ما وراء الخبر

قوة مسلحة عبرت من السودان إلى إثيوبيا، وبعد أيام تغير اتجاه الحركة في قيسان والكرمك، ثم دخلت المسيّرات عمق تشاد.. وبين الوكلاء وحسابات القاهرة وأديس أبابا، يواجه السودان سؤالاً أكبر: من يدير أمنه القومي؟

نيروبي: عباس محمد إبراهيم

لم تعد حدود السودان مجرد خطوط يعبرها اللاجئون أو تمر عبرها إمدادات النزاع المسلح.

خلال أغسطس وحده، ظهرت على طرفين متباعدين من البلاد وقائع تكشف تحولاً أكثر خطورة: قوة مرتبطة بتيغراي انطلقت من الأراضي السودانية ودخلت إثيوبيا؛ وبعد نحو عشرة أيام استخدمت قوات تقاتل الجيش السوداني الأراضي الإثيوبية في هجمات على قيسان والكرمك؛ ثم اتهمت تشاد طائرات ومسيّرات مرتبطة بالجيش السوداني بملاحقة قافلة إلى أكثر من مئة كيلومتر داخل أراضيها.

كل واقعة يمكن، منفردة، تفسيرها بحسابات الميدان. لكن جمعها يكشف تحولاً أوسع: النزاع المسلح السوداني بدأ يتداخل مع الحسابات الأمنية لدول الجوار، بينما تصبح الحدود مجالاً للوكلاء والقواعد الخلفية والردود التي يمكن تنفيذها من دون إعلان رسمي.

حركة في الاتجاهين

قال مصدر مطلع لـ«سودان ستوري» إن أحد مفاتيح فهم التطورات الأخيرة مع إثيوبيا يعود إلى عملية عسكرية في مطلع أغسطس، عندما عبر مقاتلون من تيغراي كانوا موجودين داخل السودان إلى الأراضي الإثيوبية.

وبحسب المصدر، جاءت العملية بقرار وتسهيل من داخل المنظومة العسكرية والأمنية السودانية، ووصفها بأنها «مغامرة»، مضيفاً أن أديس أبابا اختارت عدم تحويل الواقعة إلى مواجهة إعلامية واسعة مع الخرطوم، لكنها احتفظت بما لديها من معلومات وأوراق عن العملية.

أصل الواقعة يمكن تثبيته بصورة مستقلة، وإن لم تتوافر أدلة علنية تثبت حتى الآن مستوى القرار السوداني الذي وقف خلفها.

ففي الأول من أغسطس حاولت قوة تعرف باسم «Army 70»، ومرتبطة بتيغراي، التوغل من الأراضي السودانية إلى إثيوبيا عند منطقة شيرارينا، قبل أن تتصدى لها القوات الإثيوبية.

لكن ما حدث بعد ذلك هو الأكثر أهمية.

في 11 أغسطس، سيطرت قوات الدعم السريع وحليفها، الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، على قيسان، ثم دخلت الكرمك في 13 أغسطس.

وتشير تقديرات مبنية على الجغرافيا العسكرية وشهادات ميدانية إلى أن قوات الدعم السريع وحلفاءها استخدمت الأراضي الإثيوبية في الوصول إلى الجبهة، وهو ما يضع حركة القوات خلال الشهر في اتجاهين متعاكسين: قوة تدخل إثيوبيا من السودان، ثم قوات تقاتل الجيش السوداني تتحرك بعد أيام من الجانب الإثيوبي إلى السودان.

مصدر «سودان ستوري» يربط بين الواقعتين بصورة مباشرة، ويرى أن أديس أبابا ردت على واقعة الأول من أغسطس بصورة غير مباشرة عبر إتاحة المجال لتحرك خصوم الجيش السوداني في قيسان والكرمك لاحقاً، من دون تصعيد سياسي معلن، فيما وصفه بـ«رد بلا بصمات».

يظل التسلسل الزمني بين الواقعتين مهماً في حد ذاته، وإن كانت الأدلة المستقلة المتاحة حتى الآن غير كافية لتقرير أن الهجومين كانا قراراً إثيوبياً للرد على عملية «Army 70».

وفي 27 أغسطس، أضاف الجيش السوداني عنصراً آخر إلى الصورة عندما أعلن إسقاط مسيّرة قال إنها عبرت الحدود من اتجاه إثيوبيا، وهي ثالث واقعة مماثلة يقول إنه سجلها خلال أيام. ولم يحدد الجيش الجهة المشغلة للطائرة أو مكان إطلاقها.

وفي الغرب.. النزاع المسلح يدخل تشاد

على الطرف الآخر من السودان أصبحت الأزمة أكثر علنية.

قالت هيئة الأركان التشادية إن طائرات ومسيّرات نسبتها إلى القوات المسلحة السودانية أو جهات مساندة لها لاحقت، مساء 20 أغسطس، قافلة مركبات من السودان إلى داخل إقليم إنيدي الشرقية، قبل أن تقصفها بعد أكثر من مئة كيلومتر داخل الأراضي التشادية.

