مهند عوض رئيس دائرة وسط إفريقيا في الحزب المحلول

تقرير : عباس محمد إبراهيم

ثلاثة مصادر تؤكد لـ«سودان ستوري» أن عضوية مهند عوض أثارت جدلاً داخل اللجنة بسبب موقعه السابق في المؤتمر الوطني المحلول قبل أن تُجاز. وفي اللجنة أيضاً رئيس اللجنة القانونية للكتلة الديمقراطية، وشخص ارتبط بهياكل المقاومة الشعبية، بينما يواصل منسق مسارها المجتمعي سجالاً سياسياً مع قوى يفترض أن تشملها المشاورات. فبأي معيار وصفها الاتحاد الأفريقي بأنها «مستقلة»؟

لم تكن صفة «المستقلة» مجرد تعريف اختارته لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني لنفسها.

ففي 31 أغسطس، رحبت مفوضية الاتحاد الأفريقي بالمبادرة التي انطلقت من الخرطوم، وقالت إنها تجري «تحت إشراف لجنة مستقلة من حكماء أبناء السودان»، ودعت إلى أن تشمل مشاوراتها جميع المكونات المدنية والسياسية والمجتمعية.

لكن مراجعة «سودان ستوري» لخلفيات عدد من أعضاء اللجنة، والمواقع التي شغلها بعضهم، والمواقف السياسية التي يواصل آخرون التعبير عنها بعد بدء عملها، تضع وصف «الاستقلال» نفسه أمام الاختبار.

ففي عضوية اللجنة قيادي سابق في حزب المؤتمر الوطني المحلول، ورئيس لجنة قانونية داخل تحالف سياسي فاعل، وشخص تولى موقعاً في هياكل المقاومة الشعبية المساندة للقوات المسلحة، بينما يتولى المسار المجتمعي عضو يواصل سجالاً سياسياً علنياً مع قوى يفترض أن تكون من بين الأطراف التي تسعى اللجنة إلى التواصل معها.

وفوق ذلك، لم تستقر قائمة اللجنة منذ مرحلة التكوين؛ إذ ظهر المحبوب عبد السلام ضمن قوائمها الأولية ثم غاب عن التشكيل النهائي، قبل أن تستقيل البروفيسور نعمات الزبير بعد أيام من الإعلان.

والسؤال هنا يتعلق بما إذا كانت تركيبة كهذه تستطيع توفير الاستقلال والحياد الوظيفي والثقة اللازمة لتيسير حوار بين أطراف النزاع المسلح والانقسام السياسي، أكثر من تعلقه بضرورة أن يكون عضو لجنة الحوار بلا تاريخ أو رأي سياسي.

مهند عوض.. جدل سبق تثبيت العضوية

الحالة الأكثر مباشرة هي مهند عوض.

وأكدت ثلاثة مصادر منفصلة لـ«سودان ستوري» أن عوض، الموجود ضمن اللجنة، هو القيادي السابق في حزب المؤتمر الوطني المحلول، وأن خلفيته الحزبية كانت موضع جدل داخل اللجنة نفسها قبل تثبيت عضويته.

مهند عوض رئيس دائرة وسط إفريقيا في الحزب المحلول

وبحسب المصادر، دار النقاش تحديداً حول عضويته السابقة وموقعه في المؤتمر الوطني ومدى توافق ذلك مع طبيعة اللجنة التي تقدم أعضاءها باعتبارهم شخصيات مستقلة، قبل أن ينتهي النقاش بإجازة عضويته.

وهذا يعني أن خلفية عوض لم تكن معلومة اكتُشفت بعد إعلان اللجنة؛ اللجنة عرفتها وناقشتها ثم اختارت تثبيت عضويته.

وتوثق المصادر المفتوحة أن مهند عوض محمود لم يكن مجرد عضو عادي في المؤتمر الوطني. فقد شغل رئاسة دائرة وسط أفريقيا بالحزب الحاكم، وتولى ملف جنوب السودان، وظهر في 2015 نائباً لأمين أمانة أفريقيا، وقاد أنشطة وعلاقات حزبية خارجية باسم المؤتمر الوطني.

وهنا لا تكفي معاملة الأمر باعتباره «عضوية حزبية سابقة».

