
بقلم: عباس محمد إبراهيم
في مساء من خريف 2012، بعد أسابيع قليلة من وصولي إلى الدوحة للعمل في صحيفة «العرب»، جلستُ في مقهى صغير قرب سوق واقف، بين رجال قطريين وسودانيين تجاوز بعضهم السبعين، يتقاسمون فنجان قهوة وصمتًا مريحًا لا يحتاج إلى ترجمة. لم يكن أحد منهم يتحدث عن السياسة. كانوا يتحدثون عن الطقس، وعن أسعار السمك، وعن رجل غادر البلاد قبل عقود ولا يزال يُذكر بالاسم كأنه لم يغادر.
وفي صباح آخر من تلك الأيام الأولى، جلستُ في المقهى نفسه مع صديقي المحامي بكري البقاري، الذي كان في زيارة قصيرة للدوحة. لم نتحدث كثيرًا. تأملنا، بصمت يشبه صمت الرجال من حولنا، كيف كانت قطر تتحول أمام أعيننا، حجرًا فحجرًا وقرارًا فقرارًا، ونحن الغرباء الجالسون على الهامش لا نملك سوى أن نراقب.

سوق واقف، الدوحة — من أرشيف الكاتب الشخصي
كانت تلك أول درس تعلمته عن قطر: أن حجمها الصغير على الخريطة لا يعكس كثافة الروابط الإنسانية المنسوجة داخلها، وأن الجالية السودانية فيها ليست ضيفًا عابرًا، بل خيط قديم في نسيج المكان، يعود إلى ما قبل الغاز وقبل الجزيرة.
وفي تلك الجلسات، ثم في سنوات كثيرة تلتها، تعلمتُ أن أرى قطر من خلال وجوه لا اسم مؤسسي لها. فهد البلوشي، شاب قطري يسأل نفسه دائمًا كيف يترجم، كمواطن لا كمتفرج، رؤية صيغت – بتعبيره – ليجد فيها الجميع أنفسهم مساهمين لا متلقين؛ يُحبَط أحيانًا، ثم يعود سريعًا إلى العمل. وعم أحمد الشاعر، الذي تجاوز ست وسبعين عامًا، يحكي كيف تبدلت الحياة في بلاده جيلًا بعد جيل، بتواضع لافت – وهو خُلق عُرف به الأمير الوالد نفسه بين مقربيه، أكثر مما عُرف بالقصور والثروة.
ومن عبد العزيز النعيمي وأحمد الكبيسي ومحمد هارون، بطل قطر السابق في ألعاب القوى، تعلمتُ وجهًا آخر: قطريون وجدوا أنفسهم مبكرًا مجبرين على العمل لا على التواكل على ثبات مضمون. وحمد دلموك ومبخوت الشنجل، في الأربعينيات من عمرهما، عاصرا نهضة الدولة في عهد الأمير الوالد، ولا يزالان يراقبان كيف تمضي تلك الرؤية اليوم في عهد أميرها الشاب.
وقبل أن أعيش قطر بجسدي، كنت قد عرفتها بكلمات صديق راحل: هاشم كرار، الذي التقط في كتابات متفرقة، بلغته الوصّافة البديعة، مراحل من بناء هذا البلد ورؤيته، قبل أن يرحل هو نفسه ويصبح واحدًا من الأسماء التي أحملها معي أينما ذهبت.
بعد أشهر قليلة من تلك الجلسة، تنازل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن الحكم لابنه الشيخ تميم. لم أكن أعرف يومها أنني سأمضي في هذا البلد نحو أربعة عشر عامًا، سأشهد خلالها حصارًا وكأس عالم وحربًا في وطني الأم تتابعها قطر من بعيد.
الرحيل يستدعي دائمًا سؤالًا أكبر من الشخص نفسه: كيف تحول بلد بحجم مقاطعة صغيرة، لا يتجاوز عدد مواطنيه الأصليين بضع مئات الآلاف، إلى اسم يُذكر في كل نقاش جاد عن الطاقة والإعلام والوساطة والرياضة في العالم؟ الإجابة ليست في الثروة وحدها؛ فالثروة كانت موجودة تحت مياه الخليج قبل أن يولد الشيخ حمد نفسه. الإجابة في القرار، المتكرر عبر عقدين، بأن تتحول تلك الثروة إلى شيء آخر تمامًا: مكانة يصعب تجاهلها.
