ما وراء الخبر

من استدعاء السفير إلى كوتشينة البرهان.. كيف تعامل المدنيون والعسكر مع القاهرة؟

من قضية الطالب وليد عام 2019 إلى قصف المعدّنين عام 2026: مقارنة موثقة بين تحرك حكومة حمدوك واستجابة سلطة البرهان، في سياق العلاقة مع القاهرة.

عبد الفتاح البرهان يلقي كلمة من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، 21 سبتمبر 2023
صورة أرشيفية: عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة القائم في بورتسودان، يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، 21 سبتمبر 2023. الصورة: UN Photo/Cia Pak.

في 29 سبتمبر 2019، وبعد أسابيع من تولي عبد الله حمدوك رئاسة الوزراء، استدعت وزارة الخارجية السودانية السفير المصري في الخرطوم على خلفية اعتقال الطالب وليد عبد الرحمن حسن في القاهرة. وبعد خمسة أيام وصل الطالب إلى الخرطوم.

الصورة الرئيسية: عبد الفتاح البرهان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 سبتمبر 2023 (صورة أرشيفية). لا توثق محادثات سودانية مصرية أو مشهد لعب الورق المذكور. تصوير Cia Pak / UN Photo.

وفي 11 أكتوبر 2026، غداة غارات جوية على منجم العقيدات في منطقة شمال الوادي بولاية البحر الأحمر نسبتها جهات حقوقية وسياسية سودانية إلى الطيران الحربي المصري، تسلّم رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أوراق اعتماد السفير المصري الجديد في القصر الجمهوري بالخرطوم.

تفصل بين الواقعتين سبع سنوات وظروف سياسية وأمنية مختلفة جذرياً. غير أن وضعهما جنباً إلى جنب يطرح سؤالاً أبعد من المقارنة الظرفية: ما الأدوات التي تستخدمها السلطة في السودان حين يتعرض مواطنوها لأذى يُنسب إلى القاهرة، وما الذي يُعلن منها للرأي العام؟

باختصار

  • استدعت الخارجية السودانية السفير المصري في 29 سبتمبر 2019، وعاد وليد عبد الرحمن إلى الخرطوم في 4 أكتوبر بعد نحو عشرة أيام من الاحتجاز.
  • استهدفت غارات جوية منجم العقيدات في 10 أكتوبر 2026، وتراوحت الحصائل المعلنة بين 72 قتيلاً وأكثر من 200 بحسب الجهة.
  • تسلّم البرهان أوراق اعتماد السفير المصري الجديد في 11 أكتوبر، وأعلن مجلس السيادة لجنة لتقصي الحقائق في 12 أكتوبر.
  • لم تعلن القاهرة مسؤوليتها عن الغارات، وتحدث جيشها عن حملة ضد التنقيب غير المشروع داخل حدودها.

وليد عبد الرحمن.. قضية مواطن على طاولة الخارجية

دخل وليد عبد الرحمن حسن، وهو طالب في الثانية والعشرين، الأراضي المصرية في 28 أغسطس 2019 عبر معبر أرقين، بحسب ما عرضه الإعلامي عمرو أديب في برنامجه على قناة «إم بي سي مصر». وفي أواخر سبتمبر بث البرنامج تسجيلاً قُدّم على أنه اعترافات للطالب بالمشاركة في التحضير لاحتجاجات ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بينما نفت أسرته أي نشاط سياسي له وأكدت أنه جاء إلى مصر للدراسة.

أثار البث غضباً واسعاً في السودان. اتهم تجمع المهنيين السودانيين الإعلام المصري بغياب المهنية، وتظاهر محتجون أمام السفارة المصرية في الخرطوم مطالبين حمدوك والسفير السوداني في القاهرة بالتدخل. وقالت السفارة السودانية في القاهرة إنها تواصلت مع الخارجية المصرية فور ورود نبأ الاعتقال، ثم استدعت وزارة الخارجية في 29 سبتمبر السفير المصري حسام عيسى.