فالمؤتمر الوطني كان الواجهة السياسية للنظام الذي حكم السودان طوال عهد عمر البشير حتى أسقطته ثورة ديسمبر، قبل أن يُحل عقب سقوط النظام. كما أن شبكات الحركة الإسلامية والنظام السابق لم تغب عن الصراع الذي أعقب الثورة ولا عن النزاع المسلح الحالي.

وقبل اندلاع النزاع المسلح بأسابيع، كانت تحليلات «تشاتام هاوس» تحذر من أن عناصر النظام السابق تعمل على تعطيل الاتفاق السياسي وتقويض الانتقال المدني. وبعد اندلاع القتال، ذهبت المؤسسة نفسها إلى أن عناصر إسلامية من عهد البشير داخل الجيش لعبت دوراً في دفع القوات المسلحة نحو الصدام، وأن تيارات من النظام السابق سعت إلى استعادة السلطة عبر انتصار الجيش.

وفي تحليل لاحق، وصفت «تشاتام هاوس» القوات المسلحة بأنها تقاتل ضمن تحالف يضم قيادات أمنية إسلامية من عهد البشير، وأشارت إلى ضغوط من تيارات إسلامية متشددة ضد التسويات والتفاوض أملاً في العودة إلى الحكم.كتائب الاسلاميين

وبذلك يصبح السؤال الذي تطرحه عضوية مهند عوض أكبر من تعريف إجرائي لـ«المستقل»: ما الذي دفع اللجنة، بعد أن ناقشت خلفيته في الحزب المحلول، إلى إجازة عضويته؟ وما تعريفها للاستقلال الذي يسمح لقيادي سابق في حزب النظام الذي أسقطته الثورة بأن يكون بين الشخصيات المكلفة بتهيئة الحوار؟

ذاكرة «الوثبة»

وتزداد أهمية السؤال لأن «الحوار» نفسه ليس مفهوماً محايداً في الذاكرة السياسية السودانية.

ففي السنوات الأخيرة من حكم البشير، أطلق النظام ما عرف بـ«الحوار الوطني» أو «حوار الوثبة»، وقدم العملية باعتبارها طريقاً لجمع السودانيين ومعالجة الأزمة السياسية.

لكن ذلك الحوار دخل منذ بداياته في صراع حول الحريات وتهيئة المناخ واستقلال العملية، حتى إن أحزاباً مشاركة فيه وصفته في مرحلة من مراحله بـ«حوار الطرشان»، بينما ظلت قوى معارضة رئيسية خارجه.

لهذا لا تأتي الحساسية تجاه اللجنة الحالية من فراغ. فبالنسبة إلى قطاع من القوى التي قاومت نظام البشير، يعيد إطلاق حوار من داخل مناطق نفوذ السلطة القائمة في بورتسودان، مع إجراءات تهيئة تصدر عن السلطة نفسها، ولجنة لا تعلن بصورة واضحة معايير اختيار أعضائها، إلى الذاكرة تجربة إدارة الحوار من مركز السلطة ثم دعوة الآخرين للالتحاق به.

هذا التشابه يجعل هوية من يصمم الحوار، ومعايير اختيار ميسريه، واستقلالهم عن السلطة وشبكات النظام السابق أسئلة جوهرية لا تفاصيل ثانوية، وإن لم يكفِ وحده للقول إن اللجنة الحالية نسخة من «الوثبة».

أمين سعد.. من المقاومة الشعبية إلى الحوار

ويطرح أمين سعد سؤالاً مختلفاً.

فقد سبقت إعلان اللجنة تقارير تحدثت عن استبعاده، قبل أن يظهر اسمه لاحقاً ضمن التشكيل النهائي المعلن.

وسجل سعد خلال النزاع المسلح أكثر وضوحاً.

ففي مارس 2025، ظهر بصفته رئيس لجنة الإسناد المدني بالخرطوم، وقال بنفسه إن اللجنة واحدة من ثماني لجان داخل «اللجنة العليا للاستنفار والمقاومة الشعبية بولاية الخرطوم». كما تحدث عن مشاركة المقاومة الشعبية والمستنفرين في أعمال اللجنة.

