حوار: رئيس التحرير
بدايةً، أنت تتحفظ على استخدام تعبير «توحيد الحركة الإسلامية» لوصف التحركات الحالية. لماذا؟
لأن هناك خلطاً كبيراً، خصوصاً بعد سقوط الإنقاذ، بين الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني. التعامل معهما كجسم واحد قد يصلح أحياناً في التوظيف السياسي، لكنه لا يصلح عندما نريد قراءة دقيقة للمواقف والخطوط التنظيمية.
الحركة الإسلامية التي عرفها السودان تاريخياً بقيادة حسن الترابي انتهت، في تقديري، كوجود تنظيمي جامع مع المفاصلة. بعد ذلك أصبحت هناك مجموعات سياسية متعددة، وخلافات حادة بينها، وتراجع المشروع الأيديولوجي الجامع، بينما أصبح الصراع أكثر ارتباطاً بالسلطة ومواقع النفوذ.
إذن ماذا بقي من الحركة الإسلامية؟
بقي وجود اجتماعي واسع للإسلاميين داخل المجتمع السوداني، لكن ليس هناك الآن تنظيم مركزي يجمعهم، ولا قيادة واحدة، ولا إطار مؤسسي قادر على تحريك هذا الوجود باعتباره كتلة سياسية واحدة.
المؤتمر الوطني استمر لفترة لأنه كان حزب السلطة، لكن بعد سقوط النظام أصبحت الانقسامات ومراكز القوى داخله أكثر وضوحاً. ولذلك أعتقد أن السؤال الآن ليس: من يقود الحركة الإسلامية؟ بل: من يستطيع استعادة المؤتمر الوطني أو جزءاً من نفوذه السابق؟
وكيف تقرأ التنافس بين علي كرتي وأحمد هارون ونافع علي نافع؟
أراهم مراكز قوى تتنافس على استعادة المؤتمر الوطني وقيادته، وليس على قيادة حركة إسلامية موحدة.
كل طرف يعتقد، بدرجة أو بأخرى، أن استعادة الحزب ستمنحه موقعاً سياسياً يسمح له بالعودة إلى المعادلة، خصوصاً عبر العلاقة مع الجيش. لكن مجرد وجود ثلاثة مراكز تتنافس على الحزب نفسه يوضح حجم التعقيد، ويجعل الحديث عن توحيد الإسلاميين جميعاً أكثر صعوبة.
لكن هناك حديث عن أن التصنيف الأميركي للإسلاميين السودانيين دفع إلى محاولات لإعادة التوحيد؟
أنا شخصياً لم أرَ أو أسمع عن حراك تنظيمي واسع سببه التصنيف. أصلاً لا توجد جهة واحدة تمسك بالجسم الذي يسمى «الإسلاميين» حتى تدير استجابة جماعية لهذا القرار.
أما داخل المؤتمر الوطني، فالأولوية في تقديري ليست التصنيف في ذاته، وإنما سؤال استعادة الحزب وموقعه في السلطة. ولا أرى حالياً اتجاهاً منظماً لتأسيس حزب إسلامي جديد أو تغيير الاسم ضمن مشروع جامع.
هل تستبعد تماماً ظهور كيان جديد؟
الآن لا أرى مؤشرات كافية على ذلك. لكن بعد الحرب يمكن أن تظهر أشياء مختلفة تماماً.
الحرب ستفرض تغييرات على كل المجال السياسي، وليس على الإسلاميين وحدهم. الأحزاب التقليدية واليسار والقوى الإسلامية وغيرها كلها وصلت إلى مراحل من الشيخوخة والانقسام، وبالتالي من الطبيعي أن تظهر بعد الحرب صيغ وقيادات وأفكار مختلفة.
إذا ظهر شيء إسلامي جديد مستقبلاً، فلا أتوقع أن يكون مجرد إعادة إنتاج للتنظيم القديم؛ سيكون مختلفاً في القيادة والطرح والشكل التنظيمي.
لماذا، إذن، يبدو استعادة المؤتمر الوطني مهمة لبعض هذه القيادات؟
لأن هناك تصوراً قديماً في السياسة السودانية مفاده أن الحزب السياسي يحتاج إلى علاقة مع الجيش حتى يدخل معادلة السلطة.
في تقديري، بعض قيادات المؤتمر الوطني تريد استعادة حزب قوي حتى يصبح الجيش مضطراً للتعامل معها في ترتيبات المرحلة المقبلة.