غاز تحت الأرض، ودولة فوقها
اكتُشف حقل الشمال عام 1971، قبل أن يصل الشيخ حمد إلى الحكم بربع قرن. هذا التفصيل، البسيط في ظاهره، يحمل مفتاح فهم المرحلة بأكملها: الثروة الطبيعية، مهما بلغ حجمها، لا تتحول من تلقاء نفسها إلى نفوذ؛ يحتاج الأمر إلى بنية تحتية بمليارات الدولارات، وناقلات متخصصة، وعقود شراء تمتد لعقود، وقرار سياسي بالمخاطرة يتجاوز ما اعتادت عليه دولة صغيرة حديثة الاستقلال.
في النصف الثاني من التسعينيات، بدأت منشآت رأس لفان تعمل، ووصلت أول شحنة قطرية من الغاز المسال إلى اليابان عام 1997. وبحلول عام 2010، بلغت الطاقة الإنتاجية القطرية نحو 77 مليون طن سنويًا، لتصبح قطر أكبر مصدر للغاز المسال في العالم. لكن الرقم وحده لا يفسر شيئًا؛ ما يفسره هو نوع العلاقة التي أنشأها كل عقد طويل الأجل: طوكيو وسول وعواصم أوروبية باتت تحتاج إلى استقرار الدوحة بقدر ما تحتاج الدوحة إلى أسواقها. تحوّل الغاز، بهذا المعنى، إلى شكل من أشكال الحماية السياسية لا يقل أهمية عن أي حلف عسكري.
وحين تأسس جهاز قطر للاستثمار عام 2005، خرجت الثروة من الخزانة العامة إلى شبكة أصول ممتدة في أسواق العالم. وحين أُطلقت الجزيرة عام 1996، في وقت كانت فيه غالبية الشاشات العربية امتدادًا لوزارات الإعلام، اكتسبت الدوحة صوتًا يوميًا داخل بيوت لم تكن سفاراتها لتصل إليها أبدًا. الغاز موّل الأدوات. الأدوات هي التي صنعت الحضور.
أن تكون ضروريًا للجميع
الدرس الأعمق في التجربة القطرية جيوسياسي بامتياز، ويتلخص في سؤال تواجهه كل دولة صغيرة محاصرة بجيران أكبر منها: هل تحمي نفسك بالانحياز الكامل لقوة واحدة، أم بجعل نفسك مفيدة لأطراف متعددة في آن واحد، بحيث يصبح عزلك مكلفًا للجميع؟
اختارت قطر، في عهد الشيخ حمد، الخيار الثاني، وطبقته بجرأة قلّ نظيرها في المنطقة. احتضنت قاعدة العديد الأمريكية، وحافظت في الوقت نفسه على علاقة مفتوحة مع إيران التي تشاركها الحقل الغازي نفسه. استقبلت مسؤولين غربيين، وأبقت قنوات مع حركات وفصائل تصنفها عواصم أخرى خصومًا. أصبحت الدوحة، عمليًا، المكان الوحيد الذي يمكن لأطراف لا تتحدث علنًا أن تتبادل فيه الرسائل.
هذه السياسة أنتجت، منذ أواخر التسعينيات، دورًا متزايدًا في الوساطة الإقليمية، مدعومًا بالموارد المالية والمنبر السياسي والاستعداد لاستضافة مفاوضات طويلة لا تُضمن نتيجتها. وهنا، تحديدًا، يقدّم السودان أحد أوضح الأمثلة، وأكثرها قربًا مني شخصيًا.
السودان: من المبادرة إلى التردد
في مرحلة الشيخ حمد، كانت قطر مبادِرة في الملف السوداني حتى حين كانت فرص النجاح محدودة. دخلت الدوحة ملف دارفور، واستضافت مفاوضاته سنوات طويلة، حتى تُوجت الجهود بتوقيع وثيقة الدوحة للسلام في دارفور في يوليو 2011 بين الحكومة السودانية وحركة التحرير والعدالة. لم تنجح الوثيقة في ضم أقوى الحركات المسلحة، ولم تُنهِ الحرب في الإقليم، لكنها عكست شيئًا مهمًا عن تلك المرحلة: استعداد قطري لتحمل كلفة الفشل مقابل فرصة صنع دور.