وتظهر مادة منشورة في يوليو 2025 استمرار ظهوره رئيساً للجنة الإسناد المدني بالمقاومة الشعبية.

وجود شخص بهذه الخلفية داخل لجنة مطالبة ببناء الثقة مع أطراف تقف في الجهة المقابلة من النزاع المسلح يطرح سؤالاً مباشراً عن تعارض المواقع، والمسافة التي يجب أن تفصل الميسّر عن هياكل الإسناد المرتبطة بأحد المعسكرين، وإن كانت «سودان ستوري» لا تملك ما يثبت أنه ما يزال يشغل الموقع ذاته الآن.

نبيل أديب.. مستقل في موقع تنظيمي

أما المحامي نبيل أديب، عضو اللجنة، فيقدم نموذجاً آخر.

فقد أكد أديب في إفادة سابقة لـ«سودان ستوري» أنه ما يزال رئيس اللجنة القانونية للكتلة الديمقراطية، لكنه يقول إنه موجود داخل الكتلة بصفته شخصية مستقلة وليس ممثلاً لحزب.

وهنا يصبح السؤال متعلقاً بتعريف اللجنة للاستقلال نفسه: هل يكفي ألا ينتمي الشخص إلى حزب، حتى وإن كان يتولى موقعاً تنظيمياً داخل تحالف سياسي فاعل؟

وتزداد المفارقة مع اعتراض مني أركو مناوي، رئيس اللجنة السياسية في الكتلة الديمقراطية، على صيغة الحوار نفسها وتحذيره من أن تؤدي في الظروف الحالية إلى تكريس انقسام البلاد.

أي أن رئيس اللجنة القانونية للكتلة الديمقراطية موجود داخل لجنة يبدي رئيس لجنتها السياسية تحفظات جوهرية على المسار الذي تقوده.

محمد جلال.. سجال مستمر أثناء المهمة

أما الدكتور محمد جلال هاشم، فالسؤال في حالته لا يتعلق بانتماء تنظيمي بقدر ما يتعلق بالحياد أثناء أداء المهمة.

فهاشم عضو في اللجنة ومنسق المسار المجتمعي، وتحدث في نشاط رسمي عن ترميم النسيج الاجتماعي ومعالجة آثار النزاع المسلح ومناهضة خطاب الكراهية.

لكن مواقفه السياسية الحادة تجاه عدد من القوى المدنية استمرت بعد انضمامه إلى اللجنة.

فقد نشر خلال الأيام الأولى لعملها رابطاً لتقرير تابع للأمم المتحدة، ووجه سؤالاً مباشرة إلى «قحت/تقدم/صمود/تأسيس»، مقدماً التقرير باعتباره يؤكد الدور الإماراتي في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع.

د. محمد جلال هاشم

ورد عليه أخصائي الطب النفسي أحمد الأبوابي علناً، مطالباً إياه، «بسبيل التوثيق والدقة»، بتحديد الفقرة التي تتضمن إدانة صريحة للإمارات، قبل أن يسأله عن موقفه من الاتهامات التي أوردها التقرير بشأن انتهاكات منسوبة إلى القوات المسلحة، وما إذا كان هذا التوازن يعزز مصداقية التقرير.

كما واصل هاشم إعادة نشر مواد تنتقد «صمود» و«تأسيس» ومسارات سياسية في أديس أبابا، وأبدى تأييداً واضحاً لبعضها.

يثير الأمر هنا سؤالاً عن الفاصل بين الرأي الشخصي ودور الميسّر أكثر مما يتعلق بمنعه من امتلاك رأي سياسي: هل يمكن لعضو مكلف بتهيئة التواصل مع هذه القوى أن يواصل في الوقت نفسه سجالاً سياسياً مباشراً معها؟ وهل لدى اللجنة مدونة سلوك تضبط خطاب أعضائها طوال فترة المهمة؟

المحبوب ونعمات.. قائمة لم تستقر

حتى تركيبة اللجنة نفسها لم تستقر منذ البداية.

ففي 26 أغسطس، كان اسم الدكتور المحبوب عبد السلام ضمن قائمة الشخصيات المكونة للجنة قبل الإعلان الرسمي. لكنه لم يظهر في القائمة النهائية التي أعلنت بعد ذلك بأيام.