في 2 أكتوبر أعلنت السفارة السودانية الإفراج عن الطالب. وصاحب الإعلان ارتباك حول موعد وصوله، إذ توجهت أسرته إلى المطار ولم يصل في الموعد المعلن. ووصل وليد إلى الخرطوم مساء الجمعة 4 أكتوبر، وتحدث بعد عودته عن ظروف تسجيل الاعترافات:

جميع التهم التي وجهت لي ملفقة، وتمت بعد القبض عليّ، وإجباري على قراءة اعترافات ليست صحيحة.

وليد عبد الرحمن حسن، بعد عودته إلى الخرطوم، بحسب «عربي 21»

وذكرت النيابة العامة المصرية لاحقاً أن الإفراج عن موقوفين أجانب، بينهم سوداني، جاء استجابة لطلبات سفاراتهم، مع تمسكها بقانونية التوقيف. وتُظهر الوقائع الموثقة تحركاً مؤسسياً للحكومة الانتقالية بقيادة حمدوك عبر وزارة الخارجية والسفارة، مع ضغط شعبي وسياسي من القوى الداعمة للانتقال، وفي مقدمتها قوى الحرية والتغيير. ولم تكشف المصادر المنشورة التي راجعناها تفاصيل اتصالات أجراها حمدوك شخصياً في القضية.

القاهرة 2021.. حمدوك يفتح «المسكوت عنه»

في 11 مارس 2021 زار حمدوك القاهرة، بعد خمسة أيام من زيارة السيسي إلى الخرطوم. وبحسب تغطيات الزيارة، وصف القضايا الشائكة بين البلدين بـ«المسكوت عنه»، ودعا إلى فتح ملف مثلث حلايب وشلاتين المتنازع عليه بغرض التفاهم حوله. وتطرق كذلك إلى الصورة النمطية التي يحملها كل شعب عن الآخر، وإلى الحاجة إلى تصور مشترك للتاريخ.

يعكس هذا الخطاب مقاربة تضع الخلافات على الطاولة داخل علاقة يُراد لها أن تستمر، وهي مقاربة أثارت جدلاً في الإعلام المصري حينها لتزامنها مع مساعي التقارب بين البلدين.

وول ستريت جورنال.. رواية عن القاهرة عشية الانقلاب

بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 على الحكومة الانتقالية، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تقريراً نقلت فيه عن ثلاثة مصادر لم تسمّها أن البرهان سافر إلى مصر للقاء السيسي قبل يوم من حل مؤسسات الانتقال واعتقال حمدوك وعدد من الوزراء، وأنه سعى إلى الحصول على دعم القاهرة للخطوة، وفق ما نقلته ملخصات صحفية للتقرير. وتناقلت تغطيات للتقرير أيضاً رواية منسوبة إلى مدير المخابرات المصرية عباس كامل مفادها أن «حمدوك يجب أن يذهب»، وهي عبارة لا تُعامل هنا كاقتباس متحقق منه حرفياً من النص الأصلي.

وذكرت نشرة «أفريكا كونفيدنشيال» أن رئيس المخابرات المصرية آنذاك عباس كامل زار الخرطوم بعد الانقلاب لتقديم المشورة للبرهان بشأن تشكيل حكومة جديدة، فيما نقلت «القدس العربي» عن مصدر أمني مصري أن كامل تحدث مع البرهان ومحمد حمدان دقلو في محاولة للتوسط في تشكيل الحكومة. تبقى هذه روايات منسوبة إلى مصادر مجهولة أو إلى طرف واحد، وهي غير كافية لإثبات أن القاهرة قررت الانقلاب أو أدارته.

