خالد عمر يوسف- تحالف صمود

سودان ستوري: متابعات

قال نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني ووزير شؤون مجلس الوزراء السابق خالد عمر يوسف إن شعار «الحفاظ على مؤسسات الدولة» يمكن أن يتحول، في الحالة السودانية، إلى غطاء لتثبيت نفوذ القوى التي تسيطر على هذه المؤسسات من الداخل، معتبراً أن حماية الدولة لا تنفصل عن إصلاح مؤسساتها وتحريرها من شبكات التمكين.

وطرح خالد، في مقال رأي نشرته صحيفة «النهار» اللبنانية، مقاربة مختلفة للجدل المتصاعد حول «الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية»، وهو تعبير أصبح خلال الفترة الأخيرة جزءاً أساسياً من الخطاب الإقليمي والدولي تجاه النزاع المسلح في السودان.

ولا يعترض خالد على المبدأ نفسه، إذ يرى أن حماية مؤسسات الدولة ضرورة، خصوصاً في إقليم شهد تجارب انهيار مؤسسات الدولة وتحولها إلى أزمات ممتدة.

لكنه يعتبر أن نقل تجارب إقليمية أخرى إلى السودان من دون النظر إلى خصوصية بنيته السياسية والأمنية قد يقود إلى قراءة ناقصة للأزمة.

ويرى خالد أن الحالة السودانية تختلف عن نماذج مثل لبنان والعراق واليمن، حيث نشأت قوى مسلحة موازية للدولة أو بجوارها ثم أصبحت قادرة على التأثير في القرار الرسمي.

مسلحين من جماعة أنصار الله اليمنية

وبحسب حجته، تتمثل المشكلة في السودان في وجود قوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة، إلى جانب شبكات سياسية وتنظيمية بنتها الحركة الإسلامية داخل الجيش والأجهزة الأمنية والخدمة المدنية والقضاء والاقتصاد خلال ثلاثة عقود من حكم نظام الإنقاذ.

دولة أم سلطة؟

ويضع خالد فاصلاً بين الدفاع عن الدولة والدفاع عن السلطة القائمة.

ويرى أن سقوط نظام عمر البشير في 2019 لم يؤدِّ تلقائياً إلى تفكيك شبكات التمكين التي تشكلت خلال سنوات حكمه، وأن جزءاً مهماً من الصراع السياسي الذي أعقب الثورة ارتبط بمحاولة إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية ومدنية.

ويذهب خالد إلى أن الحديث عن «الحفاظ على مؤسسات الدولة» يفقد معناه إذا لم يصاحبه سؤال مباشر حول من يسيطر على هذه المؤسسات، وكيف تُدار، ولأي مشروع سياسي تعمل.

ويعتبر أن التعامل مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان باعتباره ممثلاً لمؤسسة وطنية ينبغي دعمها بمعزل عن طبيعة موازين القوى داخلها يتجاهل، من وجهة نظره، عودة شبكات مرتبطة بالحركة الإسلامية إلى مواقع مؤثرة داخل مؤسسات الدولة.

ويمثل هذا الطرح أحد محاور الخلاف الأساسية في النقاش السوداني الحالي: هل حماية الدولة تعني الحفاظ على مؤسساتها بصورتها الراهنة، أم إعادة بنائها وتغيير موازين النفوذ داخلها؟

الحركة الإسلامية في قلب الحجة

ويعيد خالد جذور الأزمة إلى مشروع «التمكين» الذي اتبعه نظام الإنقاذ، قائلاً إن الحركة الإسلامية لم تكتف بالسيطرة السياسية على الدولة، بل عملت على بناء شبكات داخل مؤسساتها العسكرية والأمنية والمدنية والاقتصادية.

ويرى أن تلك الشبكات بقيت فاعلة بعد سقوط البشير، واستعادت جانباً من نفوذها عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم خلال النزاع المسلح الذي اندلع في أبريل 2023.

ويحمل خالد الحركة الإسلامية مسؤولية مباشرة عن جانب من المسار الذي قاد إلى النزاع المسلح، وهي رؤية سياسية ظلت قيادات مرتبطة بالنظام السابق والحركة الإسلامية تقدم بشأنها روايات مختلفة.

إيران تدخل النقاش

ويضيف خالد بعداً إقليمياً إلى حجته من خلال استعادة علاقات السودان بإيران خلال عهد البشير، ثم عودة العلاقات بين الخرطوم وطهران خلال النزاع المسلح الحالي.

ويقول إن الحركة الإسلامية وفرت لإيران، خلال سنوات حكمها، مساحة للحركة في البحر الأحمر وأفريقيا، ويربط ذلك بالتعاون العسكري الذي عاد خلال النزاع المسلح.

ويستخدم هذه الخلفية للطعن في التصور الذي يقدم السلطة القائمة باعتبارها بالضرورة حصناً في مواجهة القوى غير النظامية أو التدخلات الإقليمية، معتبراً أن طبيعة التحالفات داخل معسكرها يجب أن تكون جزءاً من تقييم المشهد.

ماذا يعني الحفاظ على الدولة؟

ورغم انتقاداته، لا يدعو خالد إلى تفكيك مؤسسات الدولة أو تجاوزها.

ويقترح مساراً يبدأ بوقف النزاع المسلح، ثم تفكيك شبكات التمكين، وإصلاح مؤسسات الدولة تحت سلطة مدنية.

ويضع ضمن ذلك بناء جيش مهني واحد، وخدمة مدنية قائمة على الكفاءة، وقضاء مستقل، إلى جانب إعادة تأسيس العلاقة بين المؤسسات الرسمية والسلطة السياسية.

وبذلك يتبنى خالد شعار «الحفاظ على الدولة»، مع اختلاف جوهري حول معناه.

فبالنسبة إليه، لا يكفي الإبقاء على المؤسسة إذا كانت خاضعة لشبكات سياسية وتنظيمية تتحكم في قرارها.

ويلخص فكرته بالقول إن «الدولة المختطفة هي مشروع انهيار مؤجل»، وإن حماية الدولة تبدأ بتحرير مؤسساتها من شبكات السيطرة لا بتثبيت تلك الشبكات داخلها.

وتأتي مداخلة خالد عمر في وقت أصبح فيه سؤال «الدولة أم السلطة» أكثر حضوراً في النقاش السوداني حول التسوية السياسية.

فبينما تؤكد أطراف دولية وإقليمية ضرورة الحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته، تحذر قوى مدنية من أن يتحول هذا المبدأ إلى قبول بالأمر الواقع الذي أفرزه النزاع المسلح.

وبذلك ينقل مقال خالد عمر النقاش إلى مستوى أكثر تحديداً: أصبح الخلاف يتركز على طبيعة هذه المؤسسات، ومن يسيطر عليها، وما إذا كان الحفاظ عليها ممكناً من دون إصلاحها، أكثر مما يدور حول ضرورة بقائها أصلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *