اعتبر دعوة القوى المساندة للسلطة القائمة في بورتسودان «مونولوجاً»، ورفض الحصانات، وطالب بتحديد أطراف الحوار وقضاياه ومكانه والجهات الضامنة له.
ردّ عضو مجلس السيادة الانتقالي السابق والقيادي في تحالف «صمود» محمد الفكي سليمان على دعوة قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان إلى حوار سوداني، معتبراً أن المبادرة لا تكتسب معنى سياسياً ما لم ترتبط بصورة واضحة بمسار وقف النزاع المسلح.
وفي تسجيل مصور استمر نحو تسع دقائق ونصف نشره على صفحته الرسمية، ركّز الفكي على الأساس الذي بُنيت عليه الدعوة أكثر من تركيزه على تفاصيل المشاركة فيها، بدءاً من تعريف الدولة والأطراف المدعوة، وصولاً إلى شرعية الإجراءات القانونية التي أعلنها البرهان لتهيئة المناخ السياسي.
السؤال حول وقف النزاع المسلح
وضع الفكي سؤال وقف النزاع المسلح في مقدمة اعتراضاته، متسائلاً عما إذا كان الحوار سيُعقد بينما يستمر القتال، وما إذا كان يمثل خطوة باتجاه إنهائه أم محاولة لإعادة ترتيب القوى المساندة للسلطة القائمة في بورتسودان.

وقال إن أي حوار لا يناقش مستقبل النزاع المسلح يمكن أن يتحول إلى عملية «ديكورية» لاستبدال بعض الوجوه وتجديد الأدوات السياسية المستخدمة في مواصلة القتال.
«لا يمكن إنه يكون في حوار ما لم يكون في حديث واضح عن الحرب»
متسائلاً عما إذا كان الحوار المقترح عتبة لوقفها أم جزءاً من «إعادة الاصطفاف».
ورأى الفكي أن القوى الموجودة حالياً في معسكر البرهان تؤدي دوراً في تعبئة الرأي العام لمواصلة القتال، بينما توجد القوى المطالبة بالحل السياسي خارجه. لذلك، فإن استبدال بعض المساندين بآخرين دون الاتفاق على وقف النزاع المسلح لن يغير طبيعة المشهد.
«مونولوج» مع الموالين
انتقد الفكي إعلان البرهان أن الحوار سيشمل القوى التي «ساندت الدولة»، قائلاً إن هذه القوى تقف بالفعل إلى جانب سلطته وتوجد في بورتسودان والمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش.
ووصف الحوار معها بأنه «مونولوج مش دايالوج»، موضحاً أن الحوار الحقيقي يفترض التواصل مع الطرف الآخر في القتال ومع الخصوم السياسيين الذين يطالبون بوقف النزاع المسلح، وليس الاكتفاء بإجراء نقاش داخلي بين القوى المتفقة أصلاً.
وقال إن قصر الدعوة على القوى المساندة للسلطة القائمة في بورتسودان يجعل العملية أقرب إلى إعادة تنظيم معسكر سياسي واحد، بدلاً من أن تكون مساراً لمعالجة جذور النزاع المسلح.
من يمثل الدولة؟
انتقل الفكي من انتقاد المشاركين في الحوار إلى مساءلة تعريف «الدولة» نفسه، رافضاً مساواة البرهان ومؤسسات سلطته بالدولة السودانية.
وقال إن البرهان أصبح، عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021 وتفكك المنظومة الأمنية مع اندلاع النزاع المسلح، رئيساً لسلطة أمر واقع تسيطر على رقعة جغرافية تتغير باستمرار بفعل العمليات العسكرية.
«إنت لست الدولة وليست الحكومة، وإنما إنت واحد من الأطراف المتحاربة الموجودة على الأرض»
ومع ذلك، أقر الفكي بأن البرهان يمثل فاعلاً أساسياً في أي عملية تستهدف وقف النزاع المسلح، لكنه شدد على أن هذا الدور لا يمنحه حق احتكار تمثيل الدولة أو تعريف بقية السودانيين باعتبارهم متمردين أو مطلوبين في الخارج.
ويرى الفكي أن الوصول إلى حوار جاد يقتضي أولاً تحديد مفهوم الدولة والحكومة، والصفة التي يتحرك بها البرهان، إلى جانب الاعتراف بوجود أطراف مسلحة وقوى سياسية ومدنية أخرى لا تخضع للسلطة القائمة في بورتسودان.