قصف المعدّنين.. التسلسل الزمني

  1. 7 إلى 9 أكتوبر 2026: أفاد شهود قابلتهم منظمة مناصرة ضحايا دارفور بأن طائرتين عسكريتين مصريتين نفذتا طلعات استطلاع فوق منجم شمال الوادي.
  2. السبت 10 أكتوبر: غارات جوية على منجم العقيدات قرب سوق الأنصاري. قالت مجموعة «محامو الطوارئ» إن الطيران الحربي المصري نفذها وقتل 72 معدّناً مدنياً، وتحدث تجمع المهنيين عن أكثر من 100 قتيل، ونقلت «سودان تربيون» عن ناجين أن الحصيلة 200 على الأقل.
  3. الأحد 11 أكتوبر: أصدر تحالف «صمود»، الذي يرأسه حمدوك، بياناً يدين الغارات ويطالب بتحقيق عاجل ومستقل. ودان تحالف «تأسيس» الهجوم وطالب بتحقيق دولي.
  4. الأحد 11 أكتوبر: تسلّم البرهان أوراق اعتماد السفير المصري الجديد ياسر عبد الرحمن علي سرور في القصر الجمهوري بالخرطوم، بحضور وزير الخارجية محي الدين سالم.
  5. الإثنين 12 أكتوبر: وصف مستشار رئيس مجلس السيادة أمجد فريد قصف المعدّنين بأنه جرم غير مبرر، وأعلن المجلس تشكيل لجنة لتقصي الحقائق.
  6. الإثنين 12 أكتوبر: أعلن الجيش المصري تنفيذ المرحلة الثالثة من حملة لمكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية، دون إعلان مسؤوليته عن الغارات.

صمود والبرهان.. خطابان في يومين

جاء بيان «صمود» في 11 أكتوبر عن لجنة الاتصال السياسي والعلاقات الخارجية في التحالف، وحمّل السلطات المعيّنة من القوات المسلحة مسؤولية ما يجري في المناطق الخاضعة لسيطرتها:

ونطالبها بألا تلوذ بالصمت كما فعلت إزاء الغارات السابقة، وأن تعلن موقفاً واضحاً مما جرى.

من بيان التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، 11 أكتوبر 2026

ويحيل البيان ضمناً إلى هجوم يونيو الماضي على منجم في شمال ولاية البحر الأحمر، الذي أصدر التحالف بشأنه بياناً مماثلاً.

أما أول ظهور علني للبرهان مع الجانب المصري بعد الغارات فكان في مراسم دبلوماسية. فبحسب التغطيات الرسمية لتسليم أوراق الاعتماد، أعرب البرهان عن تقديره لمواقف القيادة المصرية الداعمة للسودان، ونقل السفير إليه تحيات السيسي. ولم تتضمن التغطيات التي راجعناها إشارة إلى الغارات. وكان البرهان قد التقى السيسي في العلمين الجديدة في 4 أكتوبر، على هامش الاجتماع التنسيقي للاتحاد الأفريقي.

في اليوم التالي كتب مستشار البرهان أمجد فريد على منصة «إكس»:

الاعتداء على المعدّنين السودانيين وقصفهم جُرم غير مبرر وغير مقبول.

أمجد فريد، مستشار رئيس مجلس السيادة، 12 أكتوبر 2026

وأضاف أن هناك قنوات تواصل مفتوحة لمعالجة التجاوزات الحدودية. وفي اليوم نفسه أعلن مجلس السيادة أن البرهان أصدر قراراً بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية، من دون تحديد موعد لإنجاز عملها. وأكد البيان أن حماية أرواح المواطنين وكرامتهم مسؤولية أصيلة للدولة، وأشار إلى استمرار التواصل بين قيادتي البلدين منذ وقوع الحادث.

وأفاد مصدران لسودان ستوري بأن حمدوك ومحمد الفكي سليمان تابعا القضية خلال وجودهما في أديس أبابا وأجريا اتصالات بشأنها. ولم يتسنَّ التحقق من الجهات التي جرى الاتصال بها أو من نتائج تلك الاتصالات.

ولم تعلن القاهرة رسمياً مسؤوليتها عن الغارات. ونقلت «رويترز» عن مسؤولين أمنيين مصريين أن الضربة هدفت إلى إنهاء حالة فوضى على الحدود ووقف محاولات مجموعات مصرية وسودانية السيطرة على مواقع للتعدين. وفي الخرطوم، نقلت «فرانس برس» عن مصدر أمني مقتل مواطنَين مصريين وإصابة ثالث برصاص مسلح في سوق جنوب المدينة، في حادثة بدت رد فعل على الغارات بحسب «القدس العربي».