بعد سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، وجدت الدوحة نفسها أمام مشهد سوداني تنشط فيه قوى إقليمية أخرى، في مقدمتها أبوظبي والرياض، اللتان تربطهما – بحسب تقارير وتحليلات متعددة – علاقات مباشرة بأطراف عسكرية ومدنية سودانية وشبكات مصالح اقتصادية وأمنية. ومنذ ذلك الحين بدا الحضور القطري أقل وضوحًا، لا لأن الدوحة انسحبت، بل لأنها لم تُنتج بديلًا سياسيًا متماسكًا يوازي تاريخها في الملف.
بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم اندلاع الحرب في أبريل 2023، بدا الملف السوداني يتحرك داخل المؤسسة القطرية أقرب إلى بندول: ينتقل أحيانًا إلى القناة الأمنية، ثم يعود إلى الدبلوماسية الرسمية، من دون أن يستقر عند مركز واضح لصنع القرار. جزء من هذا الحذر يمكن قراءته كأثر مباشر لمرحلة ما بعد الحصار الخليجي؛ فالحذر، حين يطول، يتحول من أداة حماية إلى قيد.
لا يُعاب على قطر أنها لم تنجح في إنهاء الحرب السودانية؛ فتلك مهمة تجاوزت قدرة كل الوسطاء. ما يمكن ملاحظته هو أن رصيدها التاريخي وعلاقاتها الممتدة لم تتحول إلى سياسة واضحة تجاه بلد كانت، يومًا، من أكثر العواصم انخراطًا في أزماته. وما تبقّى ظاهرًا اليوم من ذلك الحضور هو، إلى حد بعيد، ما تنقله شاشة الجزيرة، لا ما تصنعه دبلوماسية نشطة.
فرح لا يحتاج جواز سفر
وللمقهى نفسه ليلة أخرى، لا تقل دلالة عن صمت الصباح الأول.
كنت في الدوحة مساء الأول من فبراير 2019، حين فازت قطر بكأس آسيا لأول مرة في تاريخها. خرجت الشوارع عن صمتها المعتاد، وامتلأت الكورنيش بأعلام عنابية ووجوه لا تعرف النوم تلك الليلة. وسط ذلك الزحام، لم يكن أحد يسأل عن أصول اللاعبين. كان هداف البطولة، وأفضل لاعب فيها بتسعة أهداف حطّم بها رقمًا صمد 23 عامًا، شابًا وُلد في الخرطوم لأبوين سودانيين، انتقل إلى قطر طفلًا، واكتشفه في أزقة الأحياء الشعبية مدرب سوداني اسمه حيدر قبل أن تلتقطه أكاديمية أسباير. لم أشعر يومها بحاجة لأن أقول لأحد إنه سوداني الأصل؛ الابتسامة وحدها كانت كافية.
وبعد سنتين، في صيف 2021، جلستُ أتابع أولمبياد طوكيو مع أصدقاء بين قطريين وسودانيين، حين شارك بطل الوثب العالي القفزة الذهبية مع منافسه الإيطالي بدل أن يخوض قفزة حاسمة قد تحرمه إياها. كان معتز برشم، المولود في الدوحة لعائلة سودانية، قد اختار للتو أن يشارك ذهبية أولمبية بدل أن يحتكرها. بدا لي أن ذلك القرار يشبه، بصورة ما، الفلسفة التي بُنيت عليها قطر نفسها: أن تكسب أكثر حين لا تصرّ على امتلاك كل شيء لنفسك وحدك.
هذه التفاصيل لا تُروى عادة في تحليل سياسي عن إرث حاكم. لكنها، من موقعي كصحفي عاش سنوات طويلة بين أهل هذا البلد، لا تقل أهمية عن الغاز والجزيرة والوساطة. فالمشروع الذي بناه الشيخ حمد لم يكن آلة دولة مجردة؛ كان مكانًا استطاع فيه أبناء جالية عربية قديمة أن يصبحوا أبطاله الوطنيين، دون أن يفقدوا أصولهم، ودون أن يُطلب منهم ذلك.
حين تنازل الشيخ حمد عن الحكم لابنه الشيخ تميم في يونيو 2013، لم يكن ذلك ترتيبًا عائليًا فحسب؛ كان اختبارًا لقدرة المشروع على الاستمرار من دون مؤسسه. وأثبتت أزمة الحصار الخليجي عام 2017 أن الإجابة كانت نعم: الأدوات التي بناها – من الاحتياطيات إلى الاستثمارات إلى شبكة العلاقات المتشعبة عمدًا – صمدت رغم غيابه عن سدة الحكم. كنتُ في قطر حين أُغلقت الحدود تلك السنة، وتوقفت خطوط الطيران، وبدأت حملة أرادت عزل الدوحة بالكامل. لم يكن المال وحده ما أنقذ البلد؛ كانت شبكة تلك العلاقات هي التي منحت قطر مساحة مناورة لم تملكها دول أكبر منها بكثير.
ما الذي تركه
من السهل اختصار إرث الشيخ حمد في الغاز، أو الجزيرة، أو كأس العالم الذي استضافته بلاده عام 2022 وسط جدل عالمي حول العمالة والحريات – جزء منه استند إلى قضايا حقيقية كان ينبغي معالجتها، وجزء آخر تجاوز النقد إلى التشكيك في حق المنطقة كلها باستضافة حدث بهذا الحجم. لكن كل هذه العناصر كانت أدوات لمشروع أكبر: ربط الثروة بالمكانة، وربط المكانة بالحماية.
هذا المشروع يحمل تناقضاته أيضًا، ولا ينبغي إخفاؤها احترامًا للرجل أو لذكراه: نفوذ خارجي واسع في مقابل مشاركة سياسية داخلية محدودة، وإعلام جريء في تغطية شؤون الآخرين يعمل من داخل بيئة محلية أكثر تحفظًا، ووساطات نجحت في جمع الخصوم أكثر مما نجحت دائمًا في إنهاء حروبهم. عبارة «باني قطر الحديثة» لا تفي بوصف هذا التعقيد؛ فهي تختزل مسارًا مليئًا بالمفارقات في جملة احتفائية واحدة.
وصلتُ إلى قطر في الأشهر الأخيرة من حكم الشيخ حمد، وغادرتها قبل أسابيع من رحيله. بين التاريخين، شاهدتُ دولة تختبر الأدوات التي بناها مؤسسها: في الحصار، وفي كأس العالم، وفي احتفالات كروية لم يكن أحد فيها يسأل عن جواز سفر أحد، وفي صراعات المنطقة التي لم تتوقف، بما فيها حرب بلادي التي تابعتها قطر من مسافة، دون أن تجد لنفسها فيها الدور الذي وجدته يومًا في دارفور.
لكن قطر لم تكن، بالنسبة لي، سنوات من العمل والمراقبة فقط. كانت البلد الذي تزوجت فيه من رؤى عام 2022، والبلد الذي وُلدت فيه ابنتي وأميرتي رينيل في أكتوبر 2024. حين أستعيد اليوم رحيل الشيخ حمد، لا أستحضر فقط حاكمًا أعاد رسم موقع بلد صغير على خريطة العالم، بل أستحضر المكان الذي احتضن أهم فصول حياتي الخاصة، بينما كانت السياسة الكبرى تجري في خلفية مشهد أكثر حميمية بكثير.
لم تكن كل خيارات هذا المشروع ناجحة، ولم تكن كل نتائجه بلا أثمان. لكن من الصعب إنكار أن قطر التي عرفها العالم خلال العقود الثلاثة الماضية صُنعت، في جزء كبير منها، داخل الرؤية التي حملها رجل واحد.
كان الغاز هو المادة الخام. أما إنجازه السياسي فكان تحويل هذه المادة إلى دولة مرئية، متصلة، ومفيدة للآخرين؛ دولة صغيرة في الجغرافيا، لكنها بنت لنفسها حضورًا يصعب تجاهله، وبقيت، رغم كل شيء، مكانًا يستطيع فيه رجل غريب أن يجلس في مقهى صغير قرب سوق واقف، بين أناس لا يشبهونه تمامًا، ويشعر أنه في بيته.