لكن المشكلة أن الجيش هو الذي يملك القرار في النهاية، وليس الحزب المدني. تاريخ السودان مليء بتجارب القوى السياسية التي استعانت بالمؤسسة العسكرية ثم انتهى الأمر بأن أصبح الجيش هو صاحب السلطة الفعلية.
هل يعني قتال الإسلاميين إلى جانب الجيش أنهم سيكونون حلفاءه السياسيين بعد الحرب؟
ليس بالضرورة.
الجيش الآن في حرب، ويحتاج إلى التعبئة والمقاتلين، وبالتالي يتعامل مع أي قوة تستطيع أن تقدم له ذلك. لكنه يستطيع بعد انتهاء الحرب أن يعيد ترتيب تحالفاته وفق مصالحه.

لذلك لا أعتقد أن الإسلاميين يمكنهم افتراض أن دعمهم للجيش أثناء الحرب يضمن لهم موقعاً سياسياً بعدها. الجيش يناور بين القوى المختلفة، وسيقرر لاحقاً من يقرب ومن يبعد وفق معادلته الخاصة.
ماذا عن تصريحات البرهان وياسر العطا باستبعاد المؤتمر الوطني؟
هذه التصريحات تؤكد الفكرة نفسها: الجيش ليس ملزماً سياسياً بالإسلاميين لمجرد أنهم يقاتلون معه.
بعض قيادات المؤتمر الوطني تراهن على أن استعادة الحزب ستجعل الجيش يعترف بها كقوة سياسية، لكن هذا الرهان غير مضمون. العلاقة العسكرية أثناء الحرب شيء، وترتيبات السلطة بعدها شيء آخر.
تركيا تستضيف عدداً من قيادات النظام السابق والإسلاميين. هل أصبحت مركزاً لإعادة ترتيبهم؟
لا أرى الأمر بهذه الطريقة.
قد توجد علاقات وتعاطف وامتيازات استفاد منها إسلاميون سودانيون في تركيا، لكن السياسة التركية تجاه السودان أكبر من الإسلاميين. تركيا لديها مصالح مرتبطة بالبحر الأحمر، ومصر، والجغرافيا السياسية، والاقتصاد والأمن.
أنقرة تتعامل مع السودان كدولة وضمن مصالح إقليمية واسعة، وليس باعتبار أن لديها مشروعاً خاصاً لإعادة الإسلاميين السودانيين إلى السلطة. وأعتقد أن الإسلاميين أنفسهم سيخطئون إذا افترضوا أن تركيا ملتزمة بهم مئة في المئة.
وهل توجد في معلوماتك اتصالات لإعادة جمع المؤتمر الشعبي والمؤتمر الوطني؟
لا أرى الآن أرضية تنظيمية تسمح بذلك.
المفاصلة لم تكن مجرد انقسام إداري يمكن تجاوزه باجتماع جديد؛ ما تلاها كان مساراً طويلاً من الانقسامات والصراعات. حتى الأطراف التي خرجت من التنظيم الأصلي تشظت لاحقاً إلى مجموعات إضافية.
لذلك لا أرى حالياً مشروعاً جدياً لإعادة القديم. قد تأتي بعد الحرب أشكال سياسية جديدة، لكنها ستكون نتاج واقع مختلف، لا مجرد إعادة توحيد التنظيم التاريخي.
ما الخلاصة التي تراها لمستقبل الإسلاميين بعد الحرب؟
الإسلاميون سيبقون جزءاً من المجتمع السوداني، وهذا وجود لا يمكن إنكاره. لكن الوجود الاجتماعي شيء، ووجود حركة سياسية موحدة شيء آخر.
الحرب ستفرض على الجميع مراجعة الأشكال القديمة، والإسلاميون ليسوا استثناءً. في رأيي، المستقبل ينبغي أن يكون لدولة مدنية تخضع فيها المؤسسة العسكرية للسلطة السياسية، وتتوافق القوى السياسية على قواعد المنافسة وتحترم نتائجها.
أما العودة إلى الصيغة القديمة، حيث تبحث القوى المدنية عن الجيش للوصول إلى السلطة، فهي وصفة لإعادة إنتاج الأزمة نفسها.
وإذا كان هناك جديد سيخرج من الإسلاميين بعد الحرب، فسيكون عليه أن يجيب أولاً عن سؤال الدولة المدنية والديمقراطية، لا عن سؤال كيفية استعادة التنظيم القديم.