الكوتشينة.. مقطع متداول بلا تاريخ موثق

تزامن الجدل حول الغارات مع تداول مستخدمين مقطعاً مصوراً يظهر فيه البرهان وهو يلعب الورق، واستخدمه منتقدون للتعليق على أولويات القيادة في لحظة حداد. ولم تتمكن سودان ستوري من تحديد المصدر الأول للمقطع أو تاريخ تصويره، ولذلك يتعذر ربطه بيوم الغارات أو بما بعدها. ويكشف التفاعل مع المقطع حجم الغضب الشعبي أكثر مما يكشف سلوكاً موثقاً في توقيت بعينه.

وفي منشور على حسابه الرسمي في فيسبوك، انتقد خالد عمر يوسف، وزير شؤون مجلس الوزراء السابق، ظهور البرهان في مقطع الكوتشينة، معتبراً أنه يتناقض مع معاناة السودانيين وسقوط الضحايا في شمال الوادي ومناطق أخرى. وحمّل يوسف الحكم العسكري مسؤولية جانب أساسي من الأزمة السودانية، ودعا إلى وقف الحرب وإقامة دولة مدنية وجيش مهني واحد. وهذه مواقف سياسية منسوبة إليه، ولا تثبت تاريخ تصوير المقطع أو دوافع تداوله.

أي معيار للمقارنة؟

القضيتان مختلفتان في الحجم والطبيعة. الأولى احتجاز طالب انتهى بالإفراج عنه خلال أيام، والثانية غارات جوية قُتل فيها عشرات المدنيين على الأقل، وتتطلب تحقيقاً جنائياً وفنياً قد يطول. وعملت حكومة حمدوك ضمن شراكة مع المكون العسكري، وكان البرهان نفسه رئيساً لمجلس السيادة حين استُدعي السفير المصري عام 2019.

2019: قضية وليد2026: غارات العقيدات
الضرراحتجاز طالب نحو عشرة أيامعشرات القتلى على الأقل، والحصائل متباينة
رأس السلطةحمدوك رئيساً للوزراء، والبرهان رئيساً لمجلس السيادةالبرهان رئيساً لمجلس السيادة
الإجراء الدبلوماسي المعلناستدعاء السفير المصريتسلّم أوراق اعتماد سفير مصري جديد، وبيان عن «تواصل بين القيادتين»
الإجراء القانونيلا ينطبقلجنة لتقصي الحقائق بلا موعد محدد
موقف القاهرةالإفراج «بناءً على طلب السفارات»لا إعلان للمسؤولية، وحديث عن حملة داخل حدودها
النتيجة حتى الآنعودة الطالب إلى الخرطوملا نتائج معلنة
إعداد: سودان ستوري، استناداً إلى المصادر المذكورة في آخر المادة.

تصح المقارنة إذن على مستوى الأدوات المعلنة وتوقيتها. في 2019 كانت الأداة الأولى استدعاء السفير، وهو احتجاج دبلوماسي صريح. وفي 2026 كانت أول صورة علنية تجمع البرهان بالجانب المصري بعد الغارات مراسم استقبال سفير جديد، تلتها لجنة لتقصي الحقائق وبيان يتحدث عن تواصل بين القيادتين من دون الكشف عن مضمونه. وستبقى نتائج اللجنة، وما يُعلن عن تلك الاتصالات، المعيار الذي يُقاس عليه أداء السلطة أمام أسر الضحايا.


تحليل: فريق سودان ستوري

المصادر

المنهجية: تعتمد المادة على تغطيات منشورة وبيانات رسمية. نُقل تقرير «وول ستريت جورنال» وحديث حمدوك في القاهرة عن تغطيات إعلامية لهما. حصائل الضحايا معلنة من الجهات المذكورة، ولم تتحقق منها سودان ستوري ميدانياً، ولا تُجمع.

آخر مراجعة: 14 أكتوبر 2026