ما وراء الخبر / تحليل سياسي
سودان ستوري – خاص
لم يعد الخلاف بشأن اجتماع الآلية الخماسية المقرر عقده في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا يوم 29 يوليو الجاري متعلقاً بموعد انعقاده فحسب، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية: هل يقتصر دور المسهّلين الدوليين والإقليميين على تقريب المواقف، أم يشمل تصميم العملية السياسية واختيار المشاركين فيها؟
مصدران تحدثا إلى «سودان ستوري»، الأحد، رجّحا عدم انعقاد الاجتماع في موعده المحدد، وسط تحفظات قدمها تحالف «صمود» وعدد من القوى المنخرطة في «إعلان نيروبي» بشأن طريقة إدارة المشاورات وترتيبات الجولة الجديدة. وبحسب المعلومات المتاحة، بات تأجيل الاجتماع إلى أغسطس المقبل الاحتمال الأكثر ترجيحاً.
وقال مصدر قيادي في تحالف «صمود» إن التحالف أبلغ المسهّلين بالمطلوبات التي يرى ضرورة حسمها قبل توجيه الدعوة إلى جولة سياسية جديدة، مضيفاً أن التحفظ الأساسي يتعلق بما اعتبره تجاوزاً للدور التنسيقي للمسهّلين، واتجاهاً نحو طرح تصور معد سلفاً لشكل العملية السياسية وأطرافها، بدلاً من الوصول إلى هذا التصور بالتشاور مع القوى السودانية المشاركة.
هذا النمط ليس جديداً على مسار أديس أبابا. ففي جولة يونيو الماضي، تأجلت الجلسة الافتتاحية بالفعل بعد اعتراض مماثل من «صمود» وتلويحه بمقاطعة المشاورات، على خلفية دعوة أطراف إضافية خارج القائمة المتوافق عليها مسبقاً بين الكتل الثلاث الرئيسية. كما أعلنت الآلية الخماسية منذ الجولة الأولى أن قائمة المشاركين “ليست نهائية أو شاملة”، وأن التوسع سيجري تدريجياً عبر جولتين لاحقتين — عُقدت إحداهما بالفعل في 8 و9 يوليو، فيما تبقى جولة 29 يوليو المقررة هي محل الخلاف الراهن.
وتشير معلومات «سودان ستوري» إلى أن قوى سياسية شاركت في الجولات السابقة قدمت هي الأخرى ملاحظات إلى الآلية الخماسية، تركزت حول معايير اختيار المشاركين الجدد، وحدود صلاحيات الآلية في توسيع العملية أو إعادة تشكيلها.
ويتمثل أحد أبرز مواضع الخلاف في اتجاه الآلية إلى تقليص مشاركة بعض القوى السياسية التي حضرت الاجتماعات السابقة، مقابل ضم ممثلين جدد عن تيارات مجتمعية وفئوية. ولا تعترض القوى المدنية، وفقاً للمصادر، على توسيع المشاركة من حيث المبدأ، لكنها تطالب بالكشف عن الجهات المقترحة، وتحديد المعايير التي جرى الاستناد إليها في اختيارها، وضمان ألا يؤدي التوسع إلى صناعة توازنات سياسية مسبقة داخل قاعة الاجتماعات.
وقال مصدر دبلوماسي مطلع على تحركات المسهّلين لـ«سودان ستوري» إن الآلية عقدت مشاورات مع عدد من القوى المدنية التي شاركت في الجولات السابقة، لكنه أقر بوجود «مسافة آخذة في الاتساع» بين تصورات الآلية ومواقف بعض الأطراف. حتى لحظة نشر هذا التقرير، لم تصدر الآلية الخماسية بياناً علنياً يتناول تحفظات «صمود» على ترتيبات جولة 29 يوليو تحديداً، وهو ما يترك السؤال عن موعد الاجتماع وشكله مفتوحاً.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو التأجيل المحتمل مجرد عثرة إجرائية جديدة، بل مؤشراً إلى أزمة ثقة بين المسهّلين وبعض القوى المدنية بشأن الجهة التي تملك حق تحديد شكل العملية السياسية وحدود المشاركة فيها.
فالقوى المعترضة ترى أن دور الآلية يجب أن يظل محصوراً في التيسير وتقريب وجهات النظر، بينما تكشف التحركات الجارية عن رغبة أوسع لدى المسهّلين في إعادة تنظيم طاولة الحوار وتوسيع مكوناتها. وبين الرؤيتين، يواجه اجتماع أديس أبابا المقرر في 29 يوليو خطر التأجيل إلى أغسطس، فيما يبقى مفتوحاً السؤال عن الجهة التي ستحدد، في نهاية المطاف، شكل هذه العملية وحدود المشاركة فيها، قبل أن تُناقش أصل الأزمة السودانية.

