رأي
بقلم رئيس التحرير
عاد مبارك أردول إلى الخرطوم، ووجدها -كما كتب- هادئة وممطرة. وضع على صفحته صورتين متجاورتين: عمر البشير في واحدة، وعبد الفتاح البرهان في الأخرى، وكتب أن الأول أنشأ قوات الدعم السريع ومنحها غطاءها القانوني، وأن الثاني هزمها وفكّكها واستعاد العاصمة. بين الصورتين اختزل أردول سنوات كاملة من السياسة السودانية، وغاب عن المشهد الذي كان هو نفسه جزءًا من رسمه.
الأطروحة التي يستحق هذا المنشور أن يُقرأ في ضوئها بسيطة: استعادة الخرطوم عسكريًا لا تمنح أحدًا صك براءة سياسية. لا تبرئ البرهان من سنوات الشراكة مع محمد حمدان دقلو قبل أن ينقلب عليها الطرفان معًا على الحكم المدني، ولا تبرئ أردول من موقعه داخل المعسكر السياسي الذي مهّد الطريق لذلك الانقلاب.
الصورة الأولى في منشور أردول دقيقة تاريخيًا. أخرج نظام البشير قوات الدعم السريع من رحم مليشيات الحرب في دارفور، ومنحها اسمًا وقانونًا ورتبًا وسلاحًا، ووضع قائدها على مسار الصعود داخل مؤسسات الدولة. هذه وقائع موثقة لا خلاف حولها.
غير أن القوة التي ورثها السودان بعد سقوط البشير في 2019 واصلت نموها في عهد البرهان نفسه. ألغى المجلس العسكري الانتقالي، برئاسته، المادة الخامسة من قانون الدعم السريع، وهي المادة التي كانت تربط القوة بالجيش في حالات الحرب والطوارئ وتفتح باب دمجها فيه. بهذا الإلغاء، وبقرارات لاحقة، ازدادت القوة استقلالًا عن المؤسسة العسكرية، وتحوّل قائدها من رئيس تشكيل عسكري إلى نائب لرئيس مجلس السيادة، أي الرجل الثاني في السلطة التي كان البرهان يرأسها.
لم تكن الحكومة المدنية في تلك المرحلة نموذجًا للحزم؛ فالوثيقة الدستورية التي قبل بها الشركاء المدنيون تركت إصلاح المؤسستين العسكرية والأمنية للعسكريين أنفسهم، وأبعدت أهم ملفات الانتقال عن رقابة فعلية، وتأخر تشكيل المجلس التشريعي الذي كان يُفترض أن يراقب السلاح والمال والنفوذ العسكري. هذه أخطاء حقيقية فتحت أبوابًا واسعة أمام تمدد العسكريين.
مع ذلك، بقيت الوثيقة الدستورية، بكل عيوبها، بعيدة عن منح البرهان صلاحية اعتقال رئيس الوزراء أو حل الحكومة أو إنهاء الانتقال والانفراد بالسلطة. منحت العسكريين نفوذًا واسعًا في الدفاع والداخلية وملفات الإصلاح العسكري، وتركت اقتصادًا موازيًا خارج متناول الحكومة، لكن سقف ما منحته ظل أضيق بكثير مما أراده البرهان لاحقًا.
هنا تبدأ الصورة الغائبة عن منشور أردول. في أكتوبر 2021 وقف معسكر «الميثاق الوطني» أمام القصر الجمهوري مطالبًا بحل حكومة عبد الله حمدوك، وقدّم للعسكريين الذريعة التي كانوا ينتظرونها. في الخامس والعشرين من الشهر نفسه، اعتُقل رئيس الوزراء والوزراء والسياسيون، وحُلّ مجلسا السيادة والوزراء، وأُعلنت حالة الطوارئ. كان البرهان في مقدمة الانقلاب، وكان حميدتي شريكه فيه. أما أردول، فموقعه الحرفي لم يكن داخل الدبابة، وهذا صحيح. كان مع ذلك ضمن المنصة السياسية التي طالبت بما نفّذه الانقلاب، ثم رفضت لاحقًا أن تسمّيه انقلابًا.
الانتصار العسكري لا يصدر صكوك البراءة السياسية.
اندلعت الحرب في الخرطوم في الخامس عشر من أبريل 2023، غير أن ذلك اليوم كان موعد إطلاق النار لا بداية القصة. أول شظايا الحرب خرجت من انقلاب أكتوبر 2021، حين أزال البرهان وحميدتي معًا المساحة المدنية الوحيدة التي كان يمكن أن يُدار داخلها الخلاف بينهما بالسياسة والقانون. بعد سقوط تلك المساحة، بقي جيشان وقائدان وسلطتان داخل دولة واحدة، إلى أن انفجر الخلاف بالسلاح.
يبقى وصف أردول لمصير الدعم السريع بحاجة إلى دقة أكبر أيضًا. القوة خرجت من الخرطوم ومناطق أخرى، لكنها ما زالت تحتفظ بقيادة وسلاح ورجال وأرض تحت سيطرتها، والتفكيك الفعلي يعني إنهاء قدرتها التنظيمية والاقتصادية والقتالية، لا إخراجها من مدينة واحدة. والسؤال الذي يستحق طرحه بعد الاحتفال بالانتصار هو مصير هذا السلاح: هل يُدمج الجميع في جيش وطني واحد، أم يخرج السودان من حرب بين جيشين إلى زمن جيوش متعددة؟
الصورة الثالثة التي غابت عن منشور أردول تجمع البرهان وحميدتي في لحظة الشراكة والانقلاب معًا، وتضع المعسكر السياسي الذي انخرط فيه أردول داخل خط التمهيد لتلك اللحظة. هذا لا يحمّل أردول وحده إشعال الحرب. إنه يعني أن كتابة تاريخها تتطلب أكثر من صورتين متتاليتين وذاكرة انتقائية. فالتاريخ الذي طلب أردول أن يكون شاهدًا عليه سيسجل شراكة الرجلين قبل عدائهما، وأخطاء المدنيين إلى جوار انقلاب العسكر عليهم، والمعسكر الذي مهّد الطريق قبل أن يُخرج نفسه من الصورة. وصل أردول إلى الخرطوم فوجدها ممطرة، والمطر يغسل الشوارع، لا الذاكرة.
كل حكاية تستحق أن تُروى — Sudan Story

