تحليلات / اقتصاد الحرب

السمسم السوداني بعد الحرب.. ماذا تغيّر بين الحقل وأسواق التصدير؟

شهادات من القضارف وقراءة في بيانات التجارة تتتبع تغيّر إنتاج السمسم وتمويله ونقله، وتسأل عن نصيب المزارع من العائد.

بطاقة قصة السمسم السوداني، بحقل أرشيفي من النيل الأبيض في 2014 وصورة توضيحية لبذور السمسم.
السمسم السوداني — صورة حقل أرشيفية من النيل الأبيض، 2014.

التجارة الخارجية: السودان في بيانات المرآة

530 ألف جنيه.

هكذا صحّح، والي الدين عبدالقادر، الرقم عندما سألناه عن سعر قنطار السمسم في سوق القضارف.

في بداية العام، كان القنطار، بحسب إفادته لـ«سودان ستوري»، يُباع بين 150 و170 ألف جنيه، قبل أن يرتفع إلى 400 و500 ألف جنيه، ثم يصل إلى نحو 530 ألف جنيه خلال الأسبوع الأخير من سبتمبر 2026.

وفي إفادة مستقلة، يقول حسام محمد حسين، وهو مزارع سمسم من القضارف، إن القنطار كان في يناير عند نحو 140 و170 ألف جنيه، ثم وصل لاحقًا إلى أكثر من 500 ألف جنيه.

لكن ارتفاع السعر لا يحكي القصة كاملة.

ففي الوقت الذي ارتفع فيه السعر المحلي، تراجعت الكميات المسجلة من السمسم السوداني المتجهة إلى الأسواق الخارجية. وتغيرت خريطة المشترين، وانخفض عدد الدول التي تظهر في بيانات الاستيراد، بينما ارتفعت تكلفة نقل المحصول إلى الميناء في بورتسودان، بحسب إفادة والي الدين.

وعند نقطة الإنتاج، يقول حسام محمد، إن نقص الوقود والمدخلات والعمالة والتمويل دفعه إلى تقليص المساحة التي يزرعها بالسمسم، وإن إنتاجه انخفض بصورة كبيرة.

أما والي الدين، الذي عمل في تجارة السمسم بالقضارف قبل انتقاله إلى مجال الشحن، فيصف تغيرًا داخل السوق نفسها: تراجع التمويل المصرفي، وزيادة اعتماد بعض التجار على الشركات الخارجية التي تمول شراء المحصول.

بين الحقل وسوق القضارف، ثم الطريق إلى الميناء في بورتسودان، وصولًا إلى الأسواق الخارجية، تغيرت رحلة السمسم السوداني منذ أبريل 2023.

فماذا حدث للسمسم السوداني بعد اندلاع النزاع؟ وهل يعكس تراجع الكميات المصدرة انخفاض الإنتاج فقط، أم أن النزاع أعاد أيضًا تشكيل السوق، وطرق تمويل التجارة، ودور الوسطاء، وخريطة الأسواق التي يصل إليها المحصول؟

ماذا تقول الأرقام؟

تبدأ الصورة من حجم التجارة نفسها.

وفق بيانات الواردات التي أبلغت عنها الدول الشريكة للسودان إلى UN Comtrade، بلغ متوسط الكمية المسجلة من السمسم السوداني خلال 2018–2022 نحو 428.6 ألف طن سنويًا. وتعتمد هذه القراءة على «بيانات المرآة»، أي بيانات الدول التي سجلت واردات من السودان، وليس على سجلات الصادرات السودانية. وقد تختلف بيانات الطرفين بسبب اختلاف توقيت التسجيل وطرق التقييم والتصنيف والإبلاغ.

وفي 2023، انخفضت الكمية إلى 323.1 ألف طن، ثم إلى 257.4 ألف طن في 2024.

أما بيانات 2025 المتاحة حتى تاريخ استخراج البيانات، فتسجل نحو 77.5 ألف طن، لكنها لا تمثل عامًا كاملًا، ولذلك لا تصلح للمقارنة المباشرة مع السنوات السابقة بوصفها حصيلة نهائية.

في المقابل، ارتفعت القيمة المحسوبة للطن.

فبعد متوسط بلغ نحو 1,484 دولارًا للطن خلال 2018–2022، ارتفعت القيمة إلى نحو 1,902 دولار في 2023 و1,944 دولارًا في 2024، قبل أن تبلغ نحو 1,746 دولارًا في بيانات 2025 المتاحة.

أي أن انخفاض الكميات لم يصاحبه انخفاض مماثل في قيمة الطن.

تكشف الأرقام عن تحول واضح: استمرت الدول الشريكة في تسجيل واردات من السمسم السوداني بعد أبريل 2023، لكن بكميات أقل، بينما ارتفعت القيمة المحسوبة للطن في 2023 و2024.

لكن بيانات التجارة لا تخبرنا وحدها لماذا انخفضت الكميات.

عندما يبدأ التراجع من الحقل

في القضارف، يقول حسام محمد، إن أثر النزاع ظهر منذ بداية العملية الزراعية نفسها.

فالزراعة في الولاية تعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة المطرية والآليات الزراعية، بحسب إفادته. ومع نقص الوقود، لجأ بعض المزارعين إلى وسائل زراعة يدوية، بينما أصبحت البذور المحسنة والأسمدة والمبيدات أكثر صعوبة في الحصول عليها.

ويقول حسام إن هذه الظروف دفعته إلى تقليص المساحة التي يزرعها بالسمسم من نحو 200 فدان إلى 50 – 75 فدانًا.

كما يقدر أن إنتاجه انخفض من نحو 100 شوال إلى 25 – 40 شوالًا.

هذه أرقام تخص تجربة مزارع واحد، ولا يمكن تعميمها على ولاية القضارف. لكنها تقدم تفسيرًا ميدانيًا محتملًا لأحد التحولات التي تظهر في بيانات التجارة: أن جزءًا من انخفاض الكميات المتجهة إلى الأسواق الخارجية قد يبدأ من انخفاض المساحة المزروعة والإنتاج قبل وصول المحصول إلى سوق التصدير.

ولا يقتصر الأمر على المدخلات.

يقول حسام إن تأخر التمويل في بعض المواسم جعل مزارعين غير قادرين على الزراعة في الوقت المناسب، واضطر بعضهم إلى الاقتراض من التجار. كما تراجعت العمالة المتاحة للحصاد، بعد أن غادر عمال كثيرون مناطقهم إلى أماكن أكثر أمنًا.

ويضيف أن تأثير الظروف الزراعية لم يكن متساويًا بين مناطق القضارف. فبحسب إفادته، تراجع إنتاج السمسم في القلابات شرق الولاية، بينما ظلت مناطق جنوب القضارف، مثل الحواتة وقلعة النحل والمفازة، أكثر استقرارًا.

وفي المقابل، يشير والي الدين عبدالقادر، إلى تراجع إنتاج مناطق الفشقة الكبرى والصغرى، بينما يقول إن اتجاه الشرق ومناطق الفاو والمفازة سجلت إنتاجًا جيدًا خلال الموسم الأخير.

الاختلاف بين الإفادتين لا يسمح بتحديد حجم التراجع جغرافيًا، لكنه يوضح أن الإفادات الميدانية لا ترسم صورة موحدة لمناطق إنتاج السمسم في ولاية القضارف.

خريطة المشترين تتغير

لا يظهر التحول في حجم التجارة فقط، بل في وجهتها أيضًا.

كانت الصين أكبر مشتري للسمسم السوداني خلال السنوات السابقة على النزاع، واستحوذت في المتوسط على نحو 41.8% من قيمة الواردات المسجلة للدول الشريكة خلال 2018 – 2022.

في الفترة نفسها، بلغت حصة تركيا نحو 9.1%، ومصر نحو 12.1%.

بعد أبريل 2023، تغير هذا التوزيع.

في 2023، انخفضت حصة الصين إلى 27.7%، بينما ارتفعت حصة تركيا إلى 18.5%.

وفي 2024 – 2025 بلغ متوسط حصة الصين نحو 25%، مقابل 15.1% لتركيا و18.6% لمصر.

لا يعني ارتفاع حصة دولة أن قيمة مشترياتها ارتفعت بالضرورة؛ فقد ترتفع الحصة لأن صادرات السودان إلى أسواق أخرى تراجعت بصورة أكبر.

كما أن ارتفاع حصة مصر لا يكفي لإثبات أن السمسم بقي في السوق المصرية أو أعيد تصديره منها، وهو ما يحتاج إلى تتبع بيانات التجارة المصرية وشركائها.

لكن تغير الحصص ليس المؤشر الوحيد.

أسواق أقل

في 2018، سجلت بيانات الشركاء واردات من السمسم السوداني في 40 دولة.

انخفض العدد تدريجيًا إلى 39 دولة في 2019، و37 في 2020، و34 في 2021، و30 في 2022.

وبعد اندلاع النزاع، سجلت البيانات 27 دولة في 2023، ثم 25 دولة في 2024.

أما بيانات 2025 المتاحة حتى تاريخ استخراجها، فتظهر 12 دولة فقط، وهي بيانات جزئية لا تمثل عامًا كاملًا.

وخلف هذا الرقم الإجمالي، تغيرت قائمة الدول نفسها. فمن أصل 61 دولة سجلت واردات من السمسم السوداني خلال 2018–2022، لم تظهر 38 دولة في بيانات 2024 والبيانات المتاحة لعام 2025، بينما ظهرت 23 دولة في الفترتين معًا.

وظهرت في البيانات المتاحة بعد أبريل 2023 ثلاث أسواق لم تظهر في الفترة السابقة، هي الجزائر والعراق وأذربيجان، وجميعها أسواق صغيرة نسبيًا مقارنة بحجم التجارة المسجل.

إذن، انخفضت الكميات، وتغير وزن المشترين، وتقلص عدد الأسواق الظاهرة في البيانات.

لكن هذه البيانات لا تخبرنا بما حدث بين مناطق الإنتاج والميناء.

من السوق في القضارف إلى الميناء في بورتسودان

يقول والي الدين عبدالقادر إن تكلفة نقل طن السمسم من القضارف إلى بورتسودان ارتفعت على مراحل خلال الموسم الأخير.

كانت، بحسب إفادته، نحو 65 – 70 ألف جنيه في بداية الموسم السابق، ثم ارتفعت إلى 70 – 80 ألف جنيه، وبعدها إلى 100 – 120 ألف جنيه، قبل أن تصل إلى نحو 140 ألف جنيه قبيل إجراء المقابلة.

هذه الأرقام لا تكفي وحدها لتفسير انخفاض الصادرات، لكنها توضح تغير إحدى حلقات سلسلة التصدير، وتساعد في فهم ما يحدث بين المنتج والميناء.

عندما تغير دور التاجر

بحسب والي الدين، لم يتغير النقل فقط؛ بل تغيرت طريقة تمويل شراء المحصول أيضًا.

قبل أبريل 2023، كان بعض التجار يعتمدون، وفق إفادته، على التمويل المصرفي، ويذكر من بين الجهات التي كانت تمول النشاط بنك النيل والبنك الزراعي.

أما بعد اندلاع النزاع، فيقول إن التمويل المصرفي لم يعد يؤدي الدور نفسه، وإن الشركات الخارجية أصبحت، بحسب إفادته، تؤدي دورًا أكبر في تمويل شراء المحصول. ويصف النموذج الجديد: «هسي أنا ممكن أقول لك ما في تاجر بياخد محصول. في وسيط لشركة خارجية. يعني الليلة انا كوالي الدين مثلًا بجي بتعاقد مع شركة إنه المفروض انا أشتري ليها».

وبحسب وصفه، يشتري التاجر المحصول لصالح الشركة، ثم يقوم بتجهيزه وإرساله إلى بورتسودان، مقابل هامش عمولة.

ويقول والي الدين إن هذا النموذج غيّر، من وجهة نظره، توزيع المخاطر داخل السوق: «المزارع هو واحد من الناس اللي هو ممكن يكون ما مستفيد من الشكلية دي. أما التاجر فعليًا هو مستفيد… التاجر بقى ضامن فوائده أفضل من ما قبل الحرب».

هذه إفادة من تاجر واحد، ولا تكفي لإثبات أن هذا النموذج أصبح القاعدة في السوق كلها. لكنها تفتح سؤالًا مهمًا: هل أدى تغير التمويل إلى إعادة توزيع المخاطر والعوائد بين المزارع والتاجر والشركة المشترية؟

السعر يرتفع، لكن لمن؟

تتفق إفادتا حسام ووالي الدين على اتجاه واحد: ارتفاع سعر السمسم خلال الموسم.

يقول والي الدين إن القنطار ارتفع من نحو 150 و170 ألف جنيه في يناير وفبراير إلى 400 و500 ألف جنيه، ثم إلى نحو 530 ألف جنيه.

ويقول حسام إن السعر بلغ نحو 485 و490 ألف جنيه في الأسبوع السابق للمقابلة، ثم تجاوز 500 ألف جنيه في الأسبوع التالي.

لكن ارتفاع السعر لا يعني بالضرورة ارتفاع صافي دخل المزارع.

يشرح حسام أن صغار المزارعين، بسبب حاجتهم إلى السيولة وسداد الديون، يضطرون غالبًا إلى بيع المحصول بعد الحصاد مباشرة، عندما يكون المعروض مرتفعًا.

أما كبار المزارعين، فيمكنهم الاحتفاظ بالمحصول وانتظار السعر المناسب.

ويربط والي الدين جزءًا من ارتفاع السعر بتراجع قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية.

وبذلك، فإن المقارنة بين سعر القنطار في بداية الموسم ونهايته لا تكفي لمعرفة ما إذا كان المزارع قد أصبح أفضل حالًا؛ فتكلفة الوقود والمدخلات والعمالة والنقل والتمويل ارتفعت هي الأخرى.

السؤال الأهم هنا ليس كم أصبح سعر القنطار؟ بل كم بقي للمزارع بعد تكلفة إنتاجه وتسويق محصوله؟

عندما تصبح قراءة الأرقام أكثر صعوبة

هناك عامل آخر يجب أخذه في الاعتبار عند قراءة بيانات التجارة بعد أبريل 2023: كيفية تسجيل هذه البيانات نفسها.

خلال 2018–2022 تراوحت حصة القيمة المصنفة ضمن البيانات التقديرية/بيانات المرآة بين نحو 10% و13% من إجمالي القيمة المسجلة. وارتفعت هذه الحصة إلى 31.9% في 2023، ثم تراجعت إلى 21.5% في 2024، قبل أن تصل إلى نحو 40.9% في بيانات 2025 الجزئية.

ويعني ذلك أن جزءًا أكبر من القيمة المستخدمة في قراءة التجارة بعد أبريل 2023 يعتمد على بيانات تقديرية أو بيانات مرآة، وهو ما يستدعي حذرًا إضافيًا عند تفسير الأرقام. لكن ارتفاع هذه النسبة لا يحدد، بمفرده، سبب هذا التغير.

فبيانات «المرآة» تتيح قراءة ما سجلته الدول المستوردة من السودان، لكنها لا تعيد بناء إجمالي صادرات السودان الفعلية.

لذلك، فإن انخفاض الكميات المسجلة قد يعكس تراجع الإنتاج، أو صعوبات النقل والتمويل، أو تغير مسارات التجارة، أو اختلافات في الإبلاغ والتسجيل، أو مزيجًا من هذه العوامل.

وتبقى بيانات التجارة قوية في إظهار أن نمط التجارة تغير، لكنها لا تسمح وحدها بتحديد سبب واحد لهذا التغير، ولا بإسناد انخفاض الكميات إلى تراجع الإنتاج وحده.

ما الذي تغير في تجارة السمسم السوداني؟

تظهر بيانات التجارة الدولية أن تجارة السمسم السوداني دخلت بعد أبريل 2023 مرحلة مختلفة.

الكميات المسجلة انخفضت، بينما ارتفعت القيمة المحسوبة للطن في 2023 و2024. وتغير توزيع التجارة بين الأسواق، مع تراجع حصة الصين وارتفاع الوزن النسبي لتركيا ومصر، كما انخفض عدد الدول التي سجلت واردات من السمسم السوداني.

وعند نقطة الإنتاج، يصف مزارع من القضارف نقصًا في الوقود والمدخلات والعمالة والتمويل، وتقليصًا لمساحته المزروعة وانخفاضًا في إنتاجه.

وفي السوق، يصف تاجر ارتفاع تكلفة النقل وتغير طريقة تمويل شراء المحصول، مع زيادة دور الشركات الخارجية والوسطاء.

لكن هذه المعطيات لا تعني أن انخفاض الكميات المسجلة في بيانات التجارة الدولية سببه تراجع الإنتاج وحده، ولا تثبت أن ارتفاع قيمة الطن في التجارة الدولية وصل بالقدر نفسه إلى المزارع.

فبين المزرعة وسوق القضارف، ثم التاجر أو الوسيط، والشركة المشترية، والطريق إلى بورتسودان، تتوزع تكاليف وهوامش متعددة.

وهنا يبقى السؤال الأهم: عندما ارتفع سعر السمسم، كم بقي منه للمزارع؟

ملاحظة منهجية: تعتمد الأرقام على بيانات الواردات التي أبلغت عنها الدول الشريكة للسودان إلى UN Comtrade للبند 120740 (بذور السمسم). وتُحسب القيمة للطن بقسمة القيمة المسجلة على الكمية المسجلة. وتظل بيانات 2025 جزئية، كما أن بيانات المرآة لا تعيد بناء إجمالي الصادرات السودانية الفعلية.