استثناء المؤتمر الوطني
ووصف الفكي إعلان استثناء حزب المؤتمر الوطني من الحوار بأنه «كلام مضحك أساساً»، قائلاً إن كوادر الحزب أُعيدت إلى مؤسسات الدولة عقب انقلاب أكتوبر 2021، وأصبحت جزءاً رئيسياً من الجهاز الذي يدير المناطق الخاضعة للسلطة القائمة في بورتسودان.
وتساءل عن إمكانية استبعاد المؤتمر الوطني رسمياً من الحوار بينما يعمل الآلاف من أعضائه، وفقاً لحديثه، داخل مؤسسات السلطة ويشاركون في إدارة ترتيباتها السياسية.
ودعا إلى وقف النزاع المسلح والتوصل إلى حل سياسي أولاً، ثم مناقشة وضع المؤتمر الوطني ومستقبل مشاركته، إلى جانب معالجة آثار عودة كوادره إلى مؤسسات الدولة.
خلاف حول العفو والمحاسبة
كان ملف الإجراءات القانونية من أكثر نقاط الرد حدة. ووصف البرهان وقف الإجراءات الجنائية بحق المشاركين المحتملين في الحوار بأنه حصانة مؤقتة لا تسقط حقوق أصحاب البلاغات، مستبعداً تصنيفه عفواً.
غير أن الفكي قرأ الإجراء بوصفه عفواً مؤقتاً، ورفض أن ينفرد البرهان بمنحه.
«هذا العفو مرفوض، ولا أحد يقبله ولا أحد يعترف به، وإنت لست في مقام الشخص الذي يعطي هذا العفو»
وأكد أن حجم الجرائم والانتهاكات التي شهدها السودان لا يسمح بمعالجتها عبر التسويات الشخصية أو تبادل العفو بين الأطراف السياسية والعسكرية.
وطالب بأن يخضع الجميع للمحاسبة، بمن فيهم قائدا طرفي القتال والقيادات المدنية، أمام سلطة مدنية وقضاء مستقل، مضيفاً أن المسؤولية يجب ألا تتحول إلى أداة يستخدمها طرف ضد خصومه بينما يمنح نفسه حق تحديد من يُعفى ومن يُحاكم.
شرعية البندقية
وشكك الفكي في الأساس الدستوري الذي تستند إليه سلطة البرهان، مشيراً إلى أنه غير منتخب وأن انقلاب أكتوبر أنهى التوافق الذي قامت عليه الوثيقة الدستورية.
واستعاد عبارة «لا مجد إلا للبندقية»، التي سبق أن استخدمها البرهان، ليقول إن شرعية السلطة الحالية أصبحت مستمدة من القوة العسكرية ومن مساحة الأرض التي تسيطر عليها، لا من الانتخابات أو التوافق السياسي.
وتساءل عن الكيفية التي يمكن بها لسلطة تستند إلى السيطرة العسكرية على جزء من البلاد أن تقدم نفسها باعتبارها الدولة، وتصف القوى الموجودة خارج سيطرتها بأنها متمردة أو غير شرعية.
كما رأى أن الدعوة قد تنتهي إلى تنصيب البرهان رئيساً على رقعة جغرافية محددة، بينما يستمر النزاع المسلح في بقية البلاد. وطرح أسئلة بشأن موقع بقية أعضاء القيادة العسكرية، ومن بينهم شمس الدين كباشي وياسر العطا وإبراهيم جابر، داخل الترتيبات السياسية المقترحة.
شروط الحوار الحقيقي
اختتم الفكي حديثه موضحاً أن اعتراضه يتركز على الصيغة التي أعلنها البرهان والبيئة التي يُراد عقد الحوار فيها، مؤكداً أن مبدأ الحوار نفسه ليس موضع خلاف.
«التعريفات هي التي تقود إلى الحوار»
مطالباً بتعريف النزاع المسلح وأطرافه، وتحديد قضايا الحوار والمشاركين فيه ومكان انعقاده والجهات الضامنة له.
وبذلك، يضع رد الفكي خمسة شروط ضمنية لأي عملية سياسية: ارتباطها بوقف النزاع المسلح، وعدم احتكار طرف واحد لتمثيل الدولة، ومشاركة الأطراف المتنازعة والخصوم السياسيين، وإخضاع الجميع للمحاسبة، والاتفاق المسبق على القضايا والمكان والضمانات.
ويبقي هذا الموقف باب الحوار مفتوحاً من حيث المبدأ، مع رفضه الصريح تحويله إلى مناسبة لإعادة ترتيب معسكر بورتسودان أو بناء مؤسسات حكم جديدة تحت مظلة استمرار القتال.