ونفت الخرطوم أن يكون ممكناً تحميل الجيش مسؤولية الضربة قبل إجراء تحقيق مستقل، وأكدت احترامها لسيادة تشاد.

لكن القضية تجاوزت سريعاً العلاقة الثنائية.

ففي 26 أغسطس، دخل الاتحاد الأفريقي على الخط، مؤكداً وقوع ضربات داخل الأراضي التشادية مرتبطة بالنزاع المسلح السوداني، ومشدداً على سيادة الدول وحرمة حدودها وضرورة منع امتداد النزاع إلى الخارج.

هذه النقطة تضع الخرطوم أمام معضلة إضافية.

فإذا تحول ملف تشاد إلى نقاش أفريقي أوسع حول العمليات العسكرية العابرة للحدود، تستطيع إثيوبيا بدورها أن تشير إلى واقعة الأول من أغسطس باعتبارها توغلاً مسلحاً جاء من الأراضي السودانية.

وهنا تصبح عبارة المصدر إن أديس أبابا «احتفظت بالأوراق» أكثر دلالة.

إرث الوكلاء يعود

يرى مصدر «سودان ستوري» أن استخدام الجماعات المسلحة داخل دول الجوار امتداد لعقلية أمنية ترسخت خلال حكم الحركة الإسلامية منذ التسعينيات، أكثر من كونه تكتيكاً استحدثه النزاع المسلح الحالي.

والسابقة التاريخية موثقة.

آثار تفجير السفارة الأمريكية في نيروبي عام 1998، والذي أسفر عن مقتل 213 شخصًا وإصابة العديد غيرهم

فخلال تلك المرحلة دعم السودان جماعات مسلحة تعمل ضد حكومات في دول الجوار، بينما ردت إثيوبيا وإريتريا وأوغندا بدعم قوى سودانية مسلحة معارضة للخرطوم.

كانت النتيجة نظاماً إقليمياً من الحروب بالوكالة، أصبحت فيه حدود الدول امتداداً لصراعاتها الداخلية.

ويقول المصدر إن هذا الإرث ما زال مؤثراً في الطريقة التي يدار بها النزاع المسلح الحالي، ويربطه بنفوذ شبكات إسلامية داخل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

لكن حجم سيطرة هذه الشبكات اليوم ودورها المباشر في القرارات العملياتية يحتاجان إلى مصادر وأدلة إضافية قبل تقديمهما باعتبارهما حقيقة مستقلة.

أما السؤال الذي تطرحه الوقائع نفسها فهو أبسط:

من الذي يقرر متى يتحول خصم دولة مجاورة إلى ورقة سودانية؟

من يدير الأمن القومي؟

حمدوك و ابيي أحمد

هنا تصبح قضية الدولة المدنية جزءاً من قصة الحدود نفسها.

خلال الفترة الانتقالية، طرح رئيس الوزراء عبد الله حمدوك مقاربة للسياسة الخارجية تقوم على الابتعاد عن المحاور والاستقطابات، وحسن الجوار وبناء العلاقات على المصالح السودانية.

وحتى خلال الخلافات الحادة مع إثيوبيا حول الحدود وسد النهضة، حاولت حكومته الاحتفاظ بعلاقة استراتيجية مع مصر من دون تحويل إثيوبيا إلى خصم دائم.

الفكرة نفسها تظهر اليوم في خطاب تحالف «صمود» الذي يقوده حمدوك: سياسة خارجية متوازنة، وعدم التدخل في شؤون دول الجوار، ومنع السودان من التحول إلى ساحة لصراعات المنطقة.

وهذا الأسبوع ظهرت إشارة عملية إلى هذا الاتجاه.

فقد أعلن خالد عمر يوسف مشاركته إلى جانب السفير عمر مانيس في مائدة مستديرة مغلقة نظمها معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي في أديس أبابا، ناقشا خلالها تطورات النزاع المسلح في السودان والاستقرار الإقليمي وآفاق السلام.

وشغل مانيس وخالد عمر، تباعاً، منصب وزير شؤون مجلس الوزراء في حكومتي حمدوك، فيما ظل مانيس من الشخصيات الدبلوماسية القريبة من محيط رئيس الوزراء السابق وتحركاته الخارجية.

يكشف اجتماع أديس، من دون أن يشكل دليلاً على وساطة أو تفاهم سياسي مع الحكومة الإثيوبية، وجود طريقتين مختلفتين في التعامل مع البيئة الإقليمية نفسها: قنوات سياسية تحاول مناقشة المصالح والخلافات مع دول الجوار، ومسارات أمنية وعسكرية تستخدم الوكلاء والقوة عبر الحدود.

مصر.. هل تتسع مقاربة الاستقرار؟

بالنسبة إلى القاهرة، لا ينفصل استقرار السودان عن ليبيا وتشاد وأمن حدود مصر الجنوبية ومياه النيل والتنافس مع إثيوبيا.

ولهذا ظلت المؤسسة العسكرية السودانية تحتل موقعاً مركزياً في التصور المصري لاستقرار الدولة.

لكن الوقائع الأخيرة تطرح سؤالاً أكثر صعوبة: هل يكفي الحفاظ على مؤسسة عسكرية متماسكة إذا كانت القرارات الأمنية نفسها قادرة على إنتاج خصومات جديدة على حدود السودان؟

بالنسبة إلى قطاعات من التيار المدني، كان هذا أحد أوجه نقد المقاربة المصرية للسودان: الاستقرار، في نظرها، يقوم على وجود سلطة سياسية قادرة على إخضاع قرارات الجيش والأمن والاستخبارات لحسابات الدولة الخارجية والأمنية الأوسع، إلى جانب الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية.

وهناك إشارات حديثة تستحق الرصد من دون تحميلها أكثر مما تحتمل.

ففي 21 أغسطس، استضاف الإعلامي والبرلماني المصري السابق مصطفى بكري، في برنامجه «حقائق وأسرار» على قناة «صدى البلد»، ماهر أبو الجوخ، أحد أبرز العاملين في الملف الإعلامي لتحالف «صمود».

وتناول أبو الجوخ خلال المقابلة الحديث عن اتصالات البرهان بقوى سياسية ومجتمعية ورؤى قد تقود إلى ترتيبات انتخابية، وقال إن إجراء انتخابات في أجزاء من البلاد قبل إنهاء النزاع المسلح ومشاركة السودانيين في جميع المناطق، بما فيها دارفور، قد يكرس الانقسام بدلاً من إنهاء الأزمة.

يستحق ظهور واحد من هذا النوع المراقبة، وإن كان غير كافٍ وحده لإثبات تغيّر السياسة المصرية تجاه «صمود».

خصوصاً أن الظهور تم في واحدة من المنصات الإعلامية القريبة من مؤسسات الدولة المصرية، وفي برنامج يقدمه مصطفى بكري، المعروف بمواقفه القريبة من الدولة ومؤسساتها.

ومع وجود عدد من قيادات «صمود» في مصر، فإن المسألة لا تتعلق بقطيعة سابقة بقدر ما تتعلق بالسؤال عما إذا كانت المساحة المصرية الممنوحة لهذا التيار بدأت تتسع.

وبالتزامن مع تحرك مانيس وخالد عمر في أديس أبابا، تظهر صورة لتيار مدني يحاول الاحتفاظ بقنوات مع القاهرة وأديس أبابا معاً بدلاً من الاصطفاف مع إحداهما ضد الأخرى.

سودان أقل خصومات

هذه المقاربة تطرح تعريفاً مختلفاً للأمن القومي، تقوم فيه الدولة المدنية بإدارة التهديدات والخلافات المحتملة مع الجيران عبر سلطة سياسية وازنة، بدلاً من الاعتماد على الأدوات الأمنية المباشرة.

فدولة تحيط بها سبع دول وتقع بين الساحل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر وبين مصر وإثيوبيا لا تستطيع أن تجعل كل خلاف حدودي ملفاً استخباراتياً، وكل خصم لدولة مجاورة أداة ضغط محتملة.

قد يحقق تدمير خط إمداد داخل تشاد مكسباً عملياتياً. وقد يبدو استخدام خصوم إثيوبيا ورقة مفيدة في لحظة معينة.

لكن الدولة هي التي يفترض أن تحسب ما يأتي بعد ذلك: أزمة سيادة، ورد مضاد، وملف جديد داخل الاتحاد الأفريقي، وجار آخر يمتلك مبررات للضغط على السودان.

حمدوك السيسي

وهنا لا تصبح الدولة المدنية حلاً لمجرد أن من يديرها مدنيون.

جوهر المسألة هو خضوع قرار النزاع المسلح والأمن والاستخبارات والسياسة الخارجية لسلطة سياسية ومؤسسات دولة تستطيع حساب الكلفة قبل اتخاذ القرار.

النزاع المسلح السوداني لم يتحول بعد إلى نزاع مسلح إقليمي كامل.

لكن أدوات إقلمتها أصبحت موجودة بالفعل: الوكلاء، والقواعد الخلفية، والعبور المسلح، والضربات داخل الدول المجاورة، والردود التي لا تحتاج إلى إعلان رسمي.

ولهذا لم يعد السؤال فقط ما إذا كان النزاع المسلح السوداني سيعبر الحدود.

السؤال هو ما إذا كان السودان يستطيع بناء دولة تمنع أزمات جيرانه من أن تصبح نزاعات مسلحة سودانية، وتمنع نزاعه المسلح من أن يصبح نزاع المنطقة المسلح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *