الملف الإنساني

السد العالي ووادي حلفا.. الثمن السوداني لمشروع غيّر وادي النيل

من اتفاقية مياه النيل 1959 إلى تهجير عشرات الآلاف من سكان وادي حلفا عام 1964، تكشف الوثائق جانباً سودانياً من تاريخ السد العالي لا تختزله رواية المكاسب الرسمية.

منظر للسد العالي في أسوان عام 2007، وهو المشروع الذي أدت بحيرته إلى تهجير سكان من منطقة وادي حلفا بالسودان.

السد العالي في أسوان، صورة أرشيفية عام 2007، ولا توثق عملية التهجير سنة 1964. تصوير: Jordan Busson / Wikimedia Commons، ترخيص CC BY 3.0. المصدر.

عندما يُستدعى التاريخ للحديث عن فضل شعب على آخر في وادي النيل، غالباً ما تُروى قصة السد العالي بوصفها إنجازاً مصرياً كبيراً في تخزين المياه وتوليد الكهرباء. لكن لهذه القصة جانباً سودانياً لا يقل أهمية: أراضٍ وبيوت وقرى نوبية غمرتها المياه، وسكان أُعيد توطينهم بعيداً عن موطنهم التاريخي في منطقة وادي حلفا.

باختصار

  • حددت اتفاقية 1959 نصيب مصر السنوي بـ55.5 مليار متر مكعب والسودان بـ18.5 مليار.
  • نصت الاتفاقية على تعويض قدره 15 مليون جنيه مصري على أربع دفعات بين 1960 و1963.
  • اضطر نحو خمسين ألف شخص إلى مغادرة وادي حلفا، ونُقل معظمهم عام 1964 إلى خشم القربة.

يفتح الجدل حول مقتل معدّنين سودانيين قرب الحدود مع مصر باباً لاستعادة تاريخ التعاون والمخاطر التي تحملها البلدان، من دون تسخير إرث السكان الذين تعرضوا للتهجير في خصومة قومية جديدة. فمن حق السودانيين والمصريين معرفة كيف صُنعت المشروعات الكبرى وما الذي دفعه الناس مقابل منافعها.

اتفاقية مياه النيل: ماذا نصت؟

في الثامن من نوفمبر 1959، وقّعت حكومتا السودان والجمهورية العربية المتحدة اتفاقية للاستخدام الكامل لمياه النيل. ووثّقت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة نص الاتفاقية، الذي نص على إنشاء السد العالي في أسوان، وعلى ترتيبات لتنظيم مياه النيل والتعاون الفني، إلى جانب حق السودان في إقامة منشآت مائية ومنها خزان الروصيرص.

حددت الاتفاقية إجمالي نصيب مصر السنوي من المياه، وفق حساباتها آنذاك، بـ55.5 مليار متر مكعب، ونصيب السودان بـ18.5 مليار متر مكعب. وكان معنى إنشاء الخزان ارتفاع مناسيب المياه في مناطق من شمال السودان، وهو أمر لم يكن محصوراً داخل الحدود المصرية.

اتفاقية 1959 وتهجير حلفا في أربعة أرقام

كما وردت في نص الاتفاقية ودراسة جامعة الأمم المتحدة

ثابت رسمياً:

نصيب مصر السنوي

55.5 مليار م³

وفق حسابات الاتفاقية آنذاك

ثابت رسمياً:

نصيب السودان السنوي

18.5 مليار م³

وفق حسابات الاتفاقية آنذاك

ثابت رسمياً:

تعويض بين الدولتين

15 مليون جنيه مصري

عن الأضرار التي تلحق بالممتلكات السودانية

منسوب إلى جهة:

المهجّرون من وادي حلفا

نحو 50 ألف شخص

وفق دراسة جامعة الأمم المتحدة

المصادر: نص الاتفاقية لدى منظمة الأغذية والزراعة، ودراسة جامعة الأمم المتحدة.

تضمنت الاتفاقية أيضاً التزام الجمهورية العربية المتحدة بدفع 15 مليون جنيه مصري تعويضاً عن الأضرار التي تلحق بالممتلكات السودانية بسبب التخزين، والتزام السودان بترتيب نقل سكان حلفا وغيرهم ممن تغمر المياه أراضيهم قبل يوليو 1963. هذه الترتيبات القانونية تُثبت وجود اتفاق بين الحكومتين، لكنها لا تخبرنا وحدها بما شعر به المهجّرون أو إن كانوا راضين عن التعويض ومسارات إعادة التوطين.

الانتقال إلى خشم القربة

وفق دراسة أرشيفية منشورة لدى جامعة الأمم المتحدة، اضطر نحو خمسين ألف شخص من منطقة وادي حلفا إلى الانتقال، ونُقل معظم النوبيين المعنيين عام 1964 إلى مشروع خشم القربة القائم على مياه نهر عطبرة. وتتحدث الدراسة عن توطين نحو أربعين ألفاً في خمس وعشرين قرية، وعن تغير عميق في نظم السكن والزراعة وحيازة الأرض.