المحبوب عبد السلام

ثم جاءت استقالة البروفيسور نعمات الزبير بعد إطلاق اللجنة.

وقالت الزبير إن المهمة تحتاج إلى قدر أكبر من الالتزام والتفرغ، وإنها تفضل العودة إلى مجال العمل الاجتماعي والإنساني، مؤكدة أن قرارها لا يعني رفض الحوار أو التشكيك في نوايا أعضاء اللجنة.

يضيف خروج المحبوب واستقالة نعمات سؤالاً آخر يتعلق بكيفية تشكيل القائمة، ومن وافق ثم غادر، ولماذا لم تقدم اللجنة حتى الآن للرأي العام صورة واضحة عن التغييرات التي طرأت على عضويتها، من دون أن يثبت ذلك وحده وجود خلاف سياسي داخل اللجنة.

اعتراضات لا تأتي من معسكر واحد

التحفظات على اللجنة لا تقتصر على القوى المعارضة للسلطة القائمة في بورتسودان.

فرئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير أعلن اتفاقه مع مناوي بشأن خطورة صيغة الحوار الحالية على وحدة البلاد، ورأى أن أي حوار غير شامل وغير مستقل عن سيطرة أي جهة وغير مرتبط بإيقاف النزاع المسلح يمكن أن يتحول إلى تكيف مع واقع الانقسام الذي فرضه النزاع المسلح.

البرهان و مناوي

ودعا الدقير إلى هدنة إنسانية وتهيئة للمناخ وتشاور مسبق بين القوى المدنية حول لجنة تحضيرية تحدد الأجندة والأطراف ومكان الحوار ودور الميسرين، معتبراً أن الخلاف ليس حول مبدأ الحوار بل حول تصميمه وغاياته.

وفي اتجاه أكثر حدة، قال قيادي في قوى إعلان المبادئ لـ«سودان ستوري»: «هذه لجنة مهمتها تنصيب البرهان رئيساً، وليس إيقاف الحرب».

في المقابل، دافع عضو اللجنة الواثق كمير عن المبادرة، موضحاً أن اللجنة ليست منبراً للحوار نفسه، وإنما جهة لفتح قنوات التشاور وتهيئة الظروف السابقة له.

«مستقلة» بأي معيار؟

هذه الوقائع تجعل صفة «الاستقلال» التي منحها الاتحاد الأفريقي للجنة بحاجة إلى تفسير، من دون أن تعني بالضرورة أن اللجنة ستفشل في مهمتها.

فالمسألة لم تعد مجرد اختلاف في الآراء بين شخصيات عامة.

هناك قيادي سابق في المؤتمر الوطني ناقشت اللجنة نفسها خلفيته قبل أن تقرر تثبيت عضويته. وهناك عضو ارتبط بهياكل المقاومة الشعبية، ورئيس لجنة داخل تحالف سياسي، ومنسق لمسار مجتمعي يواصل مواجهة سياسية علنية مع بعض الجهات التي يفترض أن يصل إليها الحوار.

وهنا يصبح السؤال الموجه إلى الاتحاد الأفريقي واضحاً: على أي أساس وصف هذه التركيبة بأنها «لجنة مستقلة من حكماء أبناء السودان»؟ وهل سبق هذا التوصيف فحص لخلفيات أعضائها ومعايير اختيارهم، أم أنه استند إلى الطريقة التي قدمت بها المبادرة نفسها؟

كما أرسلت «سودان ستوري» أسئلة إلى الصحفي عثمان ميرغني، عضو لجنة تهيئة الحوار، ظهر الخميس بشأن معايير اختيار الأعضاء واستقلال اللجنة وخلفيات بعض أعضائها، ثم أعادت تذكيره بالأسئلة وحاولت التواصل معه هاتفياً، لكنها لم تتلق رداً حتى وقت إعداد هذه المادة.

وقبل أن تختبر لجنة الحوار قدرتها على إقناع المتخاصمين بالجلوس إلى طاولة واحدة، تواجه اختباراً يسبق ذلك كله:

أن تقنعهم أولاً بأن من يدعوهم إلى الطاولة يقف على مسافة تسمح له بإدارة الطريق إليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *