لم تكن الأزمة السياسية التي اجتاحت داونينغ ستريت خبراً داخلياً يخص لندن وحدها. فبالنسبة إلى السودان، البلد الذي باتت قضيته موزعة بين ساحات القتال وغرف التفاوض والعواصم الدولية، فإن أي اضطراب داخل مركز القرار البريطاني يفتح سؤالاً يتجاوز هوية الساكن الجديد في المبنى رقم 10: ماذا يحدث لملف حرب بعيدة حين تنشغل عاصمة مؤثرة بأزمتها الداخلية؟

في نيروبي، لا تبحث الشبكة الشبابية السودانية عن مقعد في المشهد السياسي فقط، بل عن تعريف جديد لدور الشباب بين المنفى، الحرب، وسؤال الشرعية.

ثبات الخطاب لا يعني استمرار الزخم

قد لا يتغير الموقف البريطاني المعلن تجاه السودان. ستبقى العبارات الكبرى غالباً كما هي: لا حل عسكرياً، حماية المدنيين، دعم المسار المدني، وقف التدخلات الخارجية، وتوسيع الوصول الإنساني. هذه مبادئ مثبتة في وثائق دبلوماسية، وليست مرتبطة بشخص رئيس الوزراء.

لكن السياسة الخارجية لا تعيش بالنصوص وحدها. الفارق الحقيقي تصنعه الإرادة السياسية: من يتابع؟ من يضغط؟ من يرفع الملف إلى مستوى القرار؟ ومن يحوّل البيانات إلى أدوات فعلية في مجلس الأمن، وفي علاقات لندن مع حلفائها الإقليميين والدوليين؟

خسارة السودان المحتملة ليست في انقلاب بريطاني مفاجئ على التعهدات، بل في انتقال الملف إلى وضعية “الطيار الآلي”: إدارة بيروقراطية تحفظ اللغة، لكنها لا تملك الطاقة السياسية لدفعها إلى الأمام.

بيرنهام والسودان: غياب يُقرأ بوصفه مؤشراً

مع تقدم آندي بيرنهام بوصفه من أبرز المرشحين لقيادة حزب العمال، تبرز فجوة واضحة في سجله العام: السودان غائب تقريباً عن خطابه السياسي المعروف.

تحدث بيرنهام، خلال صعوده السياسي الأخير، عن الداخل البريطاني أكثر مما تحدث عن العالم: الخدمات العامة، النظام الصحي، الاقتصاد، الأقاليم. وحين تطرقت التغطيات إلى السياسة الخارجية، حضرت أوروبا وأوكرانيا وإسرائيل. أما السودان، فلم يظهر كملف ذي أثر في خطابه أو أولوياته المعلنة.

هذا الغياب لا يعني عداءً. لكنه يعني شيئاً لا يقل أهمية: فراغاً معرفياً. وفي السياسة الدولية، لا تحتاج الملفات الهامشية إلى خصومة كي تتراجع. يكفي ألا يكون لها صاحب داخل مركز القرار.

بالنسبة إلى بلد يعيش واحدة من أعقد الحروب في العالم، فإن “الصفحة البيضاء” ليست حياداً مريحاً. إنها خطر سياسي؛ لأن من لا يملك تصوراً عن الملف غالباً ما يتركه للمؤسسة البيروقراطية، ومن يتركه للمؤسسة وحدها يضمن استمرار اللغة، لا بالضرورة استمرار الزخم.

ثبات المبادئ واختفاء الزخم

في مؤتمر برلين الثالث حول السودان، وضعت بريطانيا اسمها إلى جانب شركاء دوليين في تأكيد جملة من المبادئ: وحدة السودان، رفض الحل العسكري، حماية المدنيين، دعم مسار سياسي مدني، وقف التدخلات الخارجية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

هذه المبادئ مهمة. لكنها لا تكفي وحدها. فالبيانات لا توقف حرباً، والتعهدات لا تصل إلى المدنيين ما لم تُترجم إلى تمويل وممرات آمنة وضغط سياسي، والمواقف العامة لا تردع الأطراف الإقليمية والدولية التي تغذي الحرب إذا لم تُرفق بكلفة دبلوماسية واضحة.

قد تبقى مبادئ برلين حاضرة في كل خطاب بريطاني عن السودان. لكن السؤال هو: من سيحملها سياسياً؟ هل ستكون أولوية لرئيس الوزراء القادم؟ هل سيضعها وزير الخارجية الجديد ضمن ملفات الضغط النشط؟ أم ستتحول إلى لغة مؤسسية مستقرة تُستخدم في التصريحات، بينما تتقدم ملفات أخرى أكثر حضوراً في الداخل البريطاني؟

حامل القلم… حين يفقد اليد السياسية

قاعة مجلس الأمن الدولي — بريطانيا “حامل القلم” في ملف السودان

تملك بريطانيا موقعاً خاصاً في ملف السودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *