في حزام الصمغ الممتد عبر كردفان ودارفور، تبدأ قيمة الصمغ العربي عند شجرة الهشاب أو الطلح التي يطقّها منتج صغير، وتنتهي في مصانع المشروبات الغازية والأدوية ومستحضرات التجميل حول العالم. وبين الطرفين سلسلة طويلة من التجميع والنقل والفرز والتصدير والمعالجة الصناعية. منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023 استمرت هذه السلسلة في العمل عبر طرق ووسطاء جدد، وبمخاطر أعلى على كل حلقة فيها.
والآن يظهر الصمغ في نص تشريعي أميركي جديد: مشروع القانون H.R. 10795 الذي قُدّم في 13 أكتوبر 2026 يدرجه ضمن ما يسميه «المعادن المشمولة» في شراكة مقترحة مع السودان، إلى جانب الذهب والنحاس والنفط الخام.
باختصار
- قبل النزاع، وفّر السودان ما بين 70 و80 في المئة من صادرات الصمغ الخام عالمياً، بصادرات سنوية بلغت 183 مليون دولار في أعلى مستوياتها.
- يعتمد نحو خمسة ملايين شخص في السودان على الصمغ مصدراً للدخل، وفق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
- رصد تقرير أممي في يوليو 2026 تحويل كميات كبيرة من مناطق سيطرة الدعم السريع عبر دول الجوار، ونقل كميات من مناطق سيطرة الجيش إلى بورتسودان للتصدير.
- قال ممثل للدعم السريع إن قواته تحمي تجارة الصمغ وتجبي رسوماً محدودة، ووصف الحديث عن مخالفات بأنه دعاية.
سلعة متواضعة القيمة، عالمية الأثر
بحسب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، كان السودان قبل أبريل 2023 مصدر ما بين 70 و80 في المئة من صادرات الصمغ الخام في العالم، وبلغت قيمة صادراته السنوية ما يصل إلى 183 مليون دولار. الرقم متواضع إذا قورن بالذهب، لكن أهمية الصمغ تأتي من موقعه في الصناعة: فهو مادة مثبتة ومستحلبة تدخل في المشروبات الغازية والأغذية والأدوية ومستحضرات التجميل، ولذلك يمتد أثر أي اضطراب في إنتاجه إلى ما وراء حدود السودان.
وفي الداخل، يمثل الصمغ مصدر دخل لنحو خمسة ملايين شخص، أغلبهم في المجتمعات الريفية لحزام الصمغ. وتقع معظم غابات الأكاسيا التي يتشكل منها هذا الحزام في مناطق تتقاسم السيطرة عليها القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، كما تشير وكالة إنتر برس سيرفس في قراءتها للتقرير الأممي.
من استثناء 1997 إلى «المعادن المشمولة»
للصمغ تاريخ خاص في السياسة الأميركية تجاه السودان. فحين فرضت واشنطن عقوباتها الشاملة عام 1997 عومل الصمغ معاملة استثنائية، بسبب اعتماد شركات أميركية كبرى للأغذية والدواء عليه. وفي عام 2000 اعترض البيت الأبيض على بند في مشروع قانون تجاري كان سيعفي واردات الصمغ السوداني من الحظر إعفاءً دائماً، معتبراً أن ذلك يُضعف العقوبات، ومبدياً استعداده لتخفيف محدود لمصلحة شركات المعالجة.
بعد أكثر من ربع قرن، يعود الصمغ إلى نص تشريعي أميركي من باب مختلف: باب الشراكة المشروطة. في 1997 كان السؤال كيف تحمي الشركات الأميركية إمداداتها رغم العقوبات. أما في المشروع الجديد، فيُطرح الصمغ مورداً ضمن تبادل يُعرض فيه على السودان معدات وتقنيات، بشرط قيام سلطة مدنية شرعية.
كيف أعاد النزاع رسم طريق الصمغ؟
في مارس 2025 نشرت وكالة رويترز تحقيقاً قالت فيه، استناداً إلى أحاديث مع ثمانية منتجين ومشترين، إن قوات الدعم السريع سيطرت أواخر 2024 على مناطق الحصاد الرئيسية في كردفان ودارفور، وإن الصمغ الخام صار يُسوّق مقابل رسوم تُدفع لها، ويعبر إلى دول الجوار عبر أسواق حدودية غير رسمية ومن دون شهادات منشأ مناسبة. وقال منتج يملك بساتين أكاسيا في غرب كردفان للوكالة إن الدعم السريع يأخذ رسوماً من التجار مقابل الحماية.
وردّ ممثل للدعم السريع، في التحقيق نفسه، بأن قواته حمت تجارة الصمغ العربي ولم تجبِ سوى رسوم صغيرة، ووصف الحديث عن أي مخالفة للقانون بأنه دعاية موجهة ضدها.
ثم جاء تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 15 يوليو 2026 بعنوان «الأعمال التجارية وحقوق الإنسان في النزاع: الصمغ العربي من السودان». رصد التقرير تحويل الدعم السريع كميات كبيرة من غرب كردفان وأجزاء من دارفور نحو سوق النعام في المنطقة منزوعة السلاح بين السودان وجنوب السودان، ثم إلى جوبا ومنها إلى ميناء مومباسا في كينيا. وأشار إلى أن كميات أخرى نُقلت من مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية إلى بورتسودان للتصدير، وذكر أن بورصة الصمغ العربي ومخازنها وأجزاء من سوق النهود تعرضت في مايو 2025 لنهب نُسب إلى الدعم السريع.
ويحذّر التقرير من أن الصمغ قد يدخل قنوات الجمارك والتصدير في دول العبور ويُعالَج أو يُوثَّق بوصفه منتجاً محلياً، ما يجعل التحقق من منشئه الحقيقي صعباً. وفي السياق نفسه، نبّهت رسالة من أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي إلى انتشار تهريب الصمغ السوداني وإعادة وسمه في دول مجاورة، بينها تشاد وجنوب السودان ومصر.
من يتحمل المسؤولية في السلسلة؟
دعا التقرير الأممي أطراف النزاع والدول والشركات المرتبطة بتجارة الصمغ إلى الالتزام بالقانون الدولي، ونبّه إلى أن الشركات العاملة في القطاع قد تتعرض لمخاطر حقوقية مرتبطة بالنزاع. ويرى الدكتور عبد المنعم مختار، المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات، في حديث لراديو دبنقا، أن المسؤولية القانونية والأخلاقية تقع على الشركات والدول المستوردة، المطالبة بتطبيق عناية واجبة معززة في المناطق المتأثرة بالنزاع.
ويضع مختار الصمغ في موقعه من اقتصاد النزاع: هو مورد مهم، يأتي بعد الذهب الذي يصفه بأنه المصدر الأكبر والأكثر مباشرة للسيولة والتهريب وتمويل العمليات العسكرية، ويؤدي الصمغ إلى جانبه دوراً داعماً.
أين يقف المنتج؟
يتركز النقاش الدولي على التهريب ومسؤولية الشركات، ويبقى المنتج الصغير الحلقة الأقل حضوراً في البيانات المتاحة. السعر الذي يحصل عليه عند الشجرة، وتكلفة النقل والحماية والرسوم على الطريق، والقيمة المضافة عند التنظيف والمعالجة، ومن يتحمل خسائر التخزين حين تُغلق الطرق: كلها أسئلة تحتاج إلى بيانات ميدانية لم تتوفر لسودان ستوري عند إعداد هذه المادة.
ومن دون هذه البيانات يصعب تحميل المنتجين مسؤولية اقتصاد نزاع يعملون داخله اضطراراً، كما يصعب قياس ما إذا كانت أي شراكة مستقبلية ستعود عليهم بشيء. الإجابة تحتاج إلى مقارنة بيانات صادرات السودان ودول الجوار وفق رموز التجارة المناسبة قبل النزاع وبعده، مع إدراك أن أرقام الاستيراد وحدها تعجز عن كشف المنشأ الحقيقي، وإلى مقابلات مع منتجين وتجار ومصنّعين.
السؤال الذي يطرحه مشروع القانون
يدخل مورد نباتي يعيش منه ملايين السودانيين في مشروع قانون أميركي تحت تسمية «المعادن المشمولة». الجدل الأعمق يتجاوز التسمية إلى سؤال التوزيع: من سيجني قيمة أي شراكة في حزام تتقاسمه قوتان متحاربتان، وهل سيصل شيء منها إلى المنتجين في كردفان ودارفور؟ الشرط المدني في المشروع يفتح هذا السؤال، ولا تكفي صياغته وحدها للإجابة عنه.
في هذا الملف: مشروع قانون أميركي يربط شراكة المعادن بحماية المدنيين · ما وراء الذهب: ماذا نعرف فعلاً عن معادن السودان؟ · هل تمنح الموارد شرعية لسلطات الأمر الواقع؟ · من يحمي السلطة المدنية في مناطق نفوذ السلاح؟
إعداد: فريق سودان ستوري
المصادر: أخبار الأمم المتحدة عن تقرير مكتب حقوق الإنسان، يوليو 2026؛ إنتر برس سيرفس، يوليو 2026؛ رويترز، 4 مارس 2025 (عبر مركز موارد الأعمال وحقوق الإنسان)؛ النص الكامل لتحقيق رويترز؛ راديو دبنقا، يوليو 2026؛ رسالة أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي؛ بيان مكتب الإدارة والميزانية الأميركي، 2000؛ غلوب آند ميل؛ سجل المشروع H.R. 10795.
المنهجية: الاتهامات المتعلقة بالجباية والنهب منسوبة إلى مصادرها، وأُورد رد الدعم السريع كما نشرته رويترز. لم نعثر في المصادر التي راجعناها على رد من القوات المسلحة السودانية أو السلطة القائمة في بورتسودان على ما ورد في التقرير الأممي بشأن نقل الصمغ من مناطق سيطرتها. لم نطّلع على النص الكامل للتقرير الأممي، واعتمدنا على ملخصاته المنشورة.
آخر مراجعة: 16 أكتوبر 2026