التعويض والجدول الذي لم يتطابق

جدول التعويض وموعد النقل: ما نص عليه الاتفاق، وما جرى

دفعات بالجنيه المصري وفق ملحق الاتفاقية

  1. 8 نوفمبر 1959، واقعة موثقة

    توقيع اتفاقية الاستخدام الكامل لمياه النيل.

  2. مطلع 1960، واقعة موثقة

    الدفعة الأولى: 3 ملايين جنيه.

  3. 1961 و1962 و1963، واقعة موثقة

    ثلاث دفعات: 4 ملايين جنيه في كل عام.

  4. قبل يوليو 1963، واقعة موثقة

    الموعد الذي حددته الاتفاقية لإتمام نقل سكان حلفا.

  5. 1964، منسوب إلى جهة

    انتقال معظم المعنيين إلى خشم القربة، وفق دراسة جامعة الأمم المتحدة.

    فجوة: لا يقدم المصدران تفسيراً معتمداً للفارق بين الموعدين.

مجموع الدفعات 15 مليون جنيه. التعويض بين الدولتين لا يدل وحده على ما وصل إلى كل أسرة.

تكشف المقارنة بين النص الأصلي لاتفاقية مياه النيل وبين التنفيذ اختلافاً زمنياً جديراً بالشرح؛ فقد نصت الاتفاقية على إتمام نقل سكان حلفا قبل يوليو 1963، بينما تقول دراسة جامعة الأمم المتحدة إن انتقال غالبية المعنيين إلى خشم القربة جرى في عام 1964. ولا نملك من هذين المصدرين وحدهما تفسيراً معتمداً لسبب الفارق، وهو سؤال يستحق البحث في مراسلات الحكومتين وسجلات الإسكان.

وتضمن ملحق الاتفاقية جدولاً لسداد التعويض البالغ 15 مليون جنيه مصري على أربع دفعات: ثلاثة ملايين مطلع 1960، وأربعة ملايين في كل من أعوام 1961 و1962 و1963. هذا تعويض بين الدولتين منصوص عليه في الاتفاقية، ولا يدل بمفرده على مقدار ما وصل إلى كل أسرة أو على عدالة تقدير الخسائر الاجتماعية والثقافية، وهي قضايا تتطلب سجلات حكومية وشهادات سكان.

وشهدت النوبة المصرية أيضاً إعادة توطين، فالغمر أصاب مجتمعات على جانبي الحدود. ويدرس كتاب «لقاءات نوبية» الذي نشرته الجامعة الأمريكية بالقاهرة آثار التهجير على الثقافة والتنظيم الاجتماعي للنوبيين. بذلك يصبح التاريخ أكثر اتساعاً من منطق الضحية الوطنية الواحدة، دون أن يطمس خصوصية وادي حلفا السودانية.

الذاكرة التي بقيت بعد الغمر

تتجاوز خسارة المكان معيار المسافة؛ فالسكان الذين انتقلوا من ضفاف النيل إلى بيئة زراعية ومناخية مختلفة حملوا معهم لغاتهم وعلاقاتهم وذاكرتهم، بينما بقيت أجزاء من جغرافيتهم الأصلية تحت مياه البحيرة. والبحث الجاد في هذه القصة يحتاج شهادات من الأسر المهجّرة وأحفادها، وما بقي من صور القرى وسجلات التعويض.

لكن اختزال تلك التجربة في عبارة «السودانيون تبرعوا بأرضهم لمصر» لا يكون دقيقاً تاريخياً. القرار اتخذته حكومتان وفق اتفاق يمنح البلدين منافع مائية، بينما تحمل سكان محددون أعباء اجتماعية وثقافية باهظة. والاعتراف بتلك الكلفة يقف إلى جانب الإقرار بفوائد التعاون، والحديث عن المنافع يبقى ناقصاً دون خسائر المهجّرين.

تقدم قصة وادي حلفا لذلك منظوراً مختلفاً للعلاقات السودانية المصرية: شراكة بين دولتين، لكنها أيضاً تاريخ من القرارات التي مست حياة مواطنين يجب أن تسمع أصواتهم. والسؤال الذي يستحق متابعة صحفية اليوم هو كيف حضرت مساهمة السودانيين وتضحياتهم في المناهج والخطاب العام والتعويضات والذاكرة المشتركة.

إعداد: فريق سودان ستوري

المصادر: نص اتفاقية مياه النيل 1959 لدى منظمة الأغذية والزراعة، ودراسة جامعة الأمم المتحدة، وكتاب «لقاءات نوبية».

المنهجية: مادة تاريخية تعتمد على نص الاتفاقية ودراسات أكاديمية منشورة. الفارق بين موعد النقل في الاتفاقية وموعده الفعلي مسجل كما ورد في المصدرين، دون تفسير غير موثق.

الصورة: للسد العالي في أسوان، التُقطت عام 2007، ولا تصور تهجير سكان وادي حلفا عام 1964. تصوير Jordan Busson / Wikimedia Commons، CC BY 3.0.

آخر مراجعة: 13 أكتوبر 2026