: الوقود.

بلغت فاتورة المنتجات البترولية المستوردة خلال الأشهر الستة الأولى من العام نحو 1.495 مليار دولار، أي قرابة ثلث إجمالي واردات السودان. وشملت نحو 834 ألف طن من الجازولين و451 ألف طن من البنزين، إلى جانب منتجات أخرى.

وتظهر بيانات بنك السودان أن المنتجات البترولية القادمة من عُمان وحدها بلغت نحو 363.6 مليون دولار، ومن الهند نحو 115 مليون دولار خلال النصف الأول من العام. أي أن البلدين وحدهما يمثلان ما يقارب 479 مليون دولار من فاتورة الوقود السودانية.

ولا تثبت بيانات بنك السودان المسار البحري الذي سلكته كل شحنة؛ فهي تسجل بلد المنشأ لا ميناء الشحن وخط الرحلة. لكن موقع البلدين يجعل باب المندب الطريق البحري الأقصر والطبيعي للشحن المباشر إلى بورتسودان. وبما أن الاستثناء الحوثي المعلن يقتصر حتى الآن على السفن السعودية، فإن الشحنات القادمة من عُمان والهند لا تندرج مبدئياً ضمن الحظر المباشر، وإن كانت تبقى عرضة لارتفاع كلفة التأمين والشحن العام في المنطقة.

المشكلة لا تبدأ عند إغلاق المضيق

حتى إذا ظلت السفن تعبر، يمكن أن يدفع السودان تكلفة الأزمة. فارتفاع المخاطر الأمنية يدفع شركات النقل إلى رفع أجور الشحن، وقد يرفع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب أو يدفع بعض الناقلات إلى تجنب المنطقة واختيار مسارات أطول.

وخلال الأيام الأخيرة قفزت أسعار استئجار ناقلات النفط إلى مستويات قياسية وسط اضطرابات هرمز والبحر الأحمر، مع تقلص أعداد السفن المستعدة لدخول مناطق عالية المخاطر.

وهناك تفصيل في منهجية بنك السودان يجعل الأمر أكثر مباشرة: الواردات السودانية تُحسب وفق قاعدة التكلفة والشحن C&F، أي أن القيمة تشمل ثمن السلعة وتكلفة نقلها حتى ميناء الوصول. بمعنى آخر، يمكن أن ترتفع فاتورة السودان حتى إذا ظلت كمية الوقود المستوردة كما هي، لمجرد أن نقل البرميل أو الطن إلى بورتسودان أصبح أغلى.

ضغط مزدوج على النفط

يتزامن خطر باب المندب مع أزمة أخرى في طرق الطاقة الخليجية. فقد أوقفت السعودية خط أنابيب الشرق–الغرب بعد هجوم بطائرات مسيّرة انطلقت من العراق، وفق بيان وزارة الطاقة والخارجية السعوديتين، في وقت أصبح فيه الخط أكثر أهمية كبديل لمضيق هرمز المضطرب. وكان ينقل في الفترة الأخيرة ما يصل إلى خمسة ملايين برميل يومياً. وذكرت الرياض أنها لن ترد فوراً على الهجوم بناءً على طلب من رئيس الوزراء العراقي، مع احتفاظها بحق اتخاذ ما تراه ضرورياً لحماية منشآتها.

انعكست هذه الضغوط على السوق سريعاً. فقد تجاوز خام برنت 109 دولارات خلال تداولات الجمعة قبل أن يتراجع إلى ما فوق 104 دولارات عند الإغلاق، منهياً الأسبوع على ارتفاع تجاوز 8 في المئة.

وهذا يضع السودان أمام ضغطين في الوقت نفسه: ارتفاع محتمل في سعر الوقود نفسه، وارتفاع محتمل في تكلفة نقله.

القمح أقل تعرضاً مباشرة

أما القمح، فالصورة مختلفة. بلغت واردات السودان من القمح ودقيقه نحو 406.7 ملايين دولار في النصف الأول من 2026. لكن أكثر من 341 مليون دولار منها جاء من روسيا، إلى جانب واردات من مصر ورومانيا وكندا. وهي مصادر لا تجعل باب المندب طريقها الطبيعي إلى بورتسودان.

لذلك سيكون من المبالغة القول إن التطورات الحالية تهدد إمدادات القمح السودانية مباشرة بالطريقة نفسها التي ترفع بها مخاطر الوقود. وقد يصل أثر الأزمة إلى أسعار الغذاء لاحقاً عبر الطاقة والنقل والتضخم، لكن ذلك مسار اقتصادي غير مباشر.

الخطر اقترب ولم يصل بعد

التطور الذي ينبغي مراقبته الآن ليس خريطة السيطرة في اليمن وحدها، بل قرار شركات الملاحة وشركات التأمين، وما إذا كان الحوثيون سيوسّعون استثناء الحظر ليشمل فئات سفن أخرى غير السعودية.

إذا ظلت الحركة في باب المندب قريبة من مستوياتها الحالية، فقد يبقى أثر التطورات على السودان في نطاق ارتفاع النفط وعلاوات المخاطر والشحن. أما إذا بدأت شركات جديدة في تعليق المرور، أو ارتفعت كلفة النقل والتأمين بصورة حادة، فسيتحول ما يحدث عند الساحل اليمني سريعاً إلى رقم يظهر في فاتورة بورتسودان.

السودان، بهذا المعنى، لا يحتاج إلى إغلاق باب المندب بالكامل حتى يتضرر. يكفي أن يرتفع سعر المرور عبره وأن يتباطأ، مع تراجع القدرة على توقّع تكلفته؛ ففي بلد يذهب نحو ثلث فاتورة وارداته إلى المنتجات البترولية، تبدو المسافة بين جزيرة ميون ومحطات الوقود السودانية أقصر مما توحي به الخريطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